القاص الليبي حسن بوسيف (الجزيرة)

حاوره في درنة/ خالد المهير

يقضي القاص الليبي حسن بوسيف أغلب وقته مستمعا لهتافات الشارع وأغاني الأطفال الصغار التي تعبر عن لحظات الحرية التي تعيشها المدن المحررة. ويتابع عبر مكبرات الصوت ثورة الشعب ضد الطغيان بميادين مدينته درنة.

استمعت إليه يسرد في جلسة ود حكاية المثقف والثورة، وكان في حديثه عن القذافي يصب جام غضبه عليه قائلا إنه لن يدخل "حتى مزبلة التاريخ". الجزيرة نت كان لها معه الحوار التالي الذي بدأه بالترحم على من استشهدوا في ميادين وساحات في المدن المختلفة:

هل السرد عاجز عن وصف مجريات ثورة 17 فبراير؟

السرد الشفهي لأحداث القمع كان أكثر تناقلا بين الناس، هذه الثورة لم تأت من فراغ، هي اختزال لكل المراحل "القمعية" أريدك أن تسأل أي شاب من مواليد التسعينات عن ضحايا القذافي، سوف يحكي لك عن شنق المعارض الصادق الشويهدي في شهر رمضان إبان الثمانينيات، يتحدث الناس عن مذبحة سجن بوسليم عام 96، وعن عملية محاولة اقتحام باب العزيزية فترة الثمانينيات أيضا.

لا أحد كان يفكر في الدخول على القذافي في عقر داره، قبل هذه التضحيات الكبيرة كان الأفق مسدودا، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي أحدث شرخا في جدران الطغاة، الطغاة يكرهون الموت ويهربون عند الضغط عليهم عادة.

كنت في احتفالية بمدينة سرت عند اندلاع الثورة، ماذا جرى هناك؟

علم الاستقلال فوق أحد مساجد درنة مدينة القاص حسن بوسيف (الجزيرة )
يوم 15 فبراير في ساعة متأخرة من الليل استمعنا إلى صوت الناقد إدريس المسماري على قناة الجزيرة يدعو بنغازي إلى الثورة، كنا في قلب سرت، بصراحة شعرنا بالخوف، وكنا نشعر بالانتشاء لصوته دون الإفصاح عن ذلك، يوم 16 شاهدنا الموالين يخرجون في مسيرات، وكانوا يحملون لافتة كبيرة عليها عبارة "معمر القذافي قائد الثورة للأبد".

بعد وصول معلومات تفيد باعتقال إدريس وضرب زوجته الكاتبة أم العز الفارسي توقفت أغلب نشاطات الاحتفالية، ولم يخرج أحد من غرفته بالفندق، حتى عندما حان وقت إرسال برقية إلى القذافي غادرت مجموعة من المثقفين القاعة الشاعر صالح قادربوه وطارق الشرع والمخرج خالد نجم والمسرحي علي الفلاح قاطعوا البرقية، وبدأنا التفكير في الرجوع إلى درنة.

في طريقنا إلى المدينة يوم الجمعة وصلتنا أنباء اختطاف الصحفي عاطف الأطرش واعتقال الكاتب محمد اسحيم والصحفية سالمة الشعاب في طرابلس، وحينما وصلنا إلى مدينة إجدابيا بالسيارة وجدنا لافتة كانت دليل الطريق عليها عبارة "يسقط معمر القذافي" داس السائق الذي كان من سرت على فرامل السيارة بالقوة، وقال ماذا حدث؟ أخبرناه عن اندلاع الثورة وسقوط نظام القذافي في مدن الشرق.

 ماذا وجدت عندما وصلت إلى درنة؟

وجدت مدينة أخرى جميلة بدون صور القذافي وعبارات الكتاب الأخضر، الشوارع أكثر ودا مع المارة، تخيل معي منذ طفولتي كنت محاصرا بعبارات "اللجان في كل مكان " مثل هذه العبارات تغذي لديك إحساسا بأنك دائما تحت المراقبة، اليوم تجد عبارات تنادي بالدستور والديمقراطية ودولة المؤسسات.

يد القذافي طالت أصحاب الرؤى المختلفة فزج بهم في السجون، واكتشف أنه في حاجة إلى مثقفين وكتاب، حينها أنشأت طبقة أخرى
فكرة الكتابة على الجدران عبارات شفافة تنادي بالوحدة الوطنية وسلامة الوطن جميلة، لم أعد أشعر بالخوف من مراقبة الأمن واللجان الثورية، أتحدث مع الجميع بدون توجس في طوابير الخبز والأسواق، بالإمكان الحديث بكل حرية في الشأن العام، وأتمنى  أن تعيش كل المدن التي مازالت في قبضة القذافي ما نشعر به الآن.

كيف تسرد لحظة الثورة، وما هي أهم تجلياتها؟

من أجمل مفردات الثورة تعدد منابر الإعلام، قبل الثورة كانت لدينا منابر شركة الغد، كانت تمارس القمع، حاليا في درنة سبع صحف، وفي بنغازي أكثر من سبعين صحيفة، الحوار الآن متاح بدون قيود، معمر كان يمنع الكلام بزرع الشكوك وفقدان الثقة.

كنت دائما أخشى رعب الأمن والسجن، القذافي حاول فرض فكرته على الحياة، تدخل في أدق شؤون حياتنا،42 عاما من الكآبة والبؤس على المستوى  الفكري، حاليا نعيد الاعتبار لذوانتا أمام العالم، حتى في المحافل الدولية، القذافي كان يخرج بتصرفات "وقحة" إما أن يأتي متأخرا للفت الأنظار، أو يمزق الأوراق، وأخيرا ظهر على حقيقته "قاتل وسفاح".
 
وأين دور المثقف خلال هذه الحقبة الجديدة؟

المثقف بكل صراحة غائب، على الصعيد الشخصي أعاني من إشكالية ماذا تقول؟ في مجابهة ثورة بهذا الحجم، وكيف سأقول؟ هذا سؤال في الشكل، مثلا جميع القصائد المتداولة مقفاة، أين قصيدة النثر، هل هي غير قادرة على وصف الحدث؟ وفي اعتقادي أنه حتى الرواية قادرة على وصف مايجري.

مسؤولية اتحاد الكتاب الجديد هي طرح الأسئلة الحقيقية، فنحن بحاجة إلى إعادة صياغة المشهد الأدبي والثقافي في البلاد، وحتى تربية الصغار لأنه بعد 17 فبراير أصبح من حق أي طفل أن يكون الرئيس القادم.  

ماذا عن حصار المثقف بعهد القذافي، وكيف حاول المثقفون مواجهة ذلك الوضع؟

بوسيف: من حق أي طفل أن يصبح الرئيس القادم في ليبيا (الجزيرة )
 سنة 1976 وقعت كارثة في المشهد الثقافي، طالت يد القذافي أصحاب الرؤى المختلفة وزج بهم في السجون، واكتشف أنه في حاجة إلى مثقفين وكتاب حينها أنشأت طبقة أخرى، بالطبع بدون تعميم على جميع أسماء ذلك الجيل، أتحدث هنا عن أصوات الداخل، النخبة كانت تشتغل على مسائل لا تورطها في مشاكل مع السلطة.

ولكن كانت هناك نماذج نادرة في مجابهة القمع، الشاعر محمد الشلطامي كتب "إن يكن عصبوا عيني.. من يعصب قلبي؟" والقاص خليفة الفاخري والصادق النيهوم تم إبعادهما، بعد خروج الشباب من السجن، ومع صدور مجلة "لا" أصبح  شغل المثقف محاولة توسيع هامش الحريات.

أصبحت هناك قضايا مطروحة بقوة وبجدية: من نحن، لماذا نحن مغيبون عن الساحة العربية؟ ودخلت المجموعة في صراعات، كانوا صادقين في التجربة والنضال.

بعد انتشار الإنترنت سقط القذافي، هل تتفق معي في هذا الرأي؟ 

طبعا، إذا لم يكن هناك إنترنت لما أخذ مقال فتحي البعجة "ليبيا إلى أين؟" كل هذا الصدى، ويتصل به القذافي، أيضا مقال محمد اسحيم "رايس لبلاد" لا توجد إمكانية لنشر مثل هذه المواد في أي وسيلة إعلام.

و
كيف تفسر جنون وسائل إعلام القذافي في تمجيد العقيد؟

هذا يعبر عن عجز، وعدم قراءة منطقية للواقع، من الممكن الاختلاف في قراءة الحدث، لكن القذافي لو درس الواقع جيدا لغادر البلاد رابع يوم الاحتجاجات، هو شخص يتخيل الملايين، في الحقيقة أنصاره لا يتعدون خمسة آلاف، لا تجد أحدا يحب القذافي.

في مجموعته "القرية القرية.. الأرض الأرض" يتحدث عن شخص واحد، هل تسيطر عليه فكرة الرجل الأوحد؟

 هو طرح مجموعة قصصية أجريت عليها دراسات لإثبات أنها قصة، لكنها تفتقر إلى تعدد الشخصيات، يكتب فيها بصوت واحد، إضافة إلى أنها تناقش أفكار تزعم الفلسفة، انتحار رائد الفضاء الرجل الذي سقط في القرية، وفقد التعامل مع الرائد وفي النهاية انتحر، وكأنه يود القول إن العلم ينتحر ولا يوجد تواصل بينه وبين القرية، لماذا لا يوجد تواصل والقرية هي التي تنتحر أمام العلم؟

القذافي لا يحب العلم، يدعي أنه زعيم أممي وقومي، ويخرج على شعب أعزل ليقول له سأزحف أنا والملايين، على من؟ على شعبك؟.. هل من عاقل يقول "أنا المجد". سابقا كان أصدقاؤه يدافعون عنه، واليوم صحيح أنه يستمد قوته من أبنائه الذين يديرون المعارك، لكنه قابع في سرداب "يزاحم الجرذان" هذا هو الرجل الذي حكمنا لمدة 42 سنة.

 لكن الشعب كرس لديه نزعة النرجسية

هذا حقيقي، شاب عمره 27 سنة يجد بين يديه دولة غنية ونفطية، جاء إلى الحكم على ظهر دبابة، أتذكر في إحدى جولاته بالصحراء، وكان معه مهندس يشرح له أن الرمال الليبية غنية بمواد تدخل في صناعة الكريستال الفاخر، وبالإمكان استخراجه والاستفادة منه، كان لا يفهم ما يقوله الشاب، ويرد عليه "زين زين".

لم أعد أشعر بالخوف من مراقبة الأمن واللجان الثورية، أتحدث مع الجميع بدون توجس في طوابير الخبز والأسواق، بالإمكان الحديث بكل حرية في الشأن العام
القذافي ليس عقلية منتجة، لا يعرف معنى تركيب المواد والتفاعلات، يعرف شعلة آبار النفط من الصحراء إلى جيوبه، ويعيش في تناقض "مريب"، يقول إنه ابن البادية والخيمة، وفي باريس يأتيه الطعام من فنادق خمسة نجوم، ويتصل بالإنترنت ويركب طائرة فاخرة. 

هل مارست الكتابة برمزية خشية الملاحقة؟

في السرد الاختباء وراء الرموز متاح، عكس الشعر، لأنه مساحات التعبير عادة في جمل قصيرة، الروائي محمد الأصفر في رواية "فرح" يقول إن أحد أهالي ضحايا سجن بوسليم وافق على استلام الدية المائتي ألف دينار، استلم المبلغ من الدولة وخرج يصرخ في الشارع، ومعه تصرخ بنغازي، أيضا في روايته "المداسة" يقول في آخر فصل صراحة: كل من خرج من بيته لم يعد بسبب هذا النظام.

طبيعة النص السردي أكثر مرونة، صالح قادربوه في نص "المشبوهون" و"هذا ما سأفعله باسمك "وعبد السلام العجيلي في "لن أشرب من ماء البحر" و"هذه بلادنا" كنا نخشى عليهم من الاعتقال لأنها كانت نصوص مباشرة، العجيلي رد على سيف الإسلام عندما دعا الليبيين إلى الشرب من ماء البحر إذا لم يعجبهم القذافي.

المصدر : الجزيرة