يوسف ضمرة

ذات يوم في مدينة براغ (1979) حين كانت تشيكوسلوفاكيا واحدة من دول المعسكر الشرقي، أخبرني المرافق التشيكي عن رواية تشيكية بهذا الاسم، وفوجئ عندما أخبرته أنها غير مترجمة إلى العربية، حيث إنها نقلت إلى لغات العالم كلها كما قال. ثم همس ضاحكا أنه سمع أن كاتبا فلسطينيا تأثر بها إلى حد كبير.

في المساء نفسه، كنت في منزل الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي، الذي كان مندوب الحزب الشيوعي الإسرائيلي يومها في مجلة السلم الدولية، وقد أوصاني بأن نتولى في رابطة الكتاب الأردنيين ترجمة رواية تشيكية تدعى "العسكري الطيب شفيك". وحين ذكر لي بعض وقائعها، أدركت أن الكاتب الفلسطيني المقصود في همس المرافق هو إميل حبيبي نفسه، وأن الرواية المتهمة هي "الوقائع الغريبة في اختفاء  سعيد أبي النحس المتشائل".

ربما مرت أربع سنوات قبل أن تترجم الرواية إلى اللغة العربية، فتلقفتها بفرح الصغار بلعبة جديدة، قرأتها من دون أن أفكر في رواية أخرى سابقة أو لاحقة، وإنما كرواية متفردة مذهلة.

روح شفيكية

كتب الكثير عن هذه الرواية ومثيلاتها القلائل، إلا أن أحدا لم يتنبه إلى كون الشفيكية تحديدا كامنة فينا نحن البشر من دون أن ندرك ذلك
واكتشفت أن هذا النوع من الروايات أو الكتابات لا يمكنه أن يكون صدى لصوت سابق، أو صوتا لصدى لاحق. فحتى لو تأثر حبيبي بهذه الرواية، فإنه كتب روايته هو، ولم يكتب مسخا للعسكري الطيب شفيك. تماما كما فعل الكاتب التشيكي "ياروسلاف هاشيك" الذي كتب روايته هو، ولم يكتب مسخا لدون كيخوته. وهو ما ينطبق على "آنا كارينينا" التي تبدو شبيهة برواية "مدام بوفاري"، وإلى حد ما برواية "عشيق الليدي تشاترلي".

قصتي الحقيقية مع العسكري الطيب شفيك، بدأت فور قراءة الرواية، فقد اكتشفت أنني كتبت روايتي القصيرة "سحب الفوضى" بما أمتلك من "روح شفيكية" قبل أن أقرأ الرواية. واكتشفت أن "الشفيكية" قيمة ربما أو روح بشرية، متوفرة في الناس كلهم بنسب متفاوتة. والشفيكية ليست مجرد سخرية سطحية أو نكتة جميلة، وإنما هي تعبير عميق ينطوي على مرارة مميزة، تختلف في مذاقها وجوهرها عن مرارة التراجيديا المألوفة.

وقد كتب الكثير عن هذه الرواية ومثيلاتها القلائل، إلا أن أحدا لم يتنبه إلى كون الشفيكية تحديدا كامنة فينا نحن البشر، من دون أن ندرك ذلك.

لم يكن هاشيك يسخر تقليديا في روايته من الحرب، ولم تكن الحرب في يوم من الأيام مادة للسخرية التقليدية، لكنه كان يواجه الحرب بالسخرية، ويدينها بقسوة ومرارة لا مثيل لهما، فكان أول ما فعله هو انتقاء شخصيته النموذجية للحرب... رجل مصاب في قدمه، يقضي كثيرا من الوقت في حانة يشرب الكحول، يتطوع للقتال في الجيش الإمبراطوري النمساوي دفاعا عن الإمبراطورية العظمى!!!

مفارقة مدهشة

ربما يكون شفيك أكثر الشخصيات الروائية حضورا في الفضاء العربي الراهن، بما ينطوي عليه هذا الفضاء من فانتازيا وسوريالية مفرطة. وهو واقع موضوعي معيش يوميا
إنها أولى سمات المفارقة المدهشة التي تقوم عليها الرواية. فالإمبراطورية العظمى في الحرب الكونية الأولى ستكون عرضة للزوال ما لم يتطوع الجندي الطيب شفيك للقتال من أجلها ودفاعا عنها.

ربما يكون شفيك أكثر الشخصيات الروائية حضورا في الفضاء العربي الراهن، بما ينطوي عليه هذا الفضاء من فانتازيا، وسوريالية مفرطة. وهو واقع موضوعي معيش يوميا، ولكن التعبير عنه يتم بجهامةٍ وحدة وأسلوب نمطي وتحليلات سياسية تأخذ طابع الاستعجال حينا والرغائبية حينا آخر. ولذلك يبدو الجندي الطيب شفيك هو الأقدر على التشخيص برؤيته العميقة، القائمة على سخرية مريرة ومليئة بالقسوة.

فحين تخبره صاحبة الحانة أن الإذاعة الوطنية نقلت خبر اغتيال فردناند، سألها في برود غريب: أيهما؟ جامع روث الكلاب أم صبي الصيدلية؟ وسؤال شفيك ينم عن حقيقة ساطعة، وهي أنه بوصفه مواطنا، لا يعرف أن اسم ولي عهد النمسا هو فردناند. ثم إنه حين يعلم بذلك، لا يفاجأ، ولكنه يتساءل عن طريقة الاغتيال. فيؤكد أن كل ما تقوله صاحبة الحانة صحيح وضروري. فالأمير لا يليق به الموت العادي مثل الناس الآخرين، بل بمسدس أو بندقية.

ثمة هجاء طبقي مبطن أو معلن، وثمة تأكيد لرفض السلطة الإمبراطورية، وعدم انتماء للعائلة الحاكمة في هذه المفارقات. فشفيك لا يعرف من أمور الحياة سوى ما يتلمسه ويحياه بين الناس الفقراء، الذين يشكلون أغلبية الشعب. وباسم هذه الأغلبية تحكم السلطة، وباسمها أيضا تقوم الحروب والثورات والحروب الأهلية. وما على أغلبية الناس سوى تلبية نداء القوة المهيمنة، حرصا على البلاد كما يدعون.

وحين يكتشف شفيك أن الإمبراطورية في خطر، فإنه كان أول من لبى النداء، والتحق بالجيش، مدفوعا بانتمائه إلى الإمبراطورية. ولكن القوة الحاكمة لا تفكر في الأمر على هذا النحو، بل توحي بذلك فقط، بينما هي في الحقيقة تدفع الناس إلى الموت لأجل الحفاظ على مصالحها الخاصة، التي لا تشمل شفيك وأمثاله من قريب أو من بعيد.

السخرية المرة

لم يكن ثمة مجال للتهرب من الحرب وطاعة السلطة، ولكن، كان ثمة الكثير مما يمكن قوله مواربة أو بين السطور من رفض إنساني مطلق لهذه اللعبة
يتكرر الأمر على هذا النحو منذ فجر التاريخ.. تتقدم مجموعة من الناس لكي تقود الأغلبية، وتوهمها في الوقت نفسه أنها تريد خدمتها ليس إلا. ويكون شفيك في هذه الحالات مضطرا لتقديم آيات الولاء والطاعة. ولكنه في أعماقه، يرفض هذا كله. ويتبين هذا من خلال مواقفه التي تبدو ساذجة أحيانا، وحكيمة أحيانا أخرى.

ورغم كونه جنديا في الحرب، فإنه لا يناقش الخطايا التي يرتكبها الضباط الكبار، ومسلكهم وحفاظهم المستميت على حياتهم، وعلى الحياة في أكبر قدر من الرفاهية، حتى في الحرب. بل نجده ينفذ مطالبهم بطاعة عمياء، بوصفهم الأعلم والأقدر والأكثر خبرة وحرصا.

لم يكن شفيك مقتنعا تماما بكل ما يجري، وكان يعبر عن ذلك بالضحك. لقد واجه ذلك الهول والأخطار كلها بالسخرية، وصور ما يجري له ومن حوله صورة كاريكاتيرية مضحكة ومفزعة في الآن ذاته، لأن جوهره الإنساني هو الذي أملى عليه ذلك.

لم يكن ثمة مجال للتهرب من الحرب وطاعة السلطة، ولكن، كان ثمة الكثير مما يمكن قوله مواربة أو بين السطور، من رفض إنساني مطلق لهذه اللعبة القذرة. لقد حول القادة إلى مهرجين، وحواة. وبذلك نزع عنهم صفة الرهبة والقداسة التي يؤمن الشعب بهما.

ليس من السهل أن تفعل ذلك في الكتابة، ولكن عبقريا مثل "ياروسلاف هاشيك" تمكن من ذلك، عبر حكايات يومية في إحدى الصحف التشيكية، قبل أن يموت صعلوكا على أحد الأرصفة في براغ، ليس بعيدا عن منزل -يا له من قبو- الكاتب الشهير "فرانز كافكا".

المصدر : الجزيرة