سكوت هيرون.. صوت الثقافة السوداء
آخر تحديث: 2011/7/4 الساعة 22:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/7/4 الساعة 22:02 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/4 هـ

سكوت هيرون.. صوت الثقافة السوداء


ودعت الحياة الثقافية الأميركية مؤخرا الشاعر والفنان جيل سكوت-هيرون الذي يوصف بأنه من أهم أصوات الثقافة السوداء في الولايات المتحدة بفضل إنجازاته، سواء على صعيد الشعر والفن، أو في مجال الإعلام والنضال السياسي، دفاعا عن حقوق الأميركيين المنحدرين من أصول أفريقية.

وتميز جيل سكوت-هيرون بالرؤى النقدية اللاذعة في عالم السياسة ومحاربة العنصرية، واشتهر نصه الشعري: "الثورة لن تتلفز"، فيما يصفه الناقد بن سيزاريو بصحيفة نيويورك تايمز بأنه كان أحد أبرز أصوات الاحتجاج الثقافي في سنوات السبعينيات من القرن العشرين، وصاحب تأثير لا ينكر على المشهد الشعري للأميركيين السود.

وكان الشاعر والفنان الأميركي قد تعرض لوعكة صحية، بعد جولة أوروبية قام بها مؤخرا، ليدخل مستشفى بمنطقة مانهاتن، ويلفظ أنفاسه الأخيرة على مقربة من حي هارلم، الذي أنتج الجريمة والفقر، وعانى من البؤس بقدر ما وهب أميركا كوكبة من المبدعين السود، وقدم أعظم عازفي موسيقى الجاز وراقصي "ديسكو الشوارع"، وفريق هارلم الفذ في كرة السلة.

وقد قضى سكوت-هيرون أغلب سنوات عمره الـ62 في هذا الحي الشهير بنيويورك حيث ارتبط الفنان بهذا الحي، الذي عانى في الماضي من البؤس والفقر والحرمان وانتشار المخدرات، وشهد معارك شرسة ومريرة بين عصابات منظمة ورجال الشرطة.

حي هارلم يعتبر من معالم حياة مدينة نيويورك وخرج منه نجوم كثر
(الفرنسية-أرشيف)
فضيحة الأمم
ومن المفارقات أن العالم كان شاهدا على كل هذا البؤس، حيث يقع مقر الأمم المتحدة في نيويورك بالقرب من الحي، الذي أصبح الآن يجتذب العديد من الزوار والسائحين الأجانب، هواة حياة الليل والسهر في المسارح والحانات. وهو الحي الذي أسسه مهاجرون هولنديون منذ أكثر من 200 عام، وأطلقوا عليه اسم بلدة هارلم الهولندية، غير أن الرقيق الأفارقة هم الذين تولوا مهمة البناء، بعد أن جلبهم تجار رقيق هولنديون من القارة السمراء.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى أصبح السود هم الأغلبية في حي هارلم، بعد أن زحفوا بأعداد كبيرة إلى نيويورك من ولايات الجنوب، هربا من العنصرية المتفشية، ولملء الأعمال التي خلت جراء التجنيد في الحرب. وبرهن هؤلاء -الذين يحملون داخلهم روح أفريقيا- على مدى حبهم للفن والحياة، حين شرعوا، رغم كل الظروف القاسية، في إقامة العديد من المسارح ومنتديات الأدب ومطابع الصحف والكتب في حيهم.

ومع ظهور ما عرف بـ"حركة الزنجي الجديد"، تكون أول جيل من المثقفين السود، وذاعت أسماء من أبناء هارلم في الحياة الثقافية الأميركية، مثل دبليو دوبوي أول أميركي أفريقي يحصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد عن عذابات الرقيق في ولايات الجنوب الأميركي، كما أبدع ابن هارلم الشاعر لانجستون هيوز قصيدته: "زنجي يتحدث عن الأنهار.. الكونغو والنيل ودجلة والفرات".

وعلى خطى ودرب الشاعر الكبير لانجستون هيوز، سار جيل سكوت-هيرون، حيث التحق بجامعة لينكولن في بنسلفانيا، ليعود بعد استكمال دراسته إلى حيه الأثير هارلم.. الذي خرج منه أيضا الموسيقي الشهير لوي أرمسترونج، الذي وصف بأنه "أعظم عازف ساكسفون في القرن العشرين"، وصور أحزان الزنوج في رائعته "أحزان الطرف الشرقي". وأيضا في هارلم، تعلم مايكل جاكسون الغناء، ليتحول إلى أيقونة أميركية.

أغاني الهوب هوب تطورت إلى "الراب" وأصبحت نمطا فنيا في الاحتجاج
(الأوروبية-أرشيف)
رؤى طليعية
ويطرح الشاعر والفنان جيل سكوت-هيرون رؤى طليعية في فن الراب، الذي يعد أحد الفروع الرئيسة لما يعرف في أميركا بثقافة "الهيب هوب"، ثقافة الأميركيين الأفارقة الموسيقية، المضادة للعنصرية والظلم والفقر والبطالة.

غير أن جيل سكوت-هيرون كان يفضل وصف نفسه بالفنان الشامل، الذي جمع بين النهضة الشعرية في حي هارلم وموسيقى الجاز وتقاليد فن "البلو"، وهي أغاني الشجن الراقصة للأميركيين السود. وإلى جانب أشعاره التي حفرت طريقها الخاص في الوجدان الجمعي للأميركيين السود، وأسست خصوصية صوته بوصفه شاعرا طليعيا في هارلم، تمكن جيل سكوت-هيرون من ترك بصمته الخاصة في أغاني الراب، بمفردات وكلمات تستهدف إيقاظ الوعي الاجتماعي.

ويكاد يتفق أغلب أعضاء فرق الراب على أن جيل سكوت-هيرون هو التعبير الأكثر وضوحا عن الحداثة الطليعية في هذا الفن، كما أنه -بمجموعة "القصائد الأخيرة"- أسس ومهد الطريق لكل من سيأتي بعده على هذا المضمار.

وقد صدر أول البوم موسيقى غنائي لجيل سكوت-هيرون عام 1970 بعنوان: "كلمات عابرة"، وجاء ألبومه الثاني في العام التالي بعنوان: "أشلاء رجل"، وكان يؤمن بأن على الفنان -فى عالم الموسيقى والغناء- أن يبحث عن أكبر جمهور ممكن.

أما عمله "الثورة لن تتلفز"، فقد صعد به إلى سماء الشهرة، باعتباره فنانا ينتمي لليسار الثقافي الأميركي، حيث حفل هذا العمل الفني بالهجاء اللاذع للقوى المتحكمة في الحياة الثقافية الأميركية، وسخر بشدة من دور وسائل الإعلام والخطابات الإعلامية، التي تدعي العقلانية دون أن تتخلى في جوهرها عن الخداع والتلاعب بالمتلقين.

وتجلت موهبة جيل سكوت-هيرون في الشعر قبل الموسيقى وعالم الغناء، وشجعته والدته مدرسة اللغة الإنجليزية ذات الميول الليبرالية، في حين كان والده منهمكا في عشقه للكرة الأميركية. ومع أن شاعر الثورة وصوت الثقافة السوداء ولد في شيكاغو في الأول من أبريل 1949، فقد عاش أغلب سني عمره في حي هارلم الذي عرفه شبرا شبرا.

ومن الطريف أن جيل سكوت-هيرون بدأ مسيرته الأدبية المبكرة بكتابة بعض القصص البوليسية، في سنوات المراهقة، قبل أن يدور في فلك الشعر إلى الأبد.

المصدر : وكالة الشرق الأوسط

التعليقات