يوسف ضمرة

المقترح علينا هذه الأيام هو أن نصدق كل ما تأتينا به الفضائيات ووسائل الاتصال، من دون تدقيق أو ترو أو تساؤل. والمشكلة الكبرى تتمثل في تكفيرية جديدة أخذت تتعين في الواقع الموضوعي العربي، فإما أن تكون مؤيدا ومناصرا لكل ما يحدث من حراك عربي من دون سؤال، وإما أن تكون سلطويا أو محافظا أو عدوا للشعوب المقهورة.

المعادلة نفسها طرحها المحافظون الجدد في أميركا ذات يوم، إثر تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، حين قال بوش: من ليس معنا فهو ضدنا. والمعادلة نفسها أيضا طرحها بن لادن ذات يوم، حين قسم العالم إلى فسطاطين، أحدهما فسطاط الخير والآخر شر.

واليوم، يخرج الكثير من المثقفين العرب شاهرين سيف الثورة -وللثورة جاذبيتها- على كل من يتساءل عن حقيقة ما يحدث.

والغريب في الأمر هو أن هؤلاء وضعوا العالم الخارجي جانبا، فحيدوه تماما. وهو أمر مريب هذه المرة، فلطالما كانوا يتحدثون عن مصالح الدول الكبرى، ولطالما كانوا ينفون أن تكون هذه الدول مجرد جمعيات خيرية.

نذكر المثقفين العرب الثوريين بضرورة التمعن في ما يجري. فنحن لسنا حتى مع التدخل العسكري الغربي في ليبيا، ولن نكون مع أي تدخل غربي في أي بقعة عربية على امتداد العالم العربي، لأننا ندرك -هكذا علمتنا التجارب- أن الغرب لا يتدخل حبا بالديمقراطية والحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان
والأكثر غرابة من ذلك كله هو أن المعايير المزدوجة، التي لطالما استخدمها الغرب في التعامل مع القضايا العربية، لم تعد قائمة في الثورات القائمة! حتى لو كان ثمة فرق في المواقف
.

الضخ الإعلامي
ولا يريد هؤلاء الثوريون أن يروا هذه الازدواجية حتى في التعامل مع سوريا، رغم كل هذا الضخ الإعلامي الذي يُظهر القيادة السورية في ثياب قتلة الأطفال والنساء والشيوخ في المنازل والمساجد. فبينما تحرك الغرب ضد النظامين في مصر وتونس، واتخذ موقفا واضحا بعد لجلجة البداية، نجد هذا الغرب يصرخ منددا بالقمع الوحشي في سوريا، لكنه لا يخطو خطوة واحدة نحو فعل ما.

هذا لا يعني أننا نطالب بذلك، ولكننا نذكر المثقفين العرب الثوريين بضرورة التمعن في ما يجري، فنحن لسنا حتى مع التدخل العسكري الغربي في ليبيا، ولن نكون مع أي تدخل غربي في أي بقعة عربية على امتداد العالم العربي، لأننا ندرك، هكذا علمتنا التجارب، أن الغرب لا يتدخل حبا بالديمقراطية والحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان. فهذه كلها تداس تحت بساطير العدو الصهيوني يوميا في فلسطين ولبنان، من دون أن يخجل الغرب من استخدام حق النقض "الفيتو" حتى ولو في مشروع إدانة لا يقدم ولا يؤخر، فعلى من تقرأ مزاميرك يا داود؟

لقد اكتشفنا في هذه المرحلة أن هنالك أحقادا عربية لا تطال الأنظمة كما كنا نظن من قبل. وبأسف مرّ نقول إن المثقفين هم من أكثر الناس تعبيرا عن هذه الأحقاد. وهذه الأحقاد تطال البلاد والناس لا الأنظمة.

إن الهجمة الثقافية التي تُغلف بالتصدي للنظام السوري هي الأشرس من بين كل الهجمات الثقافية ضد الأنظمة التي شهدت وتشهد حراكا شعبيا ما. كما أن هنالك نخبا ثقافية في دول عربية ما، هي التي تتصدر الهجوم الشرس، وتشعل النار كلما خفت اللهب. وهذا يستدعي وقفة أو مراجعة من نوع ما، وسؤالا في الأقل: لماذا؟

جيوش المثقفين
لقد لعبت الدولة القُطْرية (بضم القاف) العربية دورا بارزا في تعبئة الجماهير ضد أقطار عربية أكثر من سواها. وقد اعتمدت شراسة التعبئة على مواقف تلك الأقطار من العدو الصهيوني أولا وقبل كل شيء. وكانت سوريا دائما في مرمى كثير من الأنظمة العربية، التي وظفت جيوشا من مثقفيها الانتهازيين والوصوليين، لوسم سوريا بصورة الشيطان في المنطقة. وكان إقليم بلاد الشام تحديدا، من أكثر الأقاليم تضررا من الدولة السورية. ولعل في التاريخ إجابة على هذا الأمر. وإلا، فما معنى أن يصبح النظام السوري هو النظام العربي الدموي والبوليسي الأكبر في المنطقة، بينما يتم تجاهل بقية الأنظمة، رغم الكبائر التي اقترفتها بحق شعوبها، وبحق الشعب الفلسطيني وأرضه وكرامته وإنسانيته؟

على كثير من أدعياء الثورية أن يراجعوا أنفسهم، ويدققوا في جوهرهم، لعلهم يعثرون على الدوافع الحقيقية التي تجعلهم يخوضون هذه المعارك الشرسة... معارك لا تتعلق بالديمقراطية ولا بالحرية ولا بالقمع والاستبداد، مقدار تعلقها وارتباطها بإرث من الكراهية التي رسختها الأنظمة القُطْرية
ولعله من باب التذكير أيضا أن نشير إلى أن إعلاء الهوية القُطْرية كان مقدمة ناجحة لتمرير المشروع الصهيوني في المنطقة. ولكن المؤسف في كل ما جرى بعد ذلك هو هذا التماهي الغريب بين الجماعة والنظام، عندما يتعلق الأمر بقُطر آخر. وقد استفادت الأنظمة القُطْرية من هذا التماهي في تحصين سلطتها وحفظ موقعها والعمل على استمراريته. فما معنى أن تُنصب الشاشات العملاقة في عمان ودمشق في وقت واحد، استعدادا للاحتفال بفوز هاويتين في الغناء من هنا وهناك؟ ولماذا لا ينقسم الناس في القطرين فنيا لا جغرافيا؟ فليس من المعقول أن تقارب نسبة المؤيدين السوريين للهاوية السورية 100%، وكذلك الحال مع الهاوية الأردنية
.

ما نود الوصول إليه هو أن كثيرا من المواقف التي ترتدي معطف الثورية ليست في جوهرها أكثر من أقنعة لمواقف جرى ترسيخها ضد الجماعة في قُطر آخر، أكثر من كونها مواقف ضد الأنظمة الاستبدادية والقمعية، التي عانت منها الأمة العربية على امتداد مساحة الوطن العربي كلها من دون استثناء.

وعليه، فإن على كثير من أدعياء الثورية أن يراجعوا أنفسهم، ويدققوا في جوهرهم، لعلهم يعثرون على الدوافع الحقيقية التي تجعلهم يخوضون هذه المعارك الشرسة... معارك لا تتعلق بالديمقراطية ولا بالحرية ولا بالقمع والاستبداد، مقدار تعلقها وارتباطها بإرث من الكراهية التي رسختها الأنظمة القُطْرية.

ولعل أسطع الأدلة، هو عدم التعرض للسلطة القائمة في بلد المثقفين الثوريين، في الوقت الذي يدركون أنها أكثر استبدادا وتسلطا وفسادا على المستوى الداخلي، كما أنها الأكثر تسويقا للتنازلات الرخيصة في موضوع القضية الفلسطينية، حتى ولو كان ذلك على حساب الوطن نفسه.

إضاعة فلسطين
نتمنى لو كان المثقفون العرب على هذا المستوى من الثورية منذ إضاعة فلسطين، ومنذ التستر على جرائم العدو الصهيوني، ومنذ تبريرها، ومنذ التصالح معها، بل ومنذ الدفاع عنها أحيانا!!! ونتمنى لو كان هذا الحرص على حرية الشعب العربي في أقطاره، يساوي حرص المثقفين على حرية الشعب الفلسطيني وحقه في استعادة أرضه وفي عودته إليها، وهو الموضوع الذي تناساه المثقفون الثوريون تماما، ولم يتذكروه إلا كمؤامرة في ذكرى النكبة الماضية.

أيها الثوريون العرب، هل تذكرون ما حدث للعمال السوريين في لبنان على يد ما سمي بثورة الأرز، حين قُتل أكثر من 150 عاملا؟ تصوروا أن الأيادي القاتلة نفسها الآن مشغولة بنصب الخيام في لبنان، استعدادا لاستقبال النازحين السوريين، بسبب ما تذكره أبطال الأرز الآن من قرابة الدم والمصاهرة وعوامل التاريخ والجغرافيا! العوامل نفسها التي كانت موجودة إبان قتل العمال السوريين في براكياتهم وعلى الطرقات وفي مزارع الإقطاع!

المصدر : الجزيرة