صورة لجدارية في قرية سان هوان كومالابا بغواتيمالا (الجزيرة نت) 

غدير أبو سنينة-غواتيمالا

تحاول ثقافة المايا في أميركا اللاتينية الصمود في وجه المتغيرات، ولا تزال بعض الأشعار تكتب بلغات محلية سادت قبل الغزو الإسباني، بما تحمله من حضور للمخيال الشعبي، حيث تشكل الأسطورة جزءا أصيلا من ثقافة المايا بآدابها وفنونها، رغم محاولات التهميش التي مرت بها.

وترجع أصول شعب المايا إلى الهنود الحمر الأميركيين، وقامت حضارتهم شمال غواتيمالا وأجزاء من المكسيك، حيث الغابات الاستوائية، وكذلك هندوراس والسلفادور، وأنتجت هذه الحضارة نماذج متميزة في العمارة والفن التشكيلي والخزف والنحت.

الفنّان التّشكيلي إدغار كاليل (الجزيرة نت)
الأصول العرقية
وفي أرض الأشجار الكثيفة (غواتيمالا)، كما تعني في لغة الناهواتل القديمة، فإن الكثير من الشعر لا يزال يُكتب بلغات الكاتشيكل والتسوتسوهيل والكيتشي وغيرها ويُترجم إلى الإسبانية، وتوجد ثلاث وعشرون لغة في تلك البلاد الحافلة بالحضارات والثقافات المتراكمة على مرِّ التاريخ.

في قرية سان هوان كومالابّا، يعيش الفنّان التّشكيلي إدغار كاليل، الذي يتحدث لغة الكاقتشيكل، ويستوحي موضوعات أعماله من البيئة المحيطة، ويؤكِّد في حديثه للجزيرة نت أن أعماله الفنية هي حصيلة التجارب الّتي عاشها أو سمعها ممّن حوله، وإن كانت الطريقة التي تقدم بها أكثر عصريّة لكي تجاري الحركة الفنّية، إلا أنها لا تبتعد عن منابتها الأصلية، خصوصاً ما يتعلّق منها بمسألة الأصول العرقية.

ولتاريخ تلك القرية الحافل بالأحداث الدّموية الأثر البالغ في تكوين كاليل على المستويَين الشَّخصي والإبداعي، فإضافة إلى ما ارتكبه الإسبان من مجازر، فإن الحرب الأهلية بين الجيش والسكان أسفرت عن ثلاثين ألف قتيل، مما دفع الفنانين في غواتيمالا لرسم جداريات في تلك المدينة تشرح ما حصل فيها على مر التاريخ.

من جدارية سان هوان كومالابا (الجزيرة نت)

هيمنة الأسطورة
في منزل الفنان البسيط، تتكوّم أكياس الذرة الّتي تعتبر المُكوّن الرئيسي لحياة اللاتينيين منذ آلاف السنين، وعلى الجدران تنتشر لوحات لمناظر واقعية من وحي الطبيعة يرسمها والده كي يبيعها للسيّاح.

وفي أحد الأركان تجلس العجوز الجدة ماريّا لويس التي لا تتحدث الإسبانيّة مطلقاً لكن الفضل الأكبر يعود لها في تعليم إدغار الكثير من أصول ثقافته، فهو يؤمن بتلك الأساطير الّتي كانت جدته تحكيها له ويرفض تصنيفها ضمن الأسطورة بالمفهوم العام القائم على اعتبارها أموراً خرافية.

والملفت أن الفنان وعائلته يؤكّدون انتماءهم التّام للدين المسيحي الذي اعتنقته العائلة منذ ما يقارب المائتي عام، بل إن الجدة  تُفَضِّل أن يناديها الناس باسمها الثّاني ماريّا لويس، وهو اسم قدّيسة وليس باسمها الكاقتشيكيلي (كوه كوي)، كما ترفض الذهاب إلى العرّافين الذين ينتشرون في تلك المناطق أو المرشدين الروحانيِّن وتُفضّل اللجوء إلى الكنيسة.

ومع ذلك ما زالت تُعالج أحفادها إن مرضوا بمسح أجسادهم ببيضة في عمليّة يُطلق عليها بلغة الكاقتشيكل "بوب آخ تشيخ" أي مسح الجسد بالبيضة كي تتَأكّد من أن المريض ليس مصاباً بالحسد.

ويبدو أن هذا الخلط بين تعاليم المسيحية وما تبقى من اعتقادات وأساطير لا يقتصر على الأفراد، فالكنيسة الرئيسية في تلك القرية مُزيّنة بتماثيل للمسيح جنبا إلى جنب مع  تماثيل لحيوانات أسطورية كعقابٍ برأسين وخنازير متوحِّشة وفهود، ويقام فيها القُدّاس باللغتين الإسبانية والكاقتشيكلية.

أما الشاعر بيذرو تشابقخاي، الذي لا يدين بالمسيحية بل بدين أجداده المايا فيؤمن بالأرواح، أرواح الليل والنهار والماء والأمطار والأشجار وغيرها، كما يؤمن بتناسخها وحلولها في الأجساد وفقا لتقويم المايا.

 الشاعر بيذرو تشابقخاي (الجزيرة نت)

حقيقة الخلق
وتشابقخاي الذي يتحدث لغة التوتسوهيل، يعتبر الشامان -وهو بمثابة المرشد الرّوحي لكل مجموعة- من الأشخاص الذين ساعدوه على فهم طبائع الروح، التي يثق بتفهمها له على عكس الناس الذين يصعُب عليهم ذلك.

وعن علاقته بالموت يقول "في ثقافتي يعني الموت السّعادة والفرح، فنحن نعتقد بوجود حياة أخرى بعد الموت أجمل من هذه الدنيا، تنحشر فيها الأرواح الشريرة وأرواح الليل في منطقة نيران تسمّى شيباليا بينما نحيا نحن في نعيمها".

ويرفض بيذرو تسمية الأسطورة بهذا الاسم، ويؤكد أنها حقيقة، والدليل هو أسطورة أو حقيقة الخلق التي تقول إن العالم كان في البدء ماءً ثم ظهرت أرواح الهواء والماء والنّار وبدأت تتشكّل الأرض.

وأما النَار فتعتبر روحها مقدّسة لأنها باعثة للطاقة، ولذلك فإن معظم الأهالي الهنود يوقدون النار في بيوتهم طوال الوقت، ويشعلونها في جميع احتفالاتهم لأنها حيّة وتُغذّي الروح.

يذكر أن أحد أبرز شعراء غواتيمالا الشاعر أومبرتو آكابال ينتمي أيضاً في أصوله للهنود الحمر ويكتب بلغة الكيتشي وكثيرا ما تحدّث في شعره عن معاناة مواطنيه الذين لا يزالون يعانون من الاضطهاد والاحتقار منذ الغزو الإسباني وحتى يومنا هذا.

المصدر : الجزيرة