ملصق فيلم "فلسطينيو الأردن إلى أين"

محمود منير-عمان

بتمويل ذاتي ودون الاعتماد على آراء مسبقة، يتصدى المخرج الأردني خليل قاموق، في فيلمه الوثائقي "فلسطينيو الأردن إلى أين؟" لواحدة من القضايا الحساسة، عبر طرحه أسئلة الوطن والبديل والهوية الفلسطينية، ومعاناة اللاجئين في المخيمات، على عدد المسؤولين وأصحاب الرأي في الأردن، وتقديم أجوبتهم في السياق التاريخي للصراع مع الصهيونية.

ورافق قاموق من خلال عمله مصوراً صحفياً، عدداً من الوفود الأجنبية التي زارت مخيمي البقعة والوحدات للاجئين الفلسطينين بالأردن، وكان يعجب من تضارب الأرقام والتباسها حول عدد اللاجئين والنازحين وحملة الوثائق من أبناء غزة بالأردن.

لقطة من فيلم "فلسطينيو الأردن إلى أين"
المسألة اليهودية
وفي الفيلم يستعيد المخرج المسألة اليهودية بوصفها أساس المعاناة التي يتعرض لها فلسطينيو الشتات، وفي مقدمتهم اللاجئون الفلسطينيون في الأردن، وسببها في آن.

في العام 1802، عندما عاد نابليون مهزوماً من حملته العسكرية على المشرق، فإن الوثائق التاريخية تشير إلى إيمان الإمبراطور الفرنسي –حينها – بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وهو ما يخالف ما دعت إليه الثورة الفرنسية من إدماج لليهود في المجتمعات الأوروبية، كما يورد الفيلم في بداياته.

وفي السياق ذاته، يستحضر الفيلم اتفاقيتي سايكس بيكو وسان ريمو ووعد بلفور بتكريس فكرة الدولة اليهودية، التي دعت إليها نخب أوروبية، ولاقت رواجاً في أوساط اليهود.

ويستعرض قاموق الهجرات اليهودية إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني، ثم احتلالها على يد العصابات الصهيونية عام 1948، ووصولاً إلى نكسة حزيران عام 1967، حيث برز تساؤل ملّح حول من هو الفلسطيني في ضوء الهزائم المتكررة، حيث برزت مصطلحات اللاجئين والنازحين.

يوثق الفيلم لقطات نادرة لردود فعل الأردنيين والفلسطنيين تجاه معاهدات السلام، وافتتاح أول مطعم إسرائيلي في عمَان، وزيارة رئيس الوزارء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز إلى الأردن.
اختيار أم جبر؟
ومع إعلان الأردن قرار فك الارتباط عام 1988، بعد أن كانت الضفة الغربية تحت الحكم الأردني حتى احتلالها عام 1967، ازدادت حدّة النقاش حول أوضاع الفلسطينيين في الأردن، وفق صانع الفيلم.

ويقدّم الفيلم آراء النخب الأردنية على اختلاف أطيافهم السياسية، وقربهم من دوائر صنع القرار في الأردن، حول تعريف الفلسطيني، والأحوال المعيشية للاجئين الفلسطينيين، وتمثيلهم السياسي.

وتوقف قاموق عند رفض بعض النخب الأردنية ونظيرتها الفلسطينية لإعلان وحدة الضفتين عام 1950، واعتراضهم على مقررات مؤتمر أريحا، الذي أقر انضمام الضفة الغربية إلى الأردن، مما سبب اعتقال العشرات ونفي آخرين.

الوحدة لم تنل إجماعاً حولها، لتنال منها بعد عشرين عاماً أحداث أيلول الأسود، التي فرضت تمييزاً في التوظيف والمشاركة بالحياة السياسية العامة، وفق الفيلم، الذي قدّم وجهة نظر الحكومة الأردنية على لسان رئيس الوزراء معروف البخيت، مؤكداً، بدوره، على العدالة بالتوظيف، ونفي وجود تمييز كهذا .

ويشير سياسيون أردنيون إلى وجود هذا التمييز ويستنكرونه، وإلى جوار ذلك استعرض قاموق معاناة أبناء غزة، حملة الوثائق المصرية وغير المجنسين، الذين لا يمتلكون حق العمل والتعليم وغيرهما من الحقوق المدنية.

لقطة من الفيلم
تأويلات مختلفة
أحد الأسباب الذي دفع قاموق إلى إخراج الفيلم، ينبع من معاناة شخصية مردّها رفض تعيينه في التلفزيون الأردني، القناة الحكومية، إذ أعيد إليه طلب التوظيف، ليسجل البلدة الأصلية التي تنحدر جذوره منها، وجرى إهمال الطلب مثل غيرها من الطلبات التي يقدّمها أردنيون من أصل فلسطيني.

ويرى قاموق أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، بعد اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، حول الأردن باعتبارها جزءا من أرض إسرائيل أو اعتبارها وطناً للفلسطينيين تنفيذاً لأطروحة الوطن البديل، مما يربط المصيرين الأردني والفلسطيني معاً وللأبد.

ويتابع قاموق "هل ستحقق إسرائيل توسعها على حساب الأردن، وبما أن الطرفين الفلسطيني والأردني معني بالأمر تم اختيار شخصيات سياسية من كافة التلوينات للحديث حول فلسطينيي الأردن".

الاختلاف والتمايز حول تعريف الفلسطيني ظل قائماً، حيث اعترض بعض المتحدثين بالفيلم على السؤال نفسه، معيدين الاعتبار إلى ما قبل سايكس بيكو، في مقابل ساسة تحدثوا عن خصوصية الفلسطيني، الذي يقيم في الأردن، رغم حصوله على الجنسية الأردنية، بينما تحدث آخرون عن فشل منظمة التحرير الفلسطينية، في قدرتها على تمثيل فلسطينيي الشتات، لا سيما بعد اتفاقية أوسلو.

لقطات نادرة

يقدّم الفيلم آراء النخب الأردنية على اختلاف أطيافهم السياسية، وقربهم من دوائر صنع القرار في الأردن، حول تعريف الفلسطيني، والأحوال المعيشية للاجئين الفلسطينيين، وتمثيلهم السياسي
مخاوف الوطن البديل توازت مع دعاوى لاعتبار الجغرافيا، التي يقيم عليها الإنسان بوصفها المحدد لهويته، دون إغفال المشاريع الصهيونية التي تتحدث عن الكونفدرالية مع الأردن والسلطة الفلسطينية، أو باعتبار الأردن وطناً للفلسطينيين، أو الدعوة إلى احتلال الأردن كونه جزءا لا يتجزأ من الدولة العبرية.

ويوثق الفيلم لقطات نادرة لردود فعل الأردنيين والفلسطنيين تجاه معاهدات السلام، وافتتاح أول مطعم إسرائيلي في عمَان، وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز إلى الأردن، ويرصد ردود فعل شعبية رافضة لمنطق التسويات والاستسلام.

كما كانت عودة اللاجئين الفلسطيين بالأردن إلى أراضيهم مفصلاً أساسياً في الفيلم، الذي استعاد رغبات الناس وأحلامهم حول العودة المنتظرة.

ويؤكد قاموق "لا أستطيع إيجاد حل لموضوع "فلسطيني الأردن المعقد والشائك، في عصر هرولة الأنظمة العربية إلى السلام، بيد أن الفيلم مجرد تنبيه للدفاع عن الأردن وعن حق العودة".

حديث الكرامة وشرائط الهزائم واختلاف الساسة والسياسة حول فلسطين، وواقع فلسطيني الأردن، كان حاضراً في أغنية "موطني" التي انتهى بها الفيلم.

المصدر : الجزيرة