جاكلين كينيدي للمصور إليوت إيرفيت في معرض باريس

أنطوان جوكي-باريس

يغطي معرض المصور الفوتوغرافي الأميركي إليوت إيرفيت في غاليري "فريديريك غوت" الباريسي فترة نصف قرن من النشاط الفني والصحفي لهذا الفنان الذي عرف كيف يتأقلم مع التطوّرات التقنية دون أن يفقد هويته، وكيف يلتقط ببراعة كبيرة الجانب الهزلي لمشهد العالم.

ولد إيرفيت في باريس عام ١٩٢٨ لعائلة من أصل روسي وأمضى السنوات العشر الأولى بين فرنسا وإيطاليا وألمانيا، ثم انتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة عام ١٩٣٩ هرباً من الحرب، فعاش في نيويورك أولاً، ثم في لوس أنجلوس، قبل أن يعود إلى نيويورك للاستقرار فيها.

صورة الكاتبة سيمون دو بوفوار بعدسة المصور إليوت إيرفيت
شهادة على الأحداث
تشّد جميع صور إيرفيت الزائر للمعرض لكونها شهادات على الأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى خلال العقود الخمسة الأخيرة، وفي الوقت ذاته، مشاهد يومية عادية واستثنائية معاً.

وفي معظمها عرف إيرفيت كيف يحافظ على نظرة ساذجة، وكيف يوظّف رقّته وإنسانيته لمدّ صوره بشعرية كبيرة، كما تمكّن بتشييداته الشكلية الجميلة وإضاءته المدروسة من تعزيز عمليات إخراج صادمة ودائماً مؤثّرة، ففي عمله مصورا إعلاميا أو فنانا، ابتعد إيرفيت كل البعد عن التفاهة، وإن بدت بعض صوره سطحية عند الوهلة الأولى.

ريبورتاجات إيرفيت المصوَّرة يصعب إحصاؤها وقد صدرت في أبرز المجلات الأميركية والأوروبية، بينما عُرضت صوره الفنية في أهم المتاحف والمعاهد الفنية منذ عام ١٩٥٥، كمتحف نيويورك للفن الحديث و"قصر طوكيو" بباريس، ومؤسسة "كونستواس" بزوريخ، ومتحف رينا صوفيا بمدريد، ومركز "باربيكان" الفني في لندن، ومتحف روما وغيرها.

لكن نشاط إيرفيت لا يتوقف عند التصوير الفوتوغرافي، فخلال السبعينيات أنتج عدة أفلام وثائقية، ثم أنجز في الثمانينيات برامج تلفزيونية هزلية وساخرة. وإلى حد اليوم، يمكننا إحصاء أكثر من عشرين كتابا مصوَّرا له، أشهرها كتاب "نيويورك" وكتاب "كلاب".

من الصور المعروضة للمصور إليوت إيرفيت
مواضيع متنوعة
وإلى جانب موضوعَي الأطفال والكلاب اللذين خصّص لهما ريبورتاجات كثيرة، هنالك مواضيع المشاهير والبحر والعزلة والعري والمُدن.. وفي الكثير من صوره، نستشف حسّاً فكاهيا كبيراً، كما تعكس الصورة التي نشاهد فيها فتاة صغيرة تتخذ وضعيةً جدّية في جوار صفّ من تماثيل أبي الهول في متحف "الميتروبوليتان".

ويتجلى ذلك أيضا في الصورة التي التقطها في متحف "برادو" ويظهر فيها تجمُّع للرجال أمام لوحة الفنان الإسباني غويا "لا ماغا العارية"، وامرأة وحيدة أمام لوحة الفنان نفسه "لا ماغا بلباسها".

صحيحٌ أن نظرة المصور للأشياء هي التي تحدد قيمته، لكن موهبة إيرفيت لا تكمن فقط في نظرته بل في فلسفته للحظة الآنيّة وفي حسّه الإنساني المنيع، فعمله مزيجٌ حاذق من السخرية والهزل والكآبة. وعن هذا الموضوع قال "بعض الناس يقولون إن صوري حزينة، وبعض آخر يراها مضحكة، ولكن أليس الحزن والفرح شعورٌ واحدٌ بشكلٍ ما؟".

ولتفسير الردود المختلفة أمام صوره، نذكّر بحتمية إسقاط المتأمّل فيها بعضاً مما هو عليه، لكن في النهاية يتمكّن إيرفيت دائماً من فرض رؤيته وموقفه خلف ستار البراءة والتواضع اللذين يشكّلان ميزتَي شخصه وعمله الرئيسيتين.

المصدر : الجزيرة