أبطال فيلم "صرخة نملة" خلال العرض الافتتاحي في القاهرة (الأوروبية-أرشيف)

بدر محمد بدر-القاهرة

اختلف نقاد وسينمائيون مصريون حول مدى تأثير "ثورة التحرير" في مجال صناعة السينما، ورأى البعض أن الوقت لم يحن بعد لإدراك حقيقة التغير في هذا الجانب، في حين رأى آخرون أن ملامح هذا التأثير باتت واضحة الآن، سواء في حرص المنتجين على البحث عما يقدمونه أو في دراسة سلوك الجمهور وطبيعة القضايا بعد الثورة ودور النجوم القدامى، وغيرها من هذه القضايا.

الناقدة السينمائية خيرية البشلاوي ترى أن ثمار الثورة بالنسبة للسينما لم تتضح بعد، "لأننا نتحدث عن صناعة كبيرة التكلفة، وعقول ربما لم تستوعب الحدث بعد، وجمهور تغيرت طريقة إحساسه بالحياة الواقعية، أما ما هو قائم بالفعل حتى الآن فهو نمط السوق التجاري، فنجد أفلاما تدعي نسبتها للثورة، ولكن تم إنتاجها قبلها، ثم أضيفت إليها بضعة مشاهد منها".

وأكدت البشلاوي، في حديثها للجزيرة نت، أنه حتى الآن لم يحدث تغيير جذري في الفيلم المصري من حيث الأسلوب والمضمون وحجم التوقعات التي ينتظرها المتفرج من سينما ما بعد 25 يناير.

الممثلان هاني رمزي ودورا خلال افتتاح فيلمهما "سامي أوكسيد الكربون"
(الأوروبية-أرشيف)
واعتبرت أن فترة "الشهور المنقضية بعد الثورة لا تكفي لوضع سياسات جديدة للسينما أو الإنتاج السينمائي، "فنحن في حاجة ماسة إلى تغيير العقول التي تتولى عملية الإنتاج، وهنا نحن بصدد أصحاب رؤوس الأموال المستثمرة، وهؤلاء يتعاملون مع صناعة السينما كسلعة تجارية وليس كمنتج ثقافي، وهذا النهج واضح في الأفلام التي نراها في السوق حاليا".

وأشارت الناقدة السينمائية إلى أن مستقبل السينما في مصر لن يصنعه التيار التجاري الحالي، ولكن يقوده التيار الموازي الذي بدأه صناع الفيلم المستقلون، وهو تيار بدأ يتشكل ويحدث صدى خارج حدود المنظومة التجارية السائدة، وسوف يقوى تيارهم كشباب يحملون رؤية وموقفا ووجهة نظر وملامح فريدة، تعكس حقيقة ما يجري بالمجتمع المصري حاليا.

حالة ضبابية
وفي تقييمه لواقع السينما المصرية حاليا، يرى الناقد السينمائي طارق الشناوي أن الحالة لا تزال ضبابية، فالبعض يراهن على شيء ما، ثم يكتشف أنه لم يكن صائبا، فهناك مثلا فيلم "صرخة نملة" الذي تم فيه "ترقيع" بمشاهد متعلقة بالثورة، وهذا نوع من "الغش السياسي".

أما فيلم "الفاجومي" فأحسن حالا -وفق الشناوي- لأن الشاعر أحمد فؤاد نجم عاش تراكم الثورات بمصر، وقفزته درامية لميدان التحرير، في حين أن فيلم "سامي أكسيد الكربون" راهن على الضحك لأن الناس ملت السياسة، ولكنه ضحك عليهم، فالضحك له قواعد وشروط لم تتحقق ولذلك فشل أيضا، أما فيلم "18 يوم" (يقصد أيام الثورة) الذي يضم عشر قصص قصيرة، فلم يصل بعد لطموح الثورة، ولم يكن به ومضة إبداعية أو روح فنية جاذبة، حسب الشناوي.

طارق الشناوي: هناك خشية من المنتجين لضخ الأموال في الأفلام الجديدة (الجزيرة نت)
وأقر الشناوي في حديثه مع الجزيرة نت بأن هناك خشية من المنتجين لضخ الأموال في الأفلام الجديدة، تخوفا من أعمال بنفس النجوم، فهل لا تزال لهم جماهيرية تستحق الأجور ذاتها أم حدث تغير ما في المزاج العام؟

وأكد الناقد السينمائي أنه بالفعل حدث تغير ما في المزاج النفسي للجمهور، وبالتالي فإن مواصفات النجوم تغيرت، والأفلام التي تصنع ويتم تفصيلها لأجل النجم، وهي تمثل 90% من أفلامنا، ستكون مرفوضة في المرحلة القادمة، حيث يتحول المنتج والمخرج والكاتب لمجرد "ترزية (خياطون) للتفصيل"، بينما الناس تريد سينما بإبداع حقيقي.

وقال الشناوي إنه "بناء على تاريخ السينما المصرية فإن النمط الإنتاجي سوف يتغير، وسوف توجد الميزانيات محدودة الإنتاج أكثر، وسوف تبرز أفكار مختلفة كانت ممنوعة، حيث عانينا من إجهاض كل من يملك خيالا، وسيطرت على السينما المصرية خلال الخمس عشرة سنة الماضية فكرة واحدة متكررة، وهي الشاب غير القادر على العمل والزواج، بشكل تجاري يفقدها منطقها الفني، وهذا كله سوف ينتهي ونشهد أعمالا جادة".

وأبدى تفاؤله بمستقبل أفضل للسينما قائلا "الثورة سوف تخلق توجها سينمائيا أعمق، بروح السينما الحقيقية، وسوف تفرض نمطا إنتاجيا مغايرا".

حالة ركود
وبدورها ترى الناقدة السينمائية ماجدة خير الله أن معظم الأفلام المعروضة حتى الآن ليست مبشرة باستثناء "الفاجومي"، فمثلا أفلام "سامي أكسيد الكربون" و"صرخة نملة" و"الفيل في المنديل" تميل للهزل الشديد، وهي شديدة الرداءة ومزيفة ومضللة، بمعنى أنها تفتعل طرح قضية وتنافق بشدة، تحت بند أنها تقدم شيئا خاصا بالثورة بأسلوب رخيص، لكن "الفاجومي" فيلم جاد يحمل موضوعا وحالة فكرية لشاعر معاصر عاش في حقب الاستبداد والقمع.

نادر عدلي: السينما ستزدهر لأن الثورة
جعلت المبدع أكثر حرية (الجزيرة نت)
ورأت ماجدة خير الله، في حديثها للجزيرة نت، أن السينما المصرية لم تخرج بعد من حالة الركود، لأن كثيرا من المعروض لم يحقق انتعاشة، وقد تنعشها بعض الأفلام الجديدة مثل "إذاعة حب" و"المركب" و"المسافر".

وأشارت الناقدة السينمائية إلى أن هناك مجموعة من صناع السينما سيطرت عليها وأفسدت الذوق العام وجعلتها في السنوات العشر الأخيرة أسوأ، ولم تفرز حقبتهم أبطالا أو أفلاما جيدة، وإن استمرت تلك الهيمنة بنفس المنهج والفكر فلن تقدم شيئا جيدا، خاصة وأن شريحة الجمهور من الشباب قد نضجت فكريا وعمريا، وكجيل شارك الثورة وعايشها، وبالتالي فإن صورة البطل في ذهنيتهم قد تغيرت.

موسم استثنائي
ومن جهته، يرى الناقد السينمائي نادر عدلي أن الموسم السينمائي الصيفي هذا العام هو موسم استثنائي، لأن ما حدث بمصر من ثورة وما تلاها أدى إلى توقف وغلق دور العرض لمدة شهر ونصف الشهر تقريبا، مما أثر سلبا على الإيرادات وجعل قضية استعادة المشاهد لصالة العرض، في ظل ظروف البلد الاقتصادية والأمنية، ستستغرق وقتا.

ولفت عدلي، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن بداية الموسم الحالي ضعيفة من حيث الإيرادات، لأن عمره أقل من شهرين لبدء شهر رمضان في أول أغسطس/آب المقبل، كما أننا نمر بامتحانات الثانوية العامة والجامعات، إضافة إلى حظر التجول، الذي تم رفعه منتصف يونيو/حزيران الجاري.

وأعرب عن اعتقاده بانتعاش السينما في الفترة المقبلة لأسباب منها أن الثورة جعلت المبدع أكثر حرية، لذا سوف تنطلق أعمال المبدعين بجدية وصدق، وسوف تسترد السينما وعيها ونبضها الحقيقي بلا قيود، وسوف تنتعش بوصفها سينما أكثر من 300 مليون عربي، ولن نتركهم أسرى الأفلام الهندية والأجنبية، فلا بد من أعمال فنية تتسق ولغتنا وعاداتنا وعقولنا.

أحمد عاطف: نحتاج إلى وقت كي نستفيد من الضخ الثوري في مجال الفكر والثقافة
(الجزيرة نت)
حيوية وتفاعل
وفي المقابل يرى المخرج السينمائي أحمد عاطف أنه "من الأفضل الانتظار إلى مرحلة لاحقة، قد تستغرق خمس سنوات على الأقل، لإمكانية الإحساس الحقيقي بتأثير الثورة في السينما المصرية والعربية، وحتى يكون الفنانون قد بلوروا رؤيتهم لحاضر السينما ومستقبلها، ونأمل أن تصلح السينما، ولكن نحتاج إلى وقت كي نستفيد من الضخ الثوري في مجال الفكر والثقافة".

وأشار عاطف، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن السينما المصرية الآن تشهد حالة من الحيوية والتفاعل والإيجابية، بالنظر إلى تيار السينما المستقلة الذي استفاد من تطور تقنيات "الديجتال"، وأثبت قدرته على إنتاج عدد ضخم من الأفلام القصيرة بعد الثورة.

وبرأي المخرج السينمائي فإن جمهور ما بعد الثورة يتجه عادة للأفلام الكوميدية، لأنه يعيش حالة وعي وزخم سياسي قوي من الصحف والإعلام، فيبحث عن الكوميديا والترفيه، ولكن حين تستقر الحياة السياسية ومؤسسات الدولة، سنجد الجمهور أكثر اهتماما بالشأن العام والأفلام الجادة، لأن الثورة أحدثت وعيا سوف يؤثر على المنتج المرئي لاحقا.

المصدر : الجزيرة