لوحة "اليد الصيادة" التي يعرضها غاليري "العيون الخصبة" في باريس (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

لم يمض شهران على وفاة الفنان الفرنسي الكبير أوليفيي أوليفيي (١٩٣١-٢٠١١)، حتى نظم له غاليري "العيون الخصبة" (باريس) معرضا هاما يتألف من لوحات رسمها خلال فترة العشرين عاما الأخيرة من حياته. وهي مناسبة نستغلها للتعريف بفن هذا العملاق وإنجازاته المثيرة التي لا تزال مجهولة كليا في عالمنا العربي.

ولفهم مسعى أوليفيي الفني لا بد من العودة إلى بداية الخمسينيات، حين التحق الفنان "بمجمع الباتافيزياء" الشهير. ولمَن لم يسمع بعد "بالباتافيزياء" نقول إنه "علمٌ وبحثٌ عن حلولٍ خيالية" لمشاكلنا من خلال "المراقبة الضرورية للظواهر التي تحيط بنا، كبيرة كانت أم طفيفة".

وقد ضم هذا المجمع أسماء فنية وفلسفية وشعرية كبيرة من القرن الماضي، مثل مرسيل دوشان وجان بودريار وماكس أرنست وميشال ليريس وخوان ميرو وجاك بريفير ومان راي وأومبرتو إيكو.

وعام ١٩٥٦، التحق أوليفيي أيضا بمدرسة الفنون الجميلة في باريس قبل أن يغادرها بعد بضعة أشهر ليتعلم على ذاته عبر تأمله في متحف اللوفر لوحات المعلمين القدامى، مثل رامبرانت وروبان. وبعيدا عن الفن التجريدي الذي كان طاغيا آنذاك ابتكر أسلوبا فنيا فريدا يرتكز بشكل رئيسي على المخيلة.

لوحة "مصارعة الثيران" (الجزيرة نت)
الخيال والفردانية
وطبيعة لوحات أوليفيي الخيالية ونزعته الفردانية هما اللتان أثارتا اهتمام الفنان الكبير فرناندو أرابال به في مطلع الستينيات، فدعاه إلى الالتحاق بحركته الشهيرة "هلع" (Panique) التي أسسها عام ١٩٦٢ برفقة الفنان رولان توبور والمخرج السينمائي والممثل ألكسندرو جودوروفسكي، وشكّل نشاطها مصدر تشويش وإزعاج للمتقيدين بالأعراف والتقاليد السائدة، خصوصا في ميدان الفن، كما شكل امتدادا لنشاطات الحركة السريالية.

وهذا ما يفسر لماذا تستحضر بعض لوحات أوليفيي مناخ أعمال سرياليين كبار، مثل ملصقات ماكس أرنست ولوحات رونيه ماغريت، ولكن أيضا أسلوب جورجيو دو كيريكو الميتافيزيقي.

ومن ماغريت حفظ أوليفيي أمثولة الكتمان. ومثله، يبدو داخل أعماله وكأنه يقول لنا "انظروا! ولا تسألوا عن معنى ما تشاهدوه". وفعلا، لم يرغب أوليفيي في كشف معنى أعماله بشكل فوري بل في الإيحاء لنا بأن الرهان يكمن غالبا خارج الصورة الواضحة.

وهذا ما يقودنا إلى اهتمامه الكبير بالمتأمل في أعماله وإلى تساؤله الثابت حول ردود فعله. فمقصد الفنان الأول من فنه هو إثارة متعة بصرية لدى هذا المشاهد تقوده إلى داخل اللوحة وإلى معناها العميق. لكن المقارنة مع ماغريت تتوقف عند هذا الحد. فطيلة مساره، احترس أوليفيي جدا من الابتذال والتبعية، وهو ما دفعه إلى الاقتصاد في وسائله ومواضيعه الفنية.

وفعلا، يستنتج المطلع على جميع مراحل إنتاجه الفني عددا محدودا للمواضيع التي عالجها، لكنه يستنتج أيضا تطوير الفنان الثابت لجميع جوانب هذه المواضيع وفقا لتقنيات مختلفة. وفي هذا السياق، يتجلى لنا في عمله الجانب الملح لاستكشاف المصادر والطاقات الداخلية، فكل شيء يدل على أن أوليفيي عمل دائما بعين مفتوحة على الحلم، دون أن يمنعه ذلك من تأمل العالم الخارجي بدقة في أسفاره.

لوحة "اليد-الكمان" (الجزيرة نت)
مفتاح اللوحة
وفي سيرورة إبداعه، سعى أولا خلف مفتاح كل لوحة وتخيل ببطء ظهور هذا المفتاح أحيانا بمساعدة أشياء ملموسة أو حيوانات مصغرة. ولهذا، لا يصلح وصف مضمون لوحاته "بالخارق"، فالعالم الذي يعيش فيه غذى أيضا مخيلته.

ومع أن رسمه لا يتطابق إطلاقا مع الطموح الواقعي الذي ميز حقبات فنية سابقة، يبقى الواقع حاضرا فيه، وبالتالي لا يصلح أيضا وصف هذا الرسم "بالحلمي"، كما يمكن أن نعتقده عند الوهلة الأولى. فليس عالم الحلم هو الذي غذاه بل تشييدات ذهنية لصور في حالة يقظة. وأحيانا، شكلت القطع المبعثرة داخل محترفه عاملا مساعدا لمخيلته، كتلاقي قوس كمان بسوط أو اختلاط باقة زهور بقشور قرَيْدس (جمبري) أو حضور ريش في وعاء بشكل توحي به إلى أصابع.

وفي سلسلة اللوحات التي رصدها لموضوع "حلبة مصارعة الثيران تحت الثلج" في السنوات العشر الأخيرة، ونشاهد بعضها في المعرض، استكشف أوليفيي مختلف الحالات الحلمية للمادة مستعينا في ذلك بمنطق اللاوعي. فالسكون يقابل الضجيج، في هذه الأعمال، والألوان الحارة تقابل الألوان الباردة، بينما يناقض الجمود الحركة ويتحول الشمال إلى الجنوب بالذات، أو العكس.

أما الحيوية الفائضة ومشهد الموت وفرحة الجمهور فتم تمثيلهم بشكل يناقض المشاعر المألوفة التي تعترينا عادة في الحلبة. ويأخذ مشهد مصارعة الثيران العنيف والجمالي هنا بعدا ميتافيزيقيا بانتقاله إلى قلب شتاء مثلج. ولكن أليس في ذلك أيضا رغبة في تثبيت لحظة سعيدة، بين الحياة والموت، إلى ما لا نهاية؟

لوحة  "ديناصورات في باريس" (الجزيرة نت)
بعد كرنفالي
وفي سلسلة لوحات "الفيلة" التي انطلق أوليفيي في تحقيقها في السبعينيات ورافقته حتى نهاية القرن الفائت، نشاهد فيلا يتنزه بدون قوائم محمولا على ظهر حمالين مرسومين بدقة على شكل قوائمه المفقودة. وتوحي وضعيات هؤلاء الحمالين وصعوبة تمييزهم أو تحديد هويتهم بالبعد الكرنفالي لهذه السلسلة، بينما تعكس لعبة التوازن في كل لوحة عالم السيرك والبهلوانيين الغالي على قلب الفنان. أما الحلقات العديدة التي تتألف منها هذه السلسلة فلا تشكّل مشاهد "سردية" محلومة بقدر ما تشكل رؤى مختارة لقدرتها الكبيرة على إرباك الذهن.

وبينما تعكس سلسلة "الزواحف الرهيبة" تنضيدا ذهنيا لصور متسلطة واصطدام الماضي بالحاضر، كمشاهد الديناصورات في شوارع باريس الحديثة، تحتفل سلسلة "يد الفنان" بمهارة هذه اليد وقدرتها على قول أو فعل أي شيء، كتحولها تارة إلى كمان وتارة إلى مضرب الرسام وتارة إلى قصبة صيد.

أما السلسلة الأخيرة الحاضرة في المعرض فخصصها أوليفيي لموضوع العري النسائي الذي قاربه في الماضي بطريقة مضحكة، قبل أن يعود إليه في العامين الأخيرين من حياته ويسقط في سياقه رؤى مقلقة وبالكاد طبيعية تظهر فيها أجساد نسائية في حضرة حيوان معين، كالفيل أو الخفّاش أو الحلزون، أجساد لا نعرف إن كانت مكتملة تحت الأغطية البيضاء التي تلفها أم أن أجزاءها المرئية هي كل ما تبقى منها: شك يحول بشكل جذري نظرتنا إلى هذه الأعمال ويزرع البلبلة والقلق في نفوسنا.

المصدر : الجزيرة