الشاعر اللبناني شربل داغر

حاوره/ محمود منير

يرى الشاعر والناقد اللبناني شربل داغر أن الحديث عن "الثورة" لا يزال "حديثاً مشتهى" ولكن غير حاصل في أوضاعنا العربية، وأن "الانقلابات هي ما نسميه الثورات. وتغيير الحاكم أو الحكومة –بمعاونة أجنبية أكيدة ومباشرة في بعض الأحوال– نطلق عليها تسمية "ثورات"، وإطلاق كبت سياسي دفين في طقوس كربلائية نسميه "ثورات".

حاز داغر على شهادتي الدكتوراه في الآداب العربية وفي جماليات الفنون، وله عدة مجاميع شعرية منها "القصيدة لمن يشتهيها" و"حاطب ليل" و"فتات البياض"، كما صدرت له رواية بعنوان "وصية هابيل"، وله عدة إصدرات بحثية منها "العربية والتمدن.. في اشتباه العلاقات بين النهضة والمثاقفة والحداثة". وكان للجزيرة نت هذا الحوار معه:

لمن أتوجه بالسؤال عن الأحداث الثورية والاحتجاجية في أكثر من بلد عربي؟ أأتوجه إلى الشاعر أم إلى المواطن لمعرفة رأيه فيما يجري؟

- يمكن توجيه السؤال إلى الاثنين، على أن جوابهما قد لا يكون متطابقاً. لعلي في هذا الجانب أقرب إلى المواطن المتفرج مثل كثيرين غيري، طالما أننا نتابع تلفزيونياً أو إلكترونياً أكثر مما نقرأ عن هذا الحراك، عدا أنني لا أستطيع أن أجد في المكتبة العربية كتباً كثيرة تفيدني في فهم ما يجري، أو ما كان يعتمل في الداخل العربي.

ما يعوق قيام الدولة لا يتمثل فقط –مثلما يظن البعض ومنهم قادة الحراك الحالي– في الاستبداد، ولا يتحصل في "الحرية" –كما هو شعار المتظاهرين- وإنما في الجانب الاجتماعي من حياة مجتمعاتنا
حتى ما أقرأه اليوم، أو أسمعه، لا يعدو كونه في غالبه الغالب كلاماً سياسوياً، أي من السجال والحجاج ليس إلا. أيعني هذا أن ما يجري جديد ومفاجىء؟ طبعاً، إلا أنه لا ينطلق بسحر ساحر، وإنما بمقادير من التنظيم  يعمل وفقها "قادة رأي" على مستوى  الوسائل الإلكترونية، التي تتيح الخفاء والتلطي والتبليغ السريع،  وقد أزكى هذا الحراك – هذا الصعود المتنامي لما كان صامتاً ويدور في حلقات ضيقة.

لماذا تسميه بالحراك، وليس بالثورات وغيرها؟

- لأن ما يجري مختلف بين مصر وتونس، من جهة، وبين كل بلد عربي آخر، مثل ليبيا واليمن وسوريا والبحرين، من جهة ثانية. وأعتقد أن تجميع هذه التحركات في أنموذج واحد تفسيرٌ غير مناسب، على الرغم من تفاعلات أكيدة بين هذه التجارب المختلفة، أظهرت رسوخ وتأكد التجارب "الوطنية" وفق محدداتها الخاصة من جهة.

كما ألجأ إلى استعمال لفظ "الحراك" لسبب آخر، وهو أن ما نعايشه لا يرقى إلى "الثورة"، كما يحلو للكثيرين القول، إذ أن أنجح التجارب حتى اليوم، وهما تجربتا مصر وتونس لا تزالان دون القدرة الفعلية على "تغيير النظام"، وترقيان وحسب إلى تغيير الحكومة، ورأس السلطة وبعض حاشيته وبطانته.

وإذا كانت لتجربتَي مصر وتونس بعض مقادير النجاح فيعود إلى إرث مدني أكيد، مسند ومعطوف على غلبة مذهبية لا تواجه مشاكل الاعتراف بالآخر، أياً كان وجهه.

لقد استوقفني كثيراً كيف أن الإقبال على التصويت في مصر– وكانت التجربة الديمقراطية والوحيدة التي حدثت في غمار هذا الحراك– بلغ 42%، ألا ترى معي أن قادة الرأي اليقظين في مصر وتونس يعملون على تأجيل الانتخابات، التي طالما نادوا بها، لأنهم يتوجسون من هيئة "الطالع" من صناديق الانتخاب، خائفين من أن لا تكون له بعض ملامحهم بل ملامح أخرى.

أيعني هذا أن مأمول هذا الحراك سيكون محدوداً؟

- يعنيني أن أكون يقظاً وحذراً في مراقبة وفهم ما يجري، لأن مسألة بناء الدولة ملحة بقدر ما هي إشكالية في البلاد العربية. ذلك أنها عرفت الحكومة والسلطة والحزب الحاكم، لكنها لم تعرف سوى في تجارب قليلة، وفي أوقات محدودة، كما في لبنان ومصر وتونس والمغرب وغيرها، بناء الدولة أو قيامها بعدد من سلوكات الدولة الحديثة.

 

أحد مؤلفات شربل داغر

وما يعيق قيام الدولة لا يتمثل فقط –مثلما يظن البعض، ومنهم قادة الحراك الحالي– في الاستبداد، ولا يتحصل في "الحرية" كما هو شعار المتظاهرين، وإنما في الجانب الاجتماعي من حياة مجتمعاتنا.

 

قيل الكثير عن أن مسألة "توريث الحكم" في الأنظمة "الثورية" و"التقدمية" (كما كانت تسمى) هي التي أججت الصراع على السلطة، إلا أن ما أججه واقعاً هو نهب خيرات البلاد المنظم من الورثة هؤلاء. وهو ما عكس وجهاً من وجوه التأزم الاجتماعي الاقتصادي الذي أشير إليه.

 

غياب البعد الاجتماعي الاقتصادي؛ هل هو الذي يمنع هذا الحراك من أن يكون "ثورة" فعلاً؟

 

أنا لا أبخس هذا الحراك السياسي حقه، خاصة وأنه يصدر عن شباب لم يعرفوا من السياسة سوى الرضوخ المهين، ومن العيش سوى استجداء ما هو حق لهم. هذا ما تمثل أحياناً في شعارات مبتكرة لا تظهر إلا في حمى العراك و"إبداعيته" المفاجئة، مثل الشعار التالي: "عفواً، سيدي الرئيس، انتهت المكالمة لأن رصيدك قد نفد".

 

هناك دم كثير قد سال في الشوارع العربية، وبقَّعَ شاشات العالم، وعنى خروجا كريماً للعربي إلى العلانية التاريخية، وإن بوجوه متشابهة في المظاهرات، ولا ترقى بعد إلى هيئات الأفراد المتمايزة، بكل ما يحمله هذا الخروج من مصاعب وإشكالات. لهذا يمكن اعتبار ما يجري بروزاً سياسياً قلما عرفناه، وقلما شارك في السابق في صنع السياسات وبلورتها.

 

منذ مجموعاتي الشعرية الثلاث الأخيرة؛ ابتعدت في غالب قصائدها عن معايشة أو متابعة ما يجري لي أو لغيري، واتجهت صوب مساحات افتراضية
لكن هذا الخروج، الذي أظهر وجهاً مثل وائل غنيم، ما لبث أن أعاده إلى العتمة الإلكترونية من جديد، كما أظهر لوجوهنا هيئات الشهداء والقتلى العموميين في غالب الأحوال. عدا أن ما يسمى "ثورات اليوم" يشبه هبات جماهيرية قديمة، ولا تستند إلا في القليل إلى عدة الزمن السياسي الحاضر
.

 

ما الجديد السياسي في ما تعاين وتصف؟


- أرى نقلة كبيرة، تتمثل في أن العمل السياسي الجماهيري ما عاد يتعين في حدود هلامية سياسية، وإنما بات يقر –ولو ضمنياً– بالحدود السياسية الموروثة عن الاستعمار. وهو إقرار واقعي، له نتائج سياسية أخرى، منها تغليب العناصر الوطنية والداخلية في الطلب على الحكم. وهو نوع من خروج جديد عما كانته السياسة في العهود الاستعمارية، أو ضد "إسرائيل"، أي ضد الخارج، وباتت السياسة طلباً نزاعياً في الداخل. وهو وجه من الخروج على "الإجماعية" التي أنتقدها في أكثر من مظهر من الحياة العربية.

 

ما المقصود بالإجماعية هذه؟ ألها وجه ثقافي أيضاً؟

 

- هذا ما أطلقتُ عليه في الثقافة، والشعر عموماً، تسمية "الواحدية التمامية"، أي الخطاب الذي يركن إلى مرجعية لا تقوم على التعدد والتخالف والتباين، وإنما على قيم لا تقر إلا بالواحد، الجامع، والذي له صورة تمامية.

 

كما تفتقد الحداثة الشعرية واقعاً إلى القارئ الحديث والثقافة الحديثة بوصفهما وليدَي الحداثة الاجتماعية، كذلك فإن الحداثة الأيديولوجية والسياسية تفتقر إلى الحداثة الاجتماعية، أي إلى المناضل والنقابي والخطاب الاقتصادي... نشكو من السياسة، وننادي بتغيير السياسة، فيما ننسى أن ما صنع "الثورة" الفرنسية هو "عصر الأنوار" وبروز البورجوازية الحاسم، قبل الشعب.

 

ذلك أن نسيج العلاقات الاجتماعية لا يزال في أحوال عديدة تقليدي المباني، وهو ما للدعوات "الإسلاموية" قدرة على التعايش معه والتسلل إليه، طالما أن فكر "الأمة" بالمعنى الإسلامي يوافق المبنى"الإجماعي" الذي تقوم عليه السلطة التقليدية المتمثلة في سلطة "رب العشيرة".

 

وماذا يقول الشاعر؟ لقد انتبهت في كتابك "ترانزيت" أن أحد المتكلمين يصرّ في نهاية الكتاب على البقاء في العتمة؛ لا يرغب في الخروج. هل تعتقد أنه خرج مع الاحتجاجات في الساحات العربية الأخيرة؟


- ربما... لن أجد خروجه غريباً إن ذهب إلى الساحات، ذلك أن هذا المتكلم وغيره أيضاً انتقلوا إلى ساحات افتراضية في النص لأنهم لم يقووا على العيش في ساحات موجودة.


إذا كانت لتجربتَي مصر وتونس بعض مقادير النجاح فيعود إلى إرث مدني أكيد، مسند ومعطوف على غلبة مذهبية لا تواجه مشاكل الاعتراف بالآخر أياً كان وجهه
ابتعدت منذ مجموعاتي الشعرية الثلاث الأخيرة، في غالب قصائدها، عن معايشة أو متابعة ما يجري، لي أو لغيري، واتجهت صوب مساحات افتراضية، ينبني فيها النص، وهو ما بدأ منذ مجموعة "لا تبحث عن معنى لعله يلقاك"، حيث إنني في نصين مطولين جعلت الكلام يتوزع بين متكلمين، كما لم يكن لهم اسم ولا هيئة ولا سيرة مخصوصة، غير حضورهم النصي نفسه.

 

ألهذا جعلت أيضاً الشهيد يعود "على أدراجه" في مجموعتك الأخيرة "القصيدة لمن يشتهيها"؟


- نعم هذا ما انطلقتْ منه إحدى القصائد: ماذا لو يعود الشهيد على أدراجه؟ ماذا سيقول عن حضوره المستجد؟ أسيتعرف على صورته؟ أيمكنه أن يخلد إلى الموت أم أنه سينادي بلزوم العودة إلى الحياة؟

 

هذا الشعر ينبني في مساحات وأسئلة بعيدة عن الواقع إلا أنها ناتجة عنه، في نوع من المساءلة له، من رفضه، من قلبه على قفاه.

 

هل تعتقد أن هذا الحراك سيؤدي إلى انتعاش الشعر السياسي؟


- هو منتعش قبله وبعده من دون شك، إلا أنه لن يزيد من إسهام الشعر النوعي في إنارة ما يجري أو ما له أن يعبر فيه.


أعتقد، بالمقابل، أن هناك أدباً آخر سيعرف مقداراً مزيداً من القبول، أي الأدب الحامل أكثر لنبض الحياة العميق، ولبهجتها وخفتها.

المصدر : الجزيرة