دين الشعب ودين السلطة
آخر تحديث: 2011/7/18 الساعة 18:35 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/7/18 الساعة 18:35 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/18 هـ

دين الشعب ودين السلطة

 

فيصل دراج

لم يكن "الإسلام السياسي" بحاجة إلى "ربيع العرب" بلغة الصحافة الغربية، ليصبح موضوعاً للتساؤل والمساءلة والسجال، فهو قائم وواضح القوة منذ أن صعدت في نهاية سبعينات القرن الماضي ظاهرة "الصحوة الإسلامية". غير أن دور القوى الدينية في المظاهرات الشعبية، كما ركون المتظاهرين إلى المساجد منطلقاً وملاذاً أعاد طرح أسئلة عن القوى الإسلامية والعلمانية والديمقراطية والمجتمع المدني.

فقد رأى بعض المثقفين أن "القوى الدينية" ستستأنف في حال الوصول إلى السلطة، الاستبداد السلطوي وتزيده عنفاً مسوّغة ما تريد باسم المقدس، بينما رأى آخرون أن الجديد السياسي الذي جاء به الشارع العربي المتمرّد، يغيّر من المنظور الديني المتحزّب ويجعله أكثر انفتاحاً. وبما أن الحقيقة الجاهزة لا يملكها أحد، فمن الممكن تأمّل الموضوع من زوايا مختلفة.

مقاربة عرجاء

 مفهوم المواطن الذي ينفتح مباشرة على حقوق المواطنة التي طالب بها المتظاهرون ولا يزالون، هو الذي ينقل الوعي الديني من حدود "الإسلام السياسي" القائم على المجرّدات، إلى مجال "الوعي الديني المدني"
يتميّز المنظور الذي يبدأ من العلمانية وينتهي بها بأحكام جاهزة شكلانية، فهو يقرأ "المعتقد الديني" في الكتب التي اختارها قبل أن يقرأ الأسباب التي دعت المتظاهرين إلى التمرّد، فاصلاً بين الإيمان الديني والحاجات الحياتية المتحوّلة.

وهو أكثر من ذلك يفصل بين الظاهرة الدينية والسياق الاجتماعي، مساوياً براحة كبيرة بين الحاضر والماضي القريب. فإذا كانت سبعينات القرن الماضي قد أنتجت، لأسباب مختلفة، "إسلاماً سياسياً" منقطعاً عن الإسلام الشعبي الذي سبقه، فإن السياق الراهن من حيث هو انقلاب اجتماعي تاريخي، أعاد تأسيس المنظور الإسلامي"المتحزّب" على أسس جديدة.

فبقدر ما أن "إسلام الصحوة" دار في ثنائية مجرّدة من الثواب والعقاب، فإن "المتظاهرين المسلمين" أو"المتأسلمين"، رفعوا راية الحاجات الإنسانية المشخصة، التي تتضمن العدل والمساواة والحق في آن، ومحاسبة الحاكم الفاسد.

وتفرض هذه المقدمات سؤالين: هل شارك المسلم المتديّن في المظاهرات بصفته "فرداً مسلماً" أم بصفته "مواطناً" يعتنق مبادئ الدين الإسلامي؟ والجواب لا صعوبة فيه، فلو أراد أن يلبي وازعاً دينياً لما تظاهر مع مسلمين وغير مسلمين ومتدينين وغير متدينين.

إن مفهوم المواطن، الذي ينفتح مباشرة على حقوق المواطنة، التي طالب بها المتظاهرون ولا يزالون، هو الذي ينقل الوعي الديني من حدود "الإسلام السياسي" القائم على المجرّدات، إلى مجال "الوعي الديني المدني"، الذي يقول بالعدل والحرية والمساواة، وبجملة من القيم والمعايير والأهداف التي يتقاسمها المواطنون جميعاً. ولهذا فإن اختصار دور القوى الدينية في السياق الراهن في سؤال العلمانية والتعصّب الديني، مقاربة عرجاء لا ينقصها الخلل.

فرق سياسي ومعتقدي

لأنه لا ينفصل عن الحاجات المتغيّرة، فإن "الإسلام الشعبي"، بعيد، في جوهره، عن الانغلاق والتكلّس والجمود. على خلاف ذلك فإن "الإسلام السلطوي" يقذف بالبشر كلهم خارجاً
يمس السؤال الثاني موضوع: انقسام التصور الديني وتحوّلاته المشخصة من صيغة المفرد إلى صيغة الجمع. فإذا كان المتظاهر العادي، الذي لا ينسى إقامة الصلاة في مواعيدها يهتف ضد السلطة والمتسلّطين ويطالب بحياة إنسانية لا تنقصها الكرامة، فإن الكثير من رجال الدين "المرموقين" كانوا، ولا يزالون حلفاء للسلطات المتسلطة، ومبررين لأفعالها، وحاجبين بلغة بليغة، لشرعيتها الزائغة.

يعيد هذا إلى الأذهان مفهوم: "الصراع الطبقي في الدين" الذي يفصل ولو بقدر بين دين السلطة والأغنياء، ودين المقهورين والفقراء. لكن هذا الصراع، وكما دلّلت المظاهرات الشعبية التي لا تزال تتوالد في الشارع العربي انتقل هذه المرة من حيّز الأفكار إلى مجال الأفعال، تاركاً للفقراء مساجدهم، وتاركاً "فقهاء الظلام" يتحدّثون عن التفاهم والتسامح و"البنيان المرصوص" الذي يفهمه "الفقهاء" كما يريدون.

والسؤال هنا: ما الفرق بين متظاهر يؤمن ويجازف بحياته، وطرف متأسلم لا يبارك المتظاهرين وينصحهم بـ "التعقّل"؟

الفرق سياسي ومعتقدي معاً يفصل بين العدل والظلم وبين العدل والجور، بل إنه فرق معتقدي لأنه فرق سياسي، ذلك أن الصراع المفتوح بين المضطهدين (بكسر الهاء) والمضطهدين (بفتح الهاء) فعل سياسي  يسيّس المتظاهر ويمدّه بوعي جديد، ويعلّمه أن الإيمان القويم يبدأ من الحاجات لا من فنون الكلام.

والواضح في هذا كله الحدود الشاسعة بين الإسلام الشعبي، القديم والجديد معاً والإسلام السلطوي الذي يستعمل "الإسلام" ويسيء إليه. فالإسلام الأول أقرب إلى الفطرة  يبدأ من الإنسان ويدافع عن قيم عادلة، هي من حق "الإنسان المسلم" و "غير المسلم" في آن، لأنها تعترف بالفطرة لا بالأحكام المصنوعة.

ولأنه لا ينفصل عن الحاجات المتغيّرة، فإن "الإسلام الشعبي" بعيد في جوهره عن الانغلاق والتكلّس والجمود. على خلاف ذلك فإن "الإسلام السلطوي" يقذف بالبشر كلهم خارجاً، ويكتفي بالسلطة وبالمصالح السلطوية، منتهياً إلى "عقيدة الانصياع" واعتقال العقول الصالحة.

صناعة رسمية
وواقع الأمر أن "الدين السلطوي" صناعة متكاملة العناصر، تختار من النص الديني ما تشاء وتهمل وتحجب وتزوّر ما تشاء، متوسلة "علماء المصلحة" والبرامج المدرسية التي تساوي بين "أولي الأمر" و"الله" من دون تحديد أو إنارة، ومتوسلة أيضاً شكلاً من "الدعاة" الذين يجمع بين الحديث الديني والآلة الإعلامية، ويهدر تفاصيل الحياة اليومية بمواضيع نافلة.

 المتظاهرون ينقضون اليوم في أكثر من شارع عربي، تعاليم "الصناعة الدينية الرسمية"، مقاتلين من أجل الحرية والعدل وإعلاء كلمة الحق وذاهبين بعفوية صادقة  إلى مبادئ الديمقراطية والمشاركة الاجتماعية ومقولات المجتمع المدني

ولعل الفرق القديم بين الدين، من حيث هو، ودين السلطة، هو الذي دفع بعض الفلاسفة وعلماء الاجتماع إلى التمييز بين النص الديني وقراءته، إذ لكل قراءة مصالحها وأغراضها، وبين النص الديني والأيديولوجيا الدينية، التي هي قراءة للدين من وجهة نظر السلطة، الأمر الذي يزوّر التعاليم الدينية ويحوّلها إلى عنصر من عناصر "المنظور السلطوي".

وهذا الأخير، وكما تجلى في العالم العربي منذ هزيمة يونيو/ حزيران 1967 إلى "الربيع العربي" الراهن، كان تلفيقاً انتقائياً جمع بين القومية والحداثة والإسلام والعلمانية، مختصراً ما قال به الرحمن وما يحض عليه الشيطان إلى قول وحيد غايته: ثبات السلطة التي تعيد إنتاج مصالح ثابتة تفقر المجتمع وتعود بالفائدة على "الحاكمين"، الذين لا يبخلون بالهدايا على "فقهاء الظلام".

لا غرابة أن يُغفل"الدين السلطوي" حديث عمر بن الخطاب عن الحرية، حين واجه عمرو بن العاص الذي "أراد استعباد الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، وأن ينسوا حديث الإمام علي الذي "حض المسلم الجائع على إشهار سيفه"، وألاّ يذكر شيئاً عن فضائل "كلمة الحق في وجه حاكم ظالم"، وأن يمحو اسم طه حسين الذي قال: "لم ترَ الدنيا، ولن ترى الدنيا عدلاً مثل عدل عمر بن الخطاب".

ينقض المتظاهرون اليوم  في أكثر من شارع عربي، تعاليم "الصناعة الدينية الرسمية"، مقاتلين من أجل الحرية والعدل وإعلاء كلمة الحق وذاهبين بعفوية صادقة إلى مبادئ الديمقراطية والمشاركة الاجتماعية ومقولات المجتمع المدني.

إنّ الفرق بين "الدين السلطوي" و"الدين الشعبي" هو الفرق بين الوعظ البلاغي، الذي لا يقبل التعيين، "والجهاد اليومي" المحدد، حيث يوحد المتظاهر بين الفعل والقول، ويجازف بنفسه لتبليغ مطالبه، ويعطي حياته دفاعاً عن قضية المواطنين جميعاً.

وهذا الفرق بين الاثنين، بلغة أخرى هو الذي يفتح الدين الشعبي على السياسة وشؤون الحياة اليومية ويقود إلى المظاهرة وصياغة الشعارات النقدية، مختلفاً كلياً مع "دين" يدعو إلى الصمت والصبر والقناعة ويرى في المظاهرة فتنة وفي عصيان المضطهدين خروجاً عن إرادة الحاكم التي هي من "إرادة الله"، كما يقول "فقهاء الظلام". إنها فضيلة "الاختبار" التي تميّز الصالح من الرديء، أو أنها فضيلة الممارسة، التي هي معيار الحقيقة.

سيرورة طويلة

لا يمكن اختصار الإنسان، إلى الثنائيات القاطعة: الكفر والإيمان، الوطنية والخيانة، الدولة العلمانية والدولة الدينية، فهذه مقولات ساكنة
في المظاهرات الشعبية الدائرة في العالم العربي، وهي سيرورة طويلة وفعل مفتوح، ما يواجه قضيتين لا تختلفان كثيراً رغم الخلاف الظاهري الفاقع بينهما: إنها تزيح ما يدعى بـ "الصحوة الإسلامية" عن مواقعها، والتي هي بلاغة قائمة على الحلال والحرام، تساوي بلاغة سلطوية "قوامها" الوطنية والخيانة وغير ذلك من الاختراع البلاغي السلطوي. وهي ترد على مزاعم "العلمانية المدرسية"، التي ترى خلاص المجتمع في خلاصه من وعيه الديني، زاهدة ببؤس الحياة اليومية وانحطام الثقافة وتربية العقول الممتثلة، وطبيعة السلطة التي تنتج أجهزتها وعياً زائفاً بأشكال متنوعة.

وواقع الأمر أن القراءة المتأنية لمقولات الصحوة "التكفيرية" ولشعارات السلطة التي تختصر الإنسان إلى الانصياع الأعمى أو الخيانة والعمالة، وكذلك وصايا "العلمانية المدرسية" التي تدور بين الدين و"اللادين"، تكشف عن تقاطعات كبيرة بين هذه المواقف المختلفة، لكونها جميعًا لا تقبل الجزئي والنسبي والمتغير والمتحوّل وسيرورة الأشياء، وتتحدّث عن حقيقة واحدة جاهزة.

لا يمكن في الحالات جميعاً  اختصار الإنسان، وهو جملة من الحاجات، إلى الثنائيات القاطعة: الكفر والإيمان، الوطنية والخيانة، الدولة العلمانية والدولة الدينية، فهذه مقولات ساكنة. ذلك أن ما ينقد الواقع والأفكار والمفاهيم يقوم في حيّز محدد هو: ممارسة السياسة في الحياة اليومية التي تعني الحوار بين البشر والاعتراف المتبادل بينهم، وتعددية البدائل السياسية الاجتماعية، أو التنافس السلمي وغير ذلك من عناصر الحياة الديمقراطية.

وبسبب ذلك اعتبرت الحياة السياسية الديمقراطية وحدة عضوية متطورة تنقض الثوابت وتطوّر المستجدات الاجتماعية وتفرض على القوى الاجتماعية حواراً مفتوحاً.

يمكن القول في النهاية: إن كرامة الأفكار، من نتائجها العملية، أن تكرّم الإنسان وتعترف بحقوقه وتحقّقها، ذلك أن الأديان والأيديولوجيات والفلسفات تبدأ من فكرة مركزية هي: الإنسان، كما هو كائن، وكما يجب أن يكون. لهذا يبدأ الدين الشعبي بالخير العام وينتهي به.

المصدر : الجزيرة

التعليقات