مؤسس مسرح هارلم آرثر ميتشل في عرض "آغون" (الجزيرة نت)

 

طارق عبد الواحد-ديترويت

 

ليس "مسرح هارلم لرقص الباليه" مجرد معهد لتعليم الرقص وتقديم العروض الفنية، ولكنه فصل مشوّق في قصة الزنوج في الولايات المتحدة والتي تتقاطع حبكاتها وتتصادم عناصرها الدرامية بشكل مؤثر وذي مغزى، وهو أيضا رواية صعود السود الأميركيين من القاع والهامش إلى المشاركة في السياق الوطني الأميركي بكل أشكاله.

 

والأهم أن المغزى التاريخي و"الفني" لهذه الرواية لا يتوقف عند "النهاية السعيدة" وانتصار "الأبطال"، بل في الهزيمة الأخلاقية التي تم إلحاقها بالرجل الأبيض، حيث لا يحتاج الأمر إلى كثير من الفراسة والتبصر لاكتشاف "أزمة الضمير" التي تلمع ندبتها في الثقافة البيضاء.

 

ولا غرابة إذن أن يشهد معرض "مسرح هارلم للرقص: أربعون عاما على البدايات" في "متحف تشارلز أيتش رايت للتاريخ الأفريقي الأميركي" بديترويت كثافة في أعداد الزائرين، في مدينة ذات أغلبية سوداء ولها تاريخ مشهود في "حركة الحقوق المدنية" الأميركية.

 

في عقد التسعينيات تابع مسرح هارلم مسيرته الفنية دون أن يتنكر للأسس الأولى التي نشأ عليها، ومجابهة التصورات النمطية والمتحيزة التي يصنعها التطرف الثقافي والتفاوت الاقتصادي
تاريخ هارلم

ويقدم المعرض أرشيفا مكثفا لمسرح هارلم، ساردا لحظاته المتألقة عبر صور فوتوغرافية للقطات وتصاميم رقصات في غاية الجلالة والمهابة، وملصقات عروض فنية، ولمحات وسيرا ذاتية لأبرز الراقصين الذين حاربوا الصور النمطية عن الأفارقة الأميركيين وعن شارع هارلم نفسه، الذي اعتبر لوقت طويل رمزا للفقر والعنف والجريمة.

 

ويقول مؤسس مسرح هارلم راقص الباليه آرثر ميتشل في شريط فيديو مسجل مرافق للمعرض "يضم هذا المعرض الكثير من الذكريات، ويمكن للزائر في جولته أن يرى تاريخ مسرح هارلم الكامل".


ويروي ميتشل بعض الذكريات عن النجاحات والشهادات التي نالتها الأعمال الفنية التي قدمها المسرح عبر جولاته الفنية في أميركا وفي العالم، ويختم بالقول "المعرض يروي الكثير من القصص وهو لا يعرض لتاريخ مسرح هارلم فقط بل لتاريخ أميركا، هذا الشيء يحدث في أميركا ولا يمكن أن يحدث في أي مكان آخر من العالم".

 

يعتبر مسرح هارلم لرقص الباليه علامة فارقة لمدينة نيويورك، تختلف عن ذلك التصور الذي عرف به شارع هارلم بوصفه عاصمة للسود ومرتعا للجريمة والعصابات

التأسيس والبدايات
عندما تم اختيار مؤسس مسرح هارلم آرثر ميتشل ليكون أحد راقصي فرقة "مدينة نيويورك لرقص الباليه" في العام 1955، اعتبر الأمر بمثابة المعجزة، بسبب لونه الأسود.

 

لكن ميتشل عبر أدوار وضعها له خصيصا مصمم الرقص جورج بلانشين، كما في عملي "آغون" و"حلم ليلة صيف"، استطاع أن يفرض موهبته وأن يصبح الراقص الرئيسي في الفرقة لمدة 15 عاما.

وفي العام 1969، وبعد وقت قصير من رحيل قائد حركة الحقوق المدنية مارتن لوثر كينع، قرر آرثر ميتشل وبالتعاون مع كارل شووك إنشاء معهد لتعليم الرقص في شارع هارلم، واضعين في الاعتبار استلهام تراث وتطلعات حركة الحقوق المدنية، وكانت الانطلاقة في قبو كنيسة.
 

وقدم مسرح هارلم أولى عروضه الفنية في عام 1971 على مسرح "متحف غوغنهايم" بنيويورك، وتوالت نجاحاته بعد انضمام بلانشين، والجولات الفنية الناجحة على مسارح برودواي.

 

وفي عقد التسعينيات تابع المسرح مسيرته الفنية من دون أن يتنكر للأسس الأولى التي نشأ عليها، وفي مقدمتها المهمات المعرفية والتعليمية والاجتماعية، ومجابهة التصورات النمطية والمتحيزة التي يصنعها التطرف الثقافي والتفاوت الاقتصادي.


واعتبر مسرح هارلم لرقص الباليه علامة فارقة لمدينة نيويورك، تختلف عن ذلك التصور الذي عرف به شارع هارلم بوصفه عاصمة للسود ومرتعا للجريمة والعصابات، حيث قال عنه رئيس بلدية نيويورك ميشيل بلومبيرغ "هذا المعهد المميز مثّل، وما زال يمثل، أجمل ما في نيويورك". 

المصدر : الجزيرة