جهاد هديب-الشارقة

صدر مؤخرا ضمن إصدارات مجموعة مسارح الشارقة كتاب "الشاعر في المسرح" تأليف الكاتب الإنجليزي رونالد بيكوك (1907-1993) وترجمة عن الإنجليزية للشاعر والمسرحي السوري الراحل ممدوح عدوان (1941-2004).

جاء الكتاب -الذي لم تصدر له أي طبعة من قبل- في 280 صفحة من القطع المتوسط، ويعد واحدا من المراجع الأكاديمية الهامة في الدراسات المسرحية، حيث يقوم رونالد بيكوك بتقصي العلاقة الجدلية والتاريخية التي تربط الشعر بالمسرح، وذلك عبر دراسة أعمال كبار المسرحيين الذين عرفوا أيضا شعراء بارزين أمثال ت.س. إليوت، وهنري جيمس، وغريلبارتسر، وبرنارد شو، وهيبل، وغوته، وإبسن، وغيرهم.

يشكل الكتاب دراسة أكاديمية موسعة ومكثفة في الوقت نفسه عن حقيقة الكمال الشعري في المسرح منذ القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن العشرين، وهي دراسة لا تتوخى كما يبدو من سياقها أن "تعيد التعريف بأهمية الشعر في المسرح، فهذا الأمر يبدو متجاوزا في دراسة بيكوك للنماذج المختارة، وإنما التأكيد على قدرة الشعر على أن يحافظ على قوته وصفائه رغما من العناصر الكثيرة الموجودة في الدراما، وتحديدا الحكاية، والحبكة، والحوار، والشخصيات، بالإضافة إلى تحديات كثيرة، مثل المواضيع وأساليب الطرح.

ويوضح مؤلف الكتاب تناوله تلك القضايا بالقول "حاول القليل من الكتاب أن يحافظوا على الكمال الشعري أمام المزاحمات الداخلية والخارجية. فمن الخارج كانت هناك الرواية والشعر الغنائي، ومن الداخل كان هناك الدراما الواقعية النثرية التي كان موضوعها، عامة النقد الاجتماعي أو الأخلاقي لحياة الطبقة الوسطى، وكان هناك، طبعا، التأثير المؤذي للروح التجارية في المسرح"، حسب ما جاء في مقدمة الكتاب.

يشتمل بحث بيكوك في هذا الكتاب على مقاربات لمجمل العلاقات التي جعلت الشعر ذا أهمية خاصة في الدراما، كما جعلت من مقاربة الشاعر للمسرح نوعا من فتح الآفاق أمام الدراما نفسها، فهو يتطرق إلى الأساليب الشعرية في قدرتها على تناول مواضيع خالدة، مثل الموت والحياة والحب والكراهية وغيرها، والمواضيع الاجتماعية والطبقية في الوقت نفسه.

وإلى ذلك يتعرض بيكوك إلى قدرة الشاعر على التخفف من مهام النقد المباشرة، ما يجعل عمله في المسرح بعيدا عن الأيديولوجيا، وهو ما يتضح في أكثر من فصل في فصول الكتاب، خاصة مع إليوت الذي يجد المؤلف أنه قام بتجديد الشعر والمسرح معا "مع إليوت هناك تراجع عن تصور الشعر بأنه التعبير الصادر عن الفرد الفوضوي الحساس، وعودة إلى مفهوم أوسع للشعر على أنه تقديم الأفعال الإنسانية مع انعكاساتها في المجتمع الشعري".

المصدر : الجزيرة