محمود منير

يقدّم د. صالح الحمارنة في كتابه الجديد "غالب هلسا الأديب الرافض" ملامح من سيرة الراحل هلسا قبل مغادرته العاصمة الأردنية عمّان، وتنقله منفيّاً بين عدة عواصم عربية، ممتزجة بقراءة نقدية لمواقفه حيال المرأة، والفكر الفلسفي في الإسلام، والمشروع الفكري عند ابن المقفع، وغيرها من القضايا.

وقدم للكتاب -الصادر عن دار أزمنة- الناقد نزيه أبو نضال بالحديث عن العلاقة، التي جمعت المؤلف بهلسا، أيام الدراسة والمعتقل في الأردن، وفي فترات متقطعة في دمشق وبيروت فيما بعد، وكيف استطاع أن "يوظف المعرفة المباشرة بغالب وخبرة العلاقات الإنسانية الشخصية معه في كشف أبعاد ومكوّنات الشخصيات والأعمال الأدبية التي يقوم بدراستها".

ويشير المؤلف إلى فارق العمر بين والد غالب، سلامة ووالدته فضية، إذ كان عمره ثلاثين عاماً، وعمرها لم يتجاوز الحادية عشرة، فطلبت يوم عرسها في قرية ماعين الأردنية العودة إلى أمها، ولم يفلح الحضور في إقناعها بالبقاء إلاّ بعد إحضار وجبة طيبة لها.

يعرض الكتاب لإشادة غالب هلسا، الذي ينحدر لعائلة مسيحية، بعظمة الفلسفة الإسلامية ودورها الجليل، ملخصاً ذلك بقوله "اكتشفت في الفلسفة الإسلامية أنها أكثر الفلسفات تعبيراً عن صراع سياسي واجتماعي"
نبوغ مبكر
ويرى حمارنة أن غالب لم يذكر والده في رواياته، في حين أن صورة والدته تتكرر وتلازمه في أكثر رواياته، والتي تخص غالباً بحنانها وتضاعفه له، بعد فقدها ابنها بديع، تعويضاً عن فقدها له.

ويلفت الحمارنة إلى أن هلسا كان الأصغر سناً في الصف أثناء دراسته في مدرسة الاتحاد الإنجيلية الأميركية في مدينة مادبا الأردنية، وكان "متوقد الذهن، سريع البديهة، لكنه يقضي وقتا في المناكفة والمشاكسة اللفظية، والجدل حول كل شيء، فإذا خلا بنفسه فمع الكتاب".

وإلى جانب اعتناء هلسا بالشعر العربي، قديمه وحديثه، اهتم بالآداب الأجنبية، إذ قرأ، في مرحلة دراسته تلك، الكاتب الإسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، وبالأخص، روايتيه "السهم الأسود" و"جزيرة الكنز". 

ويتحدث الحمارنة عن  انتباه غالب عند انتقاله إلى مدرسة المطران، في عمّان، إلى نظرية داروين وتأثره بالجو الليبرالي السائد في المدرسة، حيث برزت قابليته في المجادلة والنقاش العلمي العميق.

وبعد أن أنهى دراسته في "المطران" التحق غالب بالجامعة الأميركية في بيروت، لكن سرعان ما عاد مطروداً من الجامعة، ومصدوماً، بسبب اعتقاله وتعذيبه إثر اشتراكه في مظاهرة في مدينة طرابلس في عام 1951 وهو في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، ليعود ويعيش في غرفة بسيطة مع حمارنة في "حي المصدار" بالعاصمة الأردنية.

ويعتقد الحمارنة أن هلسا كان يكتب خفية، في تلك المرحلة، وكان يصف الكتابة بأنها "التحدي السري والمخجل"، مضيفاً "كنت أشعر أنني بالكتابة أرتكب فضيحة ما، أخرق قوانين معينة"، وكان يكتب كل يوم أحلامه، ليصبح الخيال وعالم الحلم هذا جزءاً من كتابته.

ويعرض الكتاب لإشادة غالب هلسا، الذي ينحدر لعائلة مسيحية، بعظمة الفلسفة الإسلامية ودورها الجليل، ملخصاً ذلك بقوله "اكتشفت في الفلسفة الإسلامية أنها أكثر الفلسفات تعبيراً عن صراع سياسي واجتماعي".

وينتقل غالب من الإشادة هذه إلى الإعجاب بعبد الله المقفع، إحدى الشخصيات الفكرية الثورية، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، لأن "المفهوم الذي قدّمه للإنسان هو الإنسان الفاعل".

موقف غالب -الذي كان شيوعياً- من الأحزاب الشيوعية العربية، يستحق الملاحظة، إذ انتقدها لأنها لم تقدّم برنامجاً متكاملاً بديلاً
رفض وغربة
ويحاول الحمارنة في فصلي "الأديب الرافض"، و"الغربة والموت" تكثيف رفض هلسا للمجتمع البطريركي، حيث "كان حضوره يثير الأسئلة أينما حلّ"، وكانت "معركة الحياة -بالنسبة إليه– هي الإبداع والديمقراطية، ولهذا ظل يرفض الالتزام بالأطر"، و"يرفض الرضوخ في السياسة كذلك".

ووفقا للكاتب يستحق موقف غالب -الذي كان شيوعياً- من الأحزاب الشيوعية العربية، الملاحظة، إذ انتقدها لأنها لم تقدّم برنامجاً متكاملاً بديلاً لأنظمة القطاع العام العربية، ولم تطرح مسألة السلطة، وأن معظمها لا يزال يتبع فكرة الطريق اللا رأسمالية إلى الاشتراكية.

وقد التقى هذا الرفض بغربته، وهو ما درسه الحمارنة في عدد من روايات غالب، مدللاً على تلك المشاهد التي تلتقي بأحداث حقيقة وقعت في حياته، ويختمها بمقولة له وردت في كتابه "العالم مادة وحركة"، وهي: "الحرّ الوحيد في هذا الكون الواسع هو الإنسان الذي تنفجر طاقاته الكامنة بالقوة المكتسبة التي أضفاها عليه وعيه، ومن هذا الوعي سوف ينطلق إلى التحكيم بالحياة إلى إخضاع مسار العملية الاجتماعية للعقل".

يشار إلى أن غالب هلسا ولد في 18 ديسمبر/كانون الأول 1932، وتوفي في التاريخ نفسه من عام 1989، وقد تنقل في منافيه بين بغداد والقاهرة وبيروت ودمشق التي توفي فيها، وترك سبع روايات، هي: "الضحك"، "الخماسين"، "السؤال"، "البكاء على الأطلال"، "ثلاثة وجوه لبغدا"د، "سلطانة" "الروائيون"، إضافة إلى مجموعتين قصصيتين وكتب نقدية وعدة ترجمات.

المصدر : الجزيرة