لوحة "أحمر المرتفعات" للفنان اوليفيي دوبري (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

حين نظم الفنان الفرنسي جورج ماتيو المعرض الجماعي، "نحو التجريد الغنائي"، في غاليري "لوكسنبورغ" الباريسية عام ١٩٤٧، لم يكن يعلم أنه بذلك كان يؤسس لحركة فنية جديدة فرضت نفسها في الخمسينيات على الساحتين الباريسية والدولية وضمت فنانين فرنسيين وأجانب عاشوا ونشطوا في باريس وسجلوا في أعمالهم قطيعة جريئة مع القواعد التشكيلية التقليدية، خصوصا مع تيار التجريد الهندسي الذي كان قد فقد حيويته بعد أربعين عاما على وجوده.

حركةٌ جوهرية إذن خلال مرحلة مفصلية في تاريخ الفن الحديث، يمكننا اليوم تعرف قصتها وأبرز وجوهها في المعرض الذي افتتح حديثا في متحف الفنون الجميلة في مدينة كاركسون الفرنسية تحت عنوان "نظرة إلى التجريدية الغنائية" ويضم أعمالا لماتيو وجان ميشال أتلان وجان بازان وإميل برييان وأوليفيي دوبري وجان دوغوتِكس وموريس إستيف وسام فرنسيس وهانز هارتونغ وأندريه لانسكوي وسيرج بولياكوف وجوان ميتشِل وجان بول ريوبِل وجيرار شنيدير وبيار سولاج وجير فان فلد وماريا فييرا دا سيلفا وزا وو كي.

ومثل التعبيرية المجرّدة التي انطلقت في نيويورك في الفترة نفسها، أبرزت التجريدية الغنائية في باريس حركة الفنان الخلاقة والعلامات الناتجة عنها ودعت إلى العفوية في العمل ضمن لغة تشكيلية فريدة تميزت بأشكال وتعبيرات مختلفة لكن ضمن عودة إلى وسائل الرسم الجوهرية، أي الخط واللون، عودة بررتها حاجة عميقة إلى ما هو جوهري وغنائي، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية.

من أعمال الفنان أندريه لانسكوي (الجزيرة نت)
حرية وارتجال
في لوحات الألماني هارتونغ مثلا -التي حققها بين عامي ١٩٣٥ و١٩٤٧- نشاهد بقعا لونية مقطعة بحرية كاملة وبارتجال يدعمه تحكم تقني كبير، كتابة مأساوية طوّرها هذا العملاق تدريجيا بإدخاله خطوطا مقوسة وأخرى سوداء ضوئية تعكس حدّةَ كبيرة وأبعادا مختلفة وتتجلّى فيها أشكال-علامات على خلفية موحدة.

وفي جميع أعمال هارتونغ، نلاحظ انتفاء أي مرجع إلى العالم الخارجي وأي تعبير مألوف كما نلاحظ تحكم الوحي الشعري بحركة يده. وكذلك الأمر مع شنيدير الذي شكلت الحركة والعلامة ركنَي لغته التشكيلية منذ الأربعينيات، لكنه رفض الآلية لصالح تعبيرية الأشكال المسقَطة ببُعدَين، بلا خلفية ولا تنضيد. وتكمن غنائيته في الحدّة الدراماتيكية الكامنة في تصاميمه اللونية.

الفنان سولاج، من جهته، ابتكر منذ نهاية الأربعينيات كتابة تشكيلية مفرداتها آثار بارزة تتحوّل إلى علامات تحت ضربات ريشته المكرَّرة التي تضفي أيضاً توترا وحركة متصاعدتين. واعتماد السرعة في إنجاز اللوحة كعنصرٍ مؤسّس للتعبيرية الغنائية، أدى إلى ابتكار علاقة جديدة للفنان مع لوحته وإلى انفراد كل فناني هذه الحركة بحركة خاصة، كحركة سولاج التي تعلق الزمن لدى إسقاط علاماتها أو حركة الكندي ريوبِل العفوية التي يهدف بواسطتها إلى نقل انطباعاته حول العالم الملموس بطريقةٍ آلية وغير شكلية، أو حركة ماتيو التي لم يفصلها عن فن التخطيط، فن العلامة بامتياز، بل حرّر هذه الأخيرة من مضمونها الدال الحرفي من منطلَق استباقها أصلا للمعنى.

المحدثون الأوائل
ومن الجمالية الغنائية لهذا الجيل الشاب سيتقرّب في نهاية الأربعينيات الجيل الذي سبقه في باريس، ونقصد الفنانين الذين حافظوا حتى ذلك الحين على روابط متينة مع المحدّثين الأُوائل (بيكاسو وماتيس وفرنان ليجي وبونار) قبل أن يفضّلوا التجريد الحار والملوّن على التصوير، مثل جان بازين وألفرد مانيسيي وجان لو موال وجان بيرتول، وجميعهم تدرّبوا على يد العملاق روجيه بيسيير ومارسوا فناً يتوق إلى التناغم الشامل انطلاقاً من إيقاعات وألوان تتحاور على المستوى التشكيلي والبصري والحسّي.

"تشكيل مجرد" للفنان سيرج بولياكو(الجزيرة نت)
وبالتالي، نستشفّ لديهم غنائية نابعة من اللون ومن طريقة توظيفه. أما التعقيد الشكلي للوحاتهم فيرتكز على بقع وأشكال بسيطة تلعب دور المعادل التشكيلي للعناصر الأصلية للطبيعة. بقعٌ تحضر على شكل فضاءاتٍ مختلفة وتحمل دلالات، بعكس مبادئ التجريدية الغنائية التقليدية.

في المقابل، لا تمت لوحات الروسي لانسكوي بأية علاقة مع الواقع، بل تنبع غنائيتها الرسامية واللونية من تنظيم الأشكال بينها وفقا لموجات الألوان. أما غنائية البلجيكي سينجيي فتكمن في شهوانية الأشكال والألوان المضبوطة ضمن تشييد تكتب الخطوط الأفقية والعامودية فيه علامات حيوية تعكس واقع العالم.

وبالنسبة إلى إستيف الذي سعى خلف فن رسم صاف، يجسد نضوج الحركة واقعاً لا علاقة له بالطبيعة، فالألوان والأشكال تنتظم معا لتشكيل حزمات من العلامات الملوّنة. علامات تعبّر، لدى البرتغالية فييرا دا سيلفا، عن أشياء العالم ويتم إسقاطها على شكل متاهات داخل عالم مؤلّف من سكونٍ ونور ويتميّز بهندسة عنكبوتية خاضعة لقوانين الجاذبية تتحدّى حركتها الفضاء المختزل لمواجهة الفراغ. فراغ ميتافيزيقي داخل عالمٍ خطوطي في حالة توازنٍ، تماماً كمرآةٍ تعكس أسرار ذاكرتنا.

أولوية العلامة
ونلاحظ أولوية العلامة في أعمال أتلان أيضا التي تتخللها أشكالٌ طوطمية واستحضاراتٌ نباتية تكمن غنائيتها في حيوية الخطوط وفي إيقاعٍ يمدّ رسمه بقوة تعزيمية. ويتقاسم هذا الفنان ميله إلى مادّية اللوحة والألوان مع الروسي بولياكوف وإن اختلفت غنائيتاهما. فهذا الأخير مارس فن الرسم كقصيدة تشكيلية ذات تنويعات حاذقة لا نهاية لها وجسّد ارتجاجات المادة عبر إسقاطه طبقات لونية متتالية على سطح اللوحة تغذي بعضها بعضاً. ممارسةٌ تقاسمها مع الهولندي فان فلد الذي طوّر جدليةً خصبة على سطح اللوحة عبر تقطيعه هذه الأخيرة بالخطوط ولكن أيضاً بتباين الألوان المتجاورة-المتحاورة.

لوحة للفنان سام فرنسيس (الجزيرة نت) 
وبدوره، ساهم الأميركي سام فرنسيس فور استقراره في باريس (١٩٥٠) في توسيع أفق التجريد الغنائي باستخدامه اللون الأبيض الصافي داخل لوحاته التي تعجّ بالبقعٍ الملوّنة بمواد سائلة، وهو ما يمنحها تنفسا خاصا. ومن جهتها، استخدمت ماري ريمون البقعة الملوّنة كتعبير أو رمز إلى الحياة. وفي لوحاتها، تتفجّر الأشكال دون أن تتناثر بفضل خطوطٍ مقوّسة جميلة ومسيِّرة لحركةٍ إيقاعية تتماسك مع الفراغ.

أما دوبري فعاش فعل الرسم كإسقاط للجسد داخل الفضاء، وأجاب بالعلامة على عدم إمكانية تمثيل ما عبر وفات. ومع مفهومَي "العلامة-الشخصية" و"العلامة-المشهد"، ابتعد في تمثيلاته عن أي دلالة خارجية لصالح ابتكار فضاءٍ حساس وحميم، وانتظر، بعكس ماتيو وهارتونغ، أن تقود علاماته إلى معنى، ولو شخصي.

وتنفرد الأميركية جوان ميتشل، التي استقرت قرب حديقة جيفرني الشهيرة في العام ١٩٥٥ وأعادت ابتكار انطباعية مونيه الرؤيوية بطريقةٍ تجريدية، بأسلوبٍها الفني الذي ينتمي إلى التعبيرية المجرّدة الأميركية ولكن أيضاً بحركة يدها المصغية إلى انفعالاتها أمام مشهد الطبيعة، بخلاف حركة يد دوغوتكس الآلية التي تنبثق عنها علامات مجرّدة تعكس شغفه بفن الخط الصيني والعربي.

أما الصينيان زا وو كي وشو تيه شون اللذان تدرّبا على فن التخطيط منذ سن المراهقة قبل أن يصلا إلى باريس، الأول في العام ١٩٤٨ والثاني في العام ١٩٥٥، فدجّنا حركةً تسدِّدها غريزةٌ موضوعة في خدمة الفكر، وأقدما على خلق فضاء من نور هو عبارة عن فضاء شعري.

المصدر : الجزيرة