النحات الروماني الشهير برانكوزي في محترفه

أنطوان جوكي-باريس

في مناسبات مختلفة، عبّر النحات الروماني قسطنطين برانكوزي (١٨٧٦-١٩٥٧) عن ارتيابه من قدرة الكلمات على تفسير أي عمل تشكيلي، وأدرك أكثر من أي فنان آخر من جيله، الثورة التي ستحدثها الصورة الفوتوغرافية في هذا المجال، وقد قاده هذا منذ بداية العشرينيات إلى التقاط مئات الصور لمنحوتاته.

هذه الصور، يمكننا حاليا أن نشاهد  قسما كبيرا منها في مركز بومبيدو الفني في باريس، وتتجلى فيها مدى تعقيد النظرة النقدية التي ألقاها هذا النحات الشهير لإنتاجه النحتي.

من منحوتات برانكوزي العمود الذي لا نهاية له (الجزيرة) 
عالم متماسك
وتشكل الصور الفوتوغرافية التي خص بها منحوتاته مساهمة ثمينة لفهم هذه الأخيرة، ولكن أيضا مسعاه النحتي بشكل عام، فبواسطتها ينقل برانكوزي لنا حركة فكره حول المنحوتة والعالم، كما يسمح لنا بالعودة إلى أصل كل عمل من أعماله وبمشاهدة تطور مواضيعه.

وفي هذه الصور، يتجلى لنا عمل كيميائي حقيقي تتحول فيه المادة من خلال تلك العلاقة، المبتكرة داخل المحترف، بين المواد والأشكال والضوء، كما في الصورة التي التقطها لمنحوتة "عصفور في الفضاء" الجصية ويظهر العصفور فيها، بعد تشبيعه بالضوء، نقيا كما لو أنه من رخام أبيض مصقول.

 كما يتجلى ذلك في صورة المنحوتة نفسها التي حققها الفنان بمادة البرونز أيضا، ويتحول العصفور فيها إلى شعلة مضيئة بفعل إضاءة خافتة، أو في صور عددٍ من المنحوتات الرخامية التي تبدو وكأنها من مادة بلورية شفّافة بفضل خلفية موحَّدة قاتمة وإضاءة اصطناعية.

وبارتباطها الوثيق والظاهر ببعضها البعض داخل عدد من الصور الفوتوغرافية، لا تبدو منحوتات برانكوزي لنا كأعمال متفرقة بل كأجزاء عالمٍ متماسك إلى أبعد الحدود.

اكتشف برانكوزي معظم مواضيعه بين عامي ١٩٠٩ و١٩٢٥، وقاربها بشكلٍ ثابت وبدون كلل، مع تغييرات شكلية جد طفيفة في غالب الأحيان. ومن أبرز هذه المواضيع: القبلة والعصفور والملهِمة والعمود الذي لا نهاية له.

وداخل الحداثة التي كانت في طور التشكيل، لعبت الحركات الطليعية دورا محدودا في عمله لاهتمامه أكثر بمنحوتات الرسام غوغان الخشبية، ومثل بعض فناني عصره، اهتم بمنحوتات تنتمي إلى حضارات أخرى، آسيوية وأفريقية، شاهدها في متحفي "غيمي" و"اللوفر" والمعارض الإثنوغرافية. وسمحت هذه المراجع إلى فن بدائي له بسحب عمله النحتي من عوارض الأساليب الخاصة بحقبته للانخراط به داخل بعد أكثر شمولية.

 نظرة شاملة داخل محترف الفنان برانكوزي (الجزيرة) 
المجموعات المتحركة
لكن بقوله أن "الواقع لا يكمن في الشكل الخارجي للأشياء بل في جوهرها، وبالتالي يستحيل على أي شخص التعبير عن شيء واقعي عبر تقليد سطح الأشياء" نجد برانكوزي مترسخا بعمق داخل فكر يهيكل فن القرن العشرين بكامله، منذ كاندينسكي وموندريان وماليفيتش وحتى إيف كلان وريتشارد سيرّا وجميع الفنانين المينيماليين الأميركيين خلال الستينيات.

بينما يحدد منطق التسلسل اللا نهائي لبعض منحوتاته، مثل "العواميد"، وأهمية الإدراك الحسي للفضاء الذي تنخرط فيه أعماله، جزءاً كبيراً من المنحوتات المعاصرة منذ الخمسينيات.

ومنذ بداية مساره، أعار الفنان أهمية جوهرية لعلاقة المنحوتة مع الفضاء الذي يحتويها. وانطلاقاً من عام ١٩١٠، ابتكر أعمالا جديدة سمّاها "المجموعات المتحركة" وتركن قيمتها إلى ذلك الرابط في ما بينها وإلى إمكانيات تحريك كل منها داخل المجموعة.

وفي عام ١٩٢٢، وعلى أثر معرض له في نيويورك، لاحظ برانكوزي أن عملية عرض أعماله بدون تدخّله أدّت إلى ظهورها كأشياء جامدة، لا حياة فيها، وإلى فقدانها قدرتها على الانتشار داخل الفضاء، مما عزّز داخله فكرة أن المحترف هو الفضاء المثالي لإعداد وتأمّل منحوتاته ويُشكّل بذاته عملا فنيا أو جسدا مؤلفا من خلايا تتوالد من بعضها البعض.

وهذا ما يفسر توقّفه عن النحت في سنواته الأخيرة من حياته للتركيز فقط على علاقة منحوتاته ببعضها البعض داخل فضاء محترفه. سلوك دفعه إلى رفض عرض أعماله خارج محترفه وإلى استبدال كل منحوتة كان يبيعها بنسخة عنها من الجص كي لا يفقد وحدة المجموعة.

المصدر : الجزيرة