كتاب جيرار فاراس حول الشاعر فرنسيس بونج (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

يثير الكتاب الذي وضعه الباحث الفرنسي جيرار فاراس حول مواطنه الشاعر فرنسيس بونج (١٨٩٩-١٩٨٨) فضول القارئ بدلاً من إشباعه، لكن فاراس لم يسع فيه إلى استنهاك موضوعه بقدر ما حاول ونجح في تحقيق لقاء خاطف مع هذا الشاعر المبلبِل وفي إذكاء رغبة إعادة قراءته لدينا.

وبونج -كما يراه فاراس- هو شاعرٌ يدعونا في نصوصه إلى سفر لا يتطلّب سوى أن نفتح جيدًا أعيننا لرؤية ما يحيط بنا، أي تلك الأشياء البسيطة التي تبدو غريبة ما أن نمعن النظر فيها، مثل حصاة أو زهرة أو عشبة أو محارة.

أشياء على الهامش

ينظر الباحث إلى الغنى الحسّي الكبير في نصوص بونج وإلى الوصف الدقيق داخلها لجوانب من الأشياء نتجاهلها عادة مع أنها ليست مضادة للشعر بل تؤدي بالعكس إلى ظهور المألوف
أشياء أهملها الأدب ودفع بها إلى الهامش أو وضعها في مرتبة ما لا قيمة له. وإن عثرنا عليها بالصدفة في نص ما فلتوظيفها في خدمة شيءٍ آخر، كاستحضار المطر لإحلال مناخ متجهم أو باقة ورد للتطرق إلى موضوعٍ عاطفي، بخلاف بونج الذي ركّز على قيمة هذه الأشياء الذاتية وامتنع عن تحويلها إلى علامات أو توابع.

ويذكّرنا فاراس في هذا السياق أن فن الرسم قبل الأدب، ومنذ الرسام شاردان الذي أُعجب به بونج، رفع "الطبيعة الجامدة" إلى مرتبة الموضوع. وهذا ما يفسّر عدم تردد كلود مانيه في رسم هِليونات في صحن أو تخصيص سيزان لوحاتٍ كثيرة لموضوع التفاحة. فكل شيء بذاته هو عالم لا بد من اكتشافه واستكشافه، كما أنه ضرورة تشارك في حسن سير العالم.

ومن هذا المنطلق، ينظر الباحث إلى الغنى الحسّي الكبير في نصوص بونج وإلى الوصف الدقيق داخلها لجوانب من الأشياء نتجاهلها عادة مع أنها ليست مضادة للشعر بل تؤدي بالعكس إلى ظهور المألوف كما لو أنه مجلوبٌ وإلى الشعور بالبُعد الكبير لما هو قريب جدا منا.

وشغف بونج بالأشياء تفسّره أيضا رغبة ملحّة في تملّك العالم وفي معاودة الاتصال بالطبيعة التي نشكّل جزءًا منها، وإن فُصلنا عنها. من هنا يأتي إصراره في نصوصه على فكرة أن العالم يستدعينا بإلحاح على رغم خرسه، كالزهور التي تومئ لنا بطريقتها العطرة وتألّقها، ويقول الشاعر حولها: "جميع الوسائل مقبولة لديها للفت انتباهنا. فمع أنها تعاني من عجز مؤثّر (شلل الأعضاء السفلى)، لكنها تلوّح بمناديلها العطرة".

ومَن لا يرى سوى هذا العجز في الأشياء، عليه أن يرى أيضا عجز الإنسان بالذات. فهو أيضا أخرس، في نظر فاراس، بخلاف المظاهر. إذ بعدما جرّدته الخطابات الدعائية والسياسية من لغته الشخصية، لم يعد قادرا سوى على الثرثرة وفقد إمكانية التفوّه بكلامٍ آخر غير السائد في محيطه.

نعرف أن بونج دخل في مغامرة "الانحياز للأشياء" عام ١٩٢٦، أي في الوقت الذي شعر فيه بعدم القدرة على الكلام. وأثناء فترة النقاهة التي أمضاها في الريف الفرنسي اكتشف فضائل الوصف البسيط، وصف عسلوج أو زهرة خشخاش مثلاً، كتمارين شكّلت نوعًا من إعادة تأهيلٍ شفهية له، كانت نتائجها إعادة تملّكه لغته وتشييدها، كلمة بعد كلمة، من منطلق أن كشف سماكة العالم الجوهرية يتطلب استخدام لغةٍ جوهرية وغنية.

مثل الرسامين الذين يرغبون في أن لا يكتفي الناظر إلى لوحاتهم بالتقاط مواضيعها بل أيضاً بتحسّس مادتها التصويرية، يبرز الشاعر لغته ويجعلنا نستشعر جميع نتوءاتها
بلاغة جديدة
وفي هذا السياق، يبيّن فاراس حساسية بونج تجاه علم الاشتقاق الذي يكشف القواعد اللاتينية للغة الفرنسية، ولكن أيضا تجاه القيمة السمعية للكلمات، ويتوقف عند مهارته في استخدام هذه العناصر بطرافة وذكاء نادرين، كتنظيمه لقاءات بين كلمات جد مختلفة بطُرُق تنجب مفاجآت تعبيرية سارة.

باختصار، كل شيء في نصوص الشاعر له أهميته -وفقا لفاراس- ولا شيء متروك للصدفة، بما فيه علامات التنقيط. وكما في التصوير الفوتوغرافي الذي يتم فيه استخدام كلمة "تصعيد" للتعبير عن الظهور التدريجي للصورة من حوض التحميض، يصعّد بونج لغته على سطح الصفحة.

ومثل الرسامين الذين يرغبون في أن لا يكتفي الناظر إلى لوحاتهم بالتقاط مواضيعها بل أيضاً بتحسّس مادتها التصويرية، يبرّز الشاعر لغته ويجعلنا نستشعر جميع نتوءاتها ولا يتناول هذا التشكيل الكلمات فقط بل أيضا الجمل التي أرادها أن تتمتع بسلطة الأقوال المأثورة غير القابلة للنقاش.

ولا يهمل فاراس مسألة اختلاف نصوص بونج النثرية بعضها عن بعض لخضوعها في كل مرة لقواعد خاصة يفرضها الشيء الذي تحاول الإحاطة به، بعبارة أخرى، يبتكر الشاعر بلاغة جديدة أمام كل شيءٍ موصوف.

فقصيدة غنائية حول الوحل مثلاً لا يمكنها أن تكون إلا غير منجَزة نظرا إلى طراوة الوحل ورخاوته. وبينما تطلّب موضوع الحجارة الكريمة اقتصادا كبيرا في الكلمات، نظرًا إلى ندرتها، تطلّبت مقاربة تدفّق نهر السين غزارةً في التعبير.

وصف النص
لكن فرادة نصوص بونج لا تكمن في نظر فاراس، في النقاط التي سبق أن أشرنا إليها بقدر ما تكمن في جعله هذه النصوص تبدو وكأنها تقصد فقط وصف العالم الخارجي في حين أنها تعمد بدرجاتٍ متفاوتة، إلى وصف نفسها أيضا.

فالمتمعّن في نص "مطر" مثلاً يلاحظ بسرعة أن بونج لا يصف المطر فحسب بل نصه بالذات. وينطبق الأمر على نصوص كثيرة له قابلة للانعكاس لتمتعها بجانبين لا يمكن فصلهما: جانب يلتفت نحو الشيء الموصوف.

وجانب آخر نحو النص الواصف. ونجاح الشاعر يكمن بالتالي في عدم فصله القصيدة عن شرحها، وفي كتابتها بطريقةٍ تتحوّل فيها إلى تفسير لنفسها، مما يحوّل أي مقاربة نقدية لها إلى مجازفة.

المصدر : الجزيرة