غلاف كتاب "شعراء من العالم" (الجزيرة نت)

جهاد هديب-الشارقة

من يطالع كتاب "شعراء من العالم" وبعنوانه الفرعي "الكرّامون يوقدون الأسرجة" للشاعر اللبناني عبده وازن، يحسب للوهلة الأولى أنه شعر قد قام وازن بترجمته عن لغة أخرى خصوصا أن العنوان الرئيس يؤكده العنوان الفرعي وفقا لقَدْر من التأويل.

لكن الكتاب الصادر مؤخرا عن الدار العربية للعلوم، ناشرون البيروتية في قرابة ثلاثمائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط هو مجموعة من المقالات والدراسات التي يقرأ من خلالها عبده وازن -بوصفه شاعرا- مجموعة من شعراء من العالم الذين ينتمي شعرهم إلى الشعر الحديث والمعاصر في بلدانهم.

وهكذا يمكن للقارئ أن يطل على مشهد شعري راهن في هذا البلد أو يطل على تجربة شاعر من العالم لم تُتَح له قراءته من قبل خاصة أن المؤلف وازن يقدم مقالاته ودراساته في هذا السياق على نحو مختلف عن ما يفعل الكثير من الكتّاب الأسبوعيين أو اليوميين في الحقل الثقافي الذين يقدمون قراءات صحفية لا تستحق عناء القراءة في بعض الأحيان.

يمكن للقارئ أن يطل على مشهد شعري راهن في هذا البلد أو يطل على تجربة شاعر من العالم لم تُتَح له قراءته من قبل خاصة أن المؤلف وازن يقدم مقالاته ودراساته في هذا السياق على نحو مختلف عن ما يفعل الكثير من الكتّاب
عبده وازن يقدم "شعراء من العالم" بطريقة رصينة مما يجعل الكتاب الذي من الممكن قراءته بانتقائية بدءا من هذا المقال أو تلك الدراسة أمرا ممكنا خصوصا إذا كان الشاعر موضوع الحديث لم يقرأه المرء من قبل.

أشعار مترجمة
أما الملاحظة الأخرى الجديرة بالاهتمام، فهي أن مقالات وازن ودراساته مشفوعة بنماذج شعرية لا يدعي القيام بترجمتها بل أخذها من الكتب المترجمة التي قرأها بالعربية، إنما دون إشارة في كتابه لصاحب الكتاب المترجم الذي أخذها عنه أو حتى عنوان الكتاب نفسه الذي ألهمته قراءته فكرة بعينها ثم كتابة هذه الفكرة وتضمينها كتابه.

لكن هذا الأمر لا يمنع من القول إن كتابة عبده وازن في "شعراء من العالم" قد لا تتمتع بمنهجية صارمة وواضحة في الكتابة لكنها كتابة بحد ذاتها يمكن وصفها بأنها "كتابة شعرية".

إن ما يلتفت إليه المؤلف في مقالاته ودراساته هذه هو الفكرة الشعرية والتعبير عنها وفقا لما تلهمه إياه قراءة الشعر بوصفه واحدا من المنشغلين بالكتابة عن ما يُكتب في العالم شعرا وكلاما على الشعر.

وهذه الشعرية في الكتابة يكمن جذرها في شعرية القراءة فيلحظ القارئ أن وازن لم يتقصّد لمقالته أو دراسته أن تكون كذلك بل ترك لمخيلة التأمل الشعري لديه أن تجري على سجيتها وأن تعبّر عن نفسها، أي أن يقول الفكرة كاملة، وذلك أحد الأسباب التي تجعل من قراءة الكتاب ممتعة.

بالإضافة إلى نزعة الشاعر إلى التعريف بشعراء ومصادر شعرية راهنة ومعاصرة مختلفة عن ما يقدم عادة ضمن سياقات أكاديمية غربية غالبا، إذ نجد في الكتاب ما يتجاوز ذلك إلى محاولة رسم صورة عن ما يحدث في هذه الشعرية من شعريات العالم أو تلك.

إن ما يلتفت إليه المؤلف في مقالاته ودراساته هذه هو الفكرة الشعرية والتعبير عنها وفقا لما تلهمه إياه قراءة الشعر بوصفه واحدا من المنشغلين بالكتابة عن ما يُكتب في العالم شعرا وكلاما على الشعر
نزعة تأملية
واللافت أن المؤلف ينزع في اختياراته وتحليلاته باتجاه الشعر التأملي في الوجود والحياة والمصائر الفردية، وهو في الوقت نفسه أبعد ما يكون عن الشعر المعقّد في طروحاته التي تتناول أفكارا فلسفية محضة وأبعد ما يكون عن شعر اللغة بل أقرب إلى ما هو شفاف وإنساني في الصورة الشعرية وجماليتها الخاصة.

ومن بين الشعراء الذين يقدمهم الكتاب، أو بمعنى أدقّ، يقرأهم عبده وازن الأرجنتينية أليخاندرا بيزارنيك، التي ماتت منتحرة والتي انتخب المؤلف من شعرها هاتين القصيدتين القصيرتين:

أزرق

"يداي تنبتان في الموسيقى

وراءها الأزهار.

ولكن الآن

لماذا أتقصّاكَ أيها الليل

لماذا أنام مع موتاك؟".


لقاء

"أحدهم يقع في الصمت

ويهجرني.

الوحدة الآن ليست وحيدة.

تتحدثين كما الليل

تنبئين عن نفسكِ كما العطش".

المصدر : الجزيرة