سوريون بالأردن يتظاهرون ضد نظام الرئيس بشار الأسد (رويترز-أرشيف)

حكمت النوايسة*

لا أخاف على الثائرين لأنهم سيستشهدون، أو يعودون أدراجهم إلى حلم جديد، أخاف على الأرض، الأرض التي فيها شموس أخرى، تشوي الحجارة وتحيلها نفطا... أنا لا أخاف على من سيموت، لأنه سيموت، لكنّني أخاف على الشمس.

شمس بلادي أجمل من سواها، وظلامها أجمل من ظلام سواها، لكنّها هذه المرّة تُربك المزولة، حتى ليكاد يدركنا النهار...الشارع ليس كاميرا .. ومعلّق بائس يستمني الانتصار على الوهم.

ثمّة طغاة يتواطؤون مع من يتسلّط عليهم، ليرسموا بؤس الثورة، وثمّة قوّة يتكئ عليها "الممانع" لكي يثبت بؤس الثوار، وثمّة مسرحيات من الندب والشجب، والضغط، وما تحت الطاولة، أوطان أخرى تتقشّر مثل ليمونة عند حافّة صدأ...

الرويبضات موجّهةٌ عدساتُهم إلى أوغاريت، كأنّهم واقفون تماما في البوكمال موجّهة عيونهم إلى الغرب، ممنوعين من الالتفات إلى الوراء، إذ أن الكيل الذي يطفح عادة انتصارا للشعوب، لم يجد ما يزن فيه الأمور في نصف مليون كيلومتر مربع على خارطة العالم اسمه العراق، والكيل نفسه لم يجد ما يزن به الأمور لكي يطفح أو يشافّ الطفحان في غزة التي استقبلت صدور أطفالها الفسفوري، والملوّن، والثقيل والخفيف، وهدمت فيها الصوامع، والبيوت على أصحابها، وفيها نصف مليون لاجئ ومهجّر هرموا في انتظار كيلٍ ما في مكانٍ ما "كي يطفح" إذا ما نظر إليهم...

أقول للرئيس الذي يظهر للعالم كأنّه لا يدري، وتلك مصيبة، أقول له: ليس الجزيرة هي التي تحاربك، وإنما أنت تحارب نفسك، عندما تنصّب حزبك وأجهزة أمنك مصدرا واحدا وحيدا للحقيقة
لاجئون نسوا
هل أبكي إذا قلت إن بعض الذين يبكون على اللاجئين في سوريا، وينتصرون لهم، لاجئون نسوا أنهم لاجئون، وأن كيل "مجلس الأمن" لم يطفح لعذاباتهم منذ ما يزيد على ستين عاما؟

لا ألوم الجزيرة، القناة، ولا أخوّنها، كما لا أخوّن المتعاطين معها، لأن لي ذاكرة نشطة، أتذكّر فيها أحمد منصور وهو يقف وحيدا ليس معه إلا جهازه الخلوي في الفلوجة، ينقل إلى العالم مجزرة محدقة تكاد تقع، وقد أمن مرتكبوها أن لا جزيرة أو غيرها في الفلوجة، لولا أن تدارك الله مدينة المآذن، بأن كانت الجزيرة هناك، ونقل أحمد منصور الجريمة وهو بين الشهادة والشهادة.

كما أنّ ذاكرتي لا تنسى وائل الدحدوح في غزة، ولا تنسى العمري، ولا غيره ممن نقلوا الجريمة، الجريمة الشنيعة التي "لم يطفح " لها كيل مجلس الأمن.

والناقمون على الجزيرة ينسون أنها المحطة العربية الوحيدة التي قاربت مقولة نتنياهو في مجلس التصفيق الحار له في أميركا عندما قال "العرب في إسرائيل أفضل من العرب في أي مكان عربي من المحيط إلى الخليج" الجزيرة ذهبت إلى أولئك العرب، وأعدّت تقريرا عن معاناتهم، والعنصرية البشعة التي يعانون منها، بالأرقام والصورة.

ثمّة احتلال عادل، وجميل، في العراق، وثمّة ناشطون سياسيون يوقدون الشموع عند السفارة الأميركية تعاطفا مع هذا الاحتلال الذي أزهق بلا مبالغة مئات الآلاف من الأرواح، وهجّر أربعة ملايين عراقي، لكنّه احتلال جميل، خلّص العراق من انفراد طاغية به ليقسّمه بين طغاة مختلفين، تتعدد مصادر طغيانهم، وخلّص الأمة من جيش مدرّب، ومنظم، ووطني، كان ينحاز لها، ولقضاياها... هكذا يقول من يخلطون الحابل بالنابل.

الحابل والنابل
لست ناشطا سياسيا، ولن أكون، بهذا التنكير الذي خلط بين الحابل والنابل، خلط بين سوريين معارضين صلبين تلقّوا العنت، والاضطهاد، والصلف، وسياط "الحزب الإله"، وبين آخرين ينادون بحريّة الشذوذ، وحريّة الغاب، في كل أماكن الدنيا، باستثناء المحميات الرعوية التي تنتخبها أميركا...

الأحرار وحدهم هم الذين يحرّرون الأوطان، أما العبيد فإنهم يُباعون لأي سيّد
ولكنّني سأنشط سياسيا، إن كان لي أن أقول لرئيس، أقول للرئيس الذي يظهر للعالم كأنّه لا يدري، وتلك مصيبة، أقول له: ليس الجزيرة هي التي تحاربك، وإنما أنت تحارب نفسك، عندما تنصّب حزبك وأجهزة أمنك مصدرا واحدا وحيدا للحقيقة، وأقول إنّ التظاهر الذي اغتُصب، والطيبين الذين حوّلتْهم آلة القمع إلى عُصاة، ليسوا عملاء لأي جهة في العالم، هم عملاء لوطنهم، حريصون عليه حرصا يفوق كثيرا حرص من حولك، لأن الحريص الذي يصرّ على حرصه مع فقره وقلّة يده مجرَّبٌ، أما الحريص الذي لم يجرَّبْ في نائبة، فإن أمره ملتبس.

وإذا كنت تريد تحرير الأوطان، فاتخذ الأحرار مادّة لا العبيد، لأنّ الأحرار وحدهم هم الذين يحرّرون الأوطان، أما العبيد، فإنهم يُباعون لأي سيّد وقد حرموا من وطن في القوّة، وتخيّلوا وطنا قد يكون في الفعل.

أما أنتم أيها المثقفون الحائرون مثلي، فإنني أقول لكم: إذا تسلّط ظالم على ظالم، استفتوا قلوبكم.

_________________

* شاعر أردني

المصدر : الجزيرة