المهاجرون والهامش الثقافي في فرنسا
آخر تحديث: 2011/7/7 الساعة 20:20 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/7 هـ
اغلاق
خبر عاجل :أمير الكويت: علينا أن نعي مخاطر التصعيد في الأزمة الخليجية
آخر تحديث: 2011/7/7 الساعة 20:20 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/7 هـ

المهاجرون والهامش الثقافي في فرنسا

ملصق إشهاري عن الثقافة في باريس (الجزيرة نت)

بوعلام رمضاني- باريس

أثبتت حالات كثيرة أن معظم المهاجرين المقيمين في باريس وضواحيها لا يولون اهتماما بالثقافة ويعيشون على هامش تظاهراتها الهامة والنوعية رغم أن باريس إحدى أشهر العواصم العالمية بروزا في المجال الثقافي والفني والفكري بوجه عام.

وعدم إقبال المهاجرين على الثقافة لم يقتصر على عامة الناس الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من منظور سوسيولوجي، بل طال حتى الطلبة والمثقفين الذين لا نجد لهم أثرا في تظاهرات دورية يفترض أن "تجبرهم" على الحضور مثل صالون باريس للكتاب ونشاطات المراكز الثقافية والمؤسسات الفرنسية الشهيرة مثل مكتبة فرنسوا ميتران ومجمع بوبور الذي أسسه الرئيس الراحل جورج بومبيدو واليونسكو ودار ثقافات العالم والمتاحف والمسارح.

ولفهم الظاهرة التي تحتاج إلى أكثر من تحقيق ودراسة لتشعب وتداخل حيثياتها، حملت الجزيرة نت حزمة من الأسئلة وتحدثت مع مجموعة من المثقفين والمسؤولين والمهاجرين القلائل المهتمين بالشأن الثقافي.

ويعبر مدير المركز الثقافي الجزائري محمد مولسهول -المعروف روائيا باسم ياسمينة خضراء- عن سخطه حيال الظاهرة التي يحاول الحد من انعكاساتها بكل السبل منذ توليه مسؤولية إدارة أحد أنشط المراكز الثقافية العربية في العاصمة الفرنسية على حد تعبيره.

ياسمينة خضراء قي شرقة مكتبه بباريس(الجزيرة نت)
عزوف المهاجرين
وهذا الروائي -الذي وجد نفسه وسط حوالي عشرين شخصا بمناسبة ندوة نظمها تكريما للروائي الكبير الراحل محمد ديب- لا يفهم عزوف المهاجرين عن الثقافة ويعجز عن فهم تصرفهم.

ويقول "اعتقدت في البداية أن مبرر انخراطهم في المجتمع الفرنسي جعلهم يحيدون عن ثقافتهم الأصلية، وللأسف لا تعثر عليهم في التظاهرات الثقافية الفرنسية الشهيرة مثل صالون الكتاب ولا تشاهدهم في المسارح والمتاحف والمكتبات والمعارض التي تعج بها العاصمة الفرنسية خلافا للفرنسيين والأجانب الذين يقفون في طوابير لساعات قبل دخولهم معارض بيكاسو أو مانيه أو حضور مسرحية أو مشاهدة فيلم".

وإذا كان العمال أو "الزوفريا" -كما يسمون شعبيا في ديار المنفى- والذين يسكنون إقامات "سوناكوترا" البائسة الأشبه بمحتشدات جماعية غير قادرين على كتابة رسالة لذويهم وبالتالي غير معنيين بالثقافة كما، فإن الفاجعة تكبر أكثر "حينما يتعلق الأمر بالطلبة الذين تحولوا إلى عمال كادحين مثل المهاجرين القدامى المسنين " وفق ما يرى المتخصص في الإعلام الطالب لطفي.

ويوضح لطفي أن معظم الطلبة العرب يضطرون للعمل بهدف تحسين ظروف معيشتهم، وهم لا يختلفون في الكثير من الأحيان عن " الزوفريا" مشددا على أنه يجب تفهم هذه الفئة التي كثيرا ما تفكر في لقمة العيش "فهم مهاجرون أتوا من أجل البقاء باسم الدراسة هروبا من قسوة الحياة في البلدان الأصلية".

ويستدرك المتخصص الإعلامي بالقول "لا يجب تفسير غياب الطلبة في التظاهرات الفكرية والأدبية بالظروف الاجتماعية الصعبة فقط، والكثير منهم تمكنوا من تحسين أحوالهم المادية لكنهم بقوا يسخرون من أمثاله الذين يلاحقون جديد المبدعين في شتى المجالات".

الطالب لطفي يفسر العزوف عن الثقافة بعوامل التربية (الجزيرة نت)
ويرى لطفي "أن السبب الحقيقي الذي يمكن أن يفسر الظاهرة يكمن في العامل التربوي، فمعظم الطلبة والمثقفين والمتعلمين العرب بوجه عام لم يترعرعوا في بيئة تشجع على الممارسة الثقافية بمفهومها الشامل".

وإذا كان الروائي خضراء لا يفهم لماذا لا يحضر الطلبة ملتقيات ينظمها بالتعاون مع الجامعات في الأدب المقارن مثلا، فإن نفس الطلبة والشبان يأتون لحضور حفلات غنائية ولا يقفون عند معارض الفنون التشكيلية ولا يدخلون المكتبة بالعدد الكافي وفق طالب فضل عدم ذكر اسمه مشيرا إلى أن الإقبال على الثقافة أمر معقد.

مسجد باريس
من جهته يؤكد الدكتور حسين رايس -المسؤول السابق عن المصلحة الثقافية في معهد مسجد باريس لمدة 25 عاما- عمق الشرخ الذي يفصل بين فئات كثيرة من المهاجرين والحياة الثقافية الغنية والملبية لأصحاب كل التوجهات والأذواق في فرنسا.

وقال رايس للجزيرة نت إنه كان قد تحدث مرارا عن هذه الحقيقة، مذكرا بالمحاضرات الفكرية التي كان ينظمها في التسعينيات باستضافته كبار المفكرين العرب والأجانب من أمثال محمد أركون وموريس بوكاي وفانسان مونتاي وروجيه كاراتينيه وروجيه أرلنديز ومفكرين آخرين.

وحدث أن وجد نفسه مثل الروائي ياسمينة خضراء أمام حضور لا يتجاوز أصابع اليد، فقليلة هي الحالات التي جاء فيها الجمهور بالعدد الذي يرقى إلى مستوى السمعة التي يحظى بها ضيوف الأنشطة الثقافية بمسجد باريس.

وتحدث رايس عن حالة أركون، فقال إن محاضرة هذا الأخير حول الفكر الإسلامي لم تلق صدى فكريا يستحق بل قوبلت بهجوم شخص كال السباب للقائمين على النشاط في مسجد باريس والذين -وفق رأيه- فتحوا "باب التعبير لمفكر كافر لا يخدم الإسلام".

ولأن استهلاك الثقافة يتطلب إمكانات مالية ووضعية اجتماعية مريحة تسمح لصاحبها بتصنيف الثقافة ضمن حاجاته الأساسية، فإن الدكتور رايس يعتقد أن الأغلبية الساحقة من المهاجرين يجرون وراء لقمة العيش، ولا تشكل الثقافة حاجة ملحة في حياتهم الصعبة، وحتى الفئة المتعلمة لا تقبل على الثقافة بالقدر الكافي لأنها تعاني من تصور ضيق للثقافة ومنغلقة هي الأخرى على نفسها، وترى أن صعوبة الحياة تفرض عليها العمل وضمان الاستقرار الاجتماعي قبل التفكير في الحاجة الثقافية.

الكاتب الصحفي الطيب ولد عروسي (يمين)
والدكتور حسين رايس (الجزيرة نت)
هزيل وتقليدي
وإذا كان رايس قد أعطى فكرة عن ظاهرة "إضراب المهاجرين الثقافي" من موقع مؤسسة دينية، فإن الكاتب الصحفي الطيب ولد عروسي لم يتردد في توجيه اللوم إلى معاهد إسلامية تقوم بنشاطات ثقافية في حاجة إلى غربلة وإعادة صياغة كاملة بسبب عدم استجابة مسؤوليها لمعايير التنشيط الثقافي المطلوب الأمر الذي لا يشجع على إقبال المهاجرين،على حد تعبيره.

الأمور البسيطة التي تقوم بها هذه المعاهد -كما قال- لا تواكب الحياة اليومية للجالية المهاجرة في ظل تطورات حديثة ومستجدة عربيا وإسلاميا وعالميا، والشيء نفسه ينسحب على المراكز الثقافية العربية التي لا تقوم بأي جهد يستحق الذكر، وفق تعبيره.

ويضيف "والكثير من المهاجرين لا يعرفون أو لا يدرون بوجود هذه المراكز الجامدة والبيروقراطية والتي لا تتصل بهم إلا حينما تقترب تواريخ انتخابات أو أمور دعائية لا ترقى إلى تطلعاتهم".

ويؤكد ولد عروسي أن سبب عدم اهتمام الدول الأصلية بالمهاجرين على الصعيد الثقافي زاد من وقع عيشهم على هامش الثقافة بحكم مستواهم التاريخي المتدني وأمية الكثير منهم ، ناهيك عن لامبالاة السلطات الفرنسية المعنية الأمر الذي لا يمكنهم من الاندماج في المجتمع كما تردد النخب السياسية المختلفة دون البحث عن الأسباب التي تفسر التهميش المتعمد الذي تتعرض له الجالية المهاجرة.

رئيس جمعية نسيم للمهاجرين محمد جعيمي يرى أن ظاهرة الأصولية الدينية زادت من عزلة المهاجرين على الصعيد الثقافي
والتقط رايس ملاحظة ولد عروسي ليؤكد أن أبناء المهاجرين غير معنيين اليوم بالثقافة الفرنسية من باب إحساسهم أنها لا تمثلهم ولا تعنيهم ولا تدرجهم في الخطاب الفني والثقافي إلا قليلا، فضلا عن نفورهم من المثقفين المنحدرين من أصول عربية مثلهم بسبب تدجين الكثير منهم وترديدهم أطروحات غربية "لا تمثل ضمير وهوية وقضايا المهاجرين".

ويضيف رايس أن هؤلاء المهاجرين "لا يختلفون في تقدير جمال أمالو -رجل الأعمال المحب للثقافة والفن- عن المثقفين الإعلاميين الفرنسيين الذين يسيطرون على المشهد الثقافي، ويوجهون الرأي العام بشكل يعادي المهاجرين ويحط من دورهم ويكرس المكيافلية السياسية التي اتخذ أصحابها من موضوعي الهجرة والإسلام كبش فداء في المزاد السياسي الرخيص".

ميترو، بولو، دودو
من جهته يلخص الأستاذ المتقاعد من جامعة السوربون الدكتور الهادي بن منصور مأساة عيش المهاجرين على هامش الثقافة مستعيرا تعبير "ميتور، بولو، دودو" –أي نقل، كدح، نوم- الشائع في الشارع العربي بديار الغربة، وهو التعبير الذي لا يحتاج إلى تعليق برأيه ويمثل قراءة نفسية وسوسيولوجية بديعة تتركنا نستغني عن كل تحاليل الأكاديميين بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم.

وبن منصور يكرس حياته الشخصية من أجل ترسيخ تقاليد ثقافية جديدة في أوساط المهاجرين باعتباره رئيس جمعية "أصدقاء تلمسان" التي تستعد لتنظيم فعاليات ضمن تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة في أكتوبر/ تشرين الأول بالتعاون مع المركز الثقافي الجزائري بباريس.

ويرى الأكاديمي المتقاعد أن المهاجرين العرب يسكنون في أحياء بائسة بعيدة عن البؤر الثقافية المعروفة في العاصمة الفرنسية، ويعانون من مشكلة التواصل اللغوي ومن ضيق الحال نتيجة عملهم في مجالات صعبة وغير مثمنة "وفي ظل هكذا وضعية تصبح الثقافة حاجة كمالية لا يفكر فيها أغلب المهاجرين".

ويتفق بن منصور مع كل من ولد عروسي ورايس في مسألة عدم اهتمام الدول العربية بمهاجريها على الصعيد الثقافي، مضيفا أن الجالية المهاجرة تعيش الوضعية التي أريد لها أيضا من السلطات المحلية والجهوية والفرنسية الوطنية والدليل "عدم حصول الجمعيات الثقافية القليلة على دعم مالي ومادي ومعنوي من هذه السلطات".

الهادي بن منصور: الدول العربية لا تهتم بمهاجريها على الصعيد الثقافي
(الجزيرة نت)
نخبوية وتزمت
مسؤولية عدم اهتمام المهاجرين بالثقافة لا تتحملها السلطات الفرنسية كلية على الرغم من خلفية مواقفها العدائية حيالهم لأسباب سياسية تزداد حدة من عام لآخر كما هو الحال اليوم في عهد نيكولا ساركوزي، والمراكز الثقافية العربية الموجودة تبقى نخبوية إلى حد كبير في نظر الدكتور بن منصور ولا ترقى إلى مستوى تحديات وتطلعات وهموم المهاجرين وتركيزها على الفنون التشكيلية والموسيقى والشؤون الفكرية النخبوية يتناقض مع تاريخ وواقع معظم المهاجرين.

أما رئيس جمعية نسيم للمهاجرين محمد جعيمي فيرى أن ظاهرة الأصولية الدينية زادت من عزلة المهاجرين على الصعيد الثقافي نتيجة "تهافتهم الكبير على النشاطات الدينية فقط" كما يثبت ذلك مهرجان البورجي السنوي "الذي يأتيه الناس من كل فج وصوب" ويؤيده في هذا الرأي كل من ولد عمروسي ورايس.

وكمتابع لشؤون الثقافة والهجرة، أنهى ولد عروسي مداخلته قائلا "كنت شاهدا على إقبال جمهور خرافي على معرض الأماكن المقدسة الذي نظمه معهد العالم العربي، وقد شاهدت الناس يقفون في طوابير تحت المطر وهم أنفسهم الذين يقاطعون الثقافة الفرنسية".

المصدر : الجزيرة

التعليقات