مبنى دار النشر كما يبدو حاليا في الشارع الذي أطلق عليه اسم غاستون غاليمار (دار غاليمار)

بوعلام رمضاني-باريس

عززت سمعة باريس الثقافية الأسبوع الماضي بشارع جديد يحمل اسم مؤسس أشهر وأقدم دار نشر فرنسية: غاستون غاليمار. ورفع الستار عن الشارع في حفل غير مسبوق حضرته ثمانمائة شخصية فكرية وأدبية وإعلامية. ونظم معرض بمناسبة مرور قرن على تأسيس هذه الدار الشهيرة.

وحضر من مشاهير الأدب والإعلام كتاب منهم فيليب سولرس وفيليب لابرو ولوكليزيو صاحب جائزة نوبل عام 2008 وماري نداي صاحبة جائزة غونكور عام 2009 وماريو فارغاس يوسا صاحب جائزة نوبل العام الماضي وبرنار بيفو أشهر الصحفيين الأدبيين.

أنطوان غاليمار المدير العام الحالي لدار النشر وهو يدير المؤسسة منذ 1988 (دار غاليمار)
وكتب الروائي الشهير سولرس مقالا بديعا في العدد الجديد من "مجلة فرنسا" الدولية الصادرة باللغة الإنجليزية تحت عنوان "البنك المركزي للأدب" عن الدار التي نشرت كتبا لأشهر أدباء العالم بينهم بروست وفولكنر وسيلين وفلوبير وفولتير ومالرو وكامو وسارتر وسيمون دوبوفوار.

مكان فريد
وقال الروائي سولرس في مقالته "إن الدار التي تحتفل بمرور قرن على تاريخ تأسيسها تعد مكانا فريدا من نوعه في العالم لأنها الدار التي تحولت إلى بنك مركزي عالمي للنشر وأصدرت إبداع كتاب عظماء ازدادوا شهرة أكبر بعد رحيلهم".

من جهته أثنى الصحفي والكاتب فيليب لابرو على هذه المؤسسة في مقدمة حوار مع أنطوان غاليمار حفيد غاستون غاليمار المؤسس الذي دخل تاريخا جديدا بإطلاق شارع يحمل اسمه "مؤسسة غاليمار للنشر، 5 شارع غاستون غاليمار 75007 باريس".

الدار تعد مكانا فريدا من نوعه في العالم لأنها تحولت إلى بنك مركزي عالمي للنشر وأصدرت إبداع كتاب عظماء ازدادوا شهرة أكبر بعد رحيلهم 

فيليب سولرس

وقال لابرو "ليس من السهل تكريم دار غاليمار في بعض السطور ويكفي التذكير ببعض الأرقام لتتجلى فرادة هذا المعلم الثقافي والأدبي الفرنسي. الحفيد السعيد أنطوان يدير اليوم الدار التي نشرت لأصحاب 36 جائزة نوبل و35 جائزة غونكور -أشهر الجوائز الوطنية في فرنسا- وعشر جوائز بوليتزر".

ويوصف أنطوان بأنه أسعد ورثة المؤسس غاستون الأشهر في العالم وقد ورث إدارة دار النشر الشهيرة منذ عام بعد رحيل والده كلود.

مادونا ومحمد علي
وقال أنطوان -ردا على أسئلة لابرو المتعلقة ببصماته منذ توليه الإدارة- إن رواية "المتسامحون" لجوناتان ليتل مثلت أكبر نجاح أدبي وتجاري إلى جانب سلسلة "هاري بوتر" التي بيع منها مليونين وثلاثمائة ألف نسخة، الأمر الذي لم تعرفه الدار من قبل.

ورغم شهرتها، فقد منيت دار غاليمار بهزائم أيضا مثل باقي دور النشر، فقد اعترف أنطوان بأنه نادم على هروب توم وولف نحو دار أخرى وعدم رواج كتاب مذكرات الملاكم العالمي الأميركي الشهير محمد علي كلاي والذي قال إنه من أنجح الكتب.

ومن بين هزائم أشهر الناشرين الفرنسيين أيضا كتاب مطربة البوب الأميركية الشهيرة مادونا التي أدارت ظهرها للمنصة لحظة إلقائه كلمة بالإنجليزية تكريما لها، وفضلت "معبودة" المراهقين أن تتحدث مع حلاقتها بدل الاستماع إلى ناشرها الذي أقسم يومها أن لا يعيد الكرة مع نجوم الغناء، على حد تعبيره.

غاستون غاليمار: صورة التقطها روجي باري بحديقة مبنى دار النشر سنة 1953
(أرشيف غاليمار)
أنطوان –الذي تربى بين الكتب- أضاف متحدثا عن تاريخ دار جده ووالده أنه قابل أيام شبابه الشاعر الكبير لويس أراغون والكاتبة ناتاليه ساروت ومارغريت يورسونار وندم على عدم مقابلة أندريه مالرو وزير الثقافة في عهد الجنرال ديغول، كما عبر عن اعتزازه بمقابلة الكاتب جان جينيه بداخل شاحنة الشرطة في عز انتفاضة عام 1968.

معرض خرافي
يعد معرض "غاليمار 1911 -2011.. قرن من النشر" المستمر في مكتبة فرنسوا ميتران خرافيا بكل المعايير، ويكفي لتأكيد صحة ذلك أن تقع عيون الزائر على مخطط مسودة إحدى روايات كامو أو سارتر أو دوراس والاستماع لحوارات آخرين يتحدثون في ندوات صحفية أو يتجاذبون أطراف النقاش بمناسبة صدور هذه الرواية أو تلك أو يعلقون على منحهم جوائز نوبل أو غونكور.

ويبدأ المعرض -كما يبين الملصق الإشهاري- عام 1911 من خلال صور ووثائق تؤرخ في آن واحد لتاريخ صدور مجلة "لانوفال روفو فرانسيز" (المجلة الفرنسية الجديدة) التي انطلقت على أيدي جيرودو وكلوديل وفرنسيس جيمس قبل استعانتهم بغاستو ابن بائع الكتب والتحف الفنية وصديق الفنان التشكيلي الشهير رينوار، وبفضله برزت فكرة إنشاء دار نشر تتخصص في نشر أعمال المبدعين الكبار.

ويغطي المعرض ضمن مقاربة تاريخية وتوثيقية عامة كل المحطات التي عرفتها الدار الفرنسية الشهيرة انطلاقا من صور الكتاب الكبار الراحلين الذين صنعوا شهرة غاليمار مرورا بالأحياء الذين عمقوا مسيرتها حتى وإن لم يرقوا إلى مستوى الأوائل ووصولا إلى الانتصارات الأخيرة التي حققتها الدار بحصول بعض كتبها على جوائز نوبل وغونكور.

صورة لرواية من روايات مارسيل بروست عنوانها "البحث عن الزمن الضائع" (دار غاليمار)
استعادة الذكرى
ونلحظ ونحن نتجول عبر أرجاء المعرض كيف وفقت إدارته في استعادة ذكرى أهم وأشهر الكتب من خلال إبراز صورهم وأغلفة كتبهم وتواريخ حصولهم على جوائز نوبل وغونكور.

ومن الكتاب الذين أولاهم منظمو المعرض عناية استثنائية ألبير كامو الذي خصصت زاوية ضمت كل رواياته فضلا عن مسودات بعضها مكتوبة بخط يده والأمر ذاته لوحظ مع نتاج الكاتبة مارغريت دوراس صاحبة الرواية الشهيرة "العشيق".

مرجعيات توثيقية أخرى حفل المعرض بها تسمح للزوار بمشاهدة الحصص التلفزيونية التي سجلها الصحفي الأدبي الشهير برنار بيفو مع كتاب صنعوا الحدث أكثر من مرة ومن بينهم لوكليزيو وماريو فرغاس وألبرتو مورافيا والكاتب الروسي المنشق ألكسندر سولنتسين والطاهر بن جلون وأمين معلوف الذي دخل مؤخرا الأكاديمية الفرنسية بقوة لافتة.

المصدر : الجزيرة