لقطة من مسرحية "الجنود المجهولون" التي عرضت على مسرح دانيال سورانو بدكار (الجزيرة نت)

سيدي ولد عبد المالك-دكار

تجسد مسرحية "الجنود المجهولون"، التي عرضت على خشبة مسرح دانيال سورانو بالعاصمة السنغالية دكار في أول عرض على المستوى الأفريقي، معاناة المجندين الأفارقة الذين شاركوا بمئات الآلاف في الحربين العالميتين الأولى والثانية في صفوف الجيش الفرنسي، وما تعرضوا له من حيف تاريخي رغم تضحياتهم.

وتدور أحداث المسرحية التي أخرجها المغربي خاد ثامر، حول رحلة الاكتتاب والترحيل وجبهات القتال وظروف الأسر بالنسبة للذين وقعوا تحت أيدي "أعداء فرنسا"، وقد اختار المخرج إضفاء الطابع الكوميدي على ظاهر المسرحية، وإن كان جوهرها يختزل مآسي تكشف حجم المعاناة التي تعرض لها هؤلاء في صراع عسكري طاحن غير معنيين به أصلا.

ويتوزع أبطال المسرحية بين أربعة مجندين قدموا من أفريقيا، هم علي ومختار من المغرب، وأبو بكر من السنغال، وموسى من مالي، في حين يلعب الخامس دور العريف الفرنسي المشرف على الكتيبة.

وتبدأ وقائع المسرحية بتعارف بين المجندين، ما يلبث أن يتحول إلى سرد تذكاري للأهل والوطن، وتتخلل السرد تساؤلات واستفهامات لاشعورية عن ماذا جاء بهم؟ ولماذا يقاتلون؟ ومن يقاتلون؟

مخرج مسرحية "الجنود المجهولون" المغربي خالد ثامر (الجزيرة نت)

وقود الحرب
وتظهر المسرحية جوانب القسوة التي كان قدماء المحاربين أو الرماة عرضة لها من قبل مسؤوليهم الفرنسيين من خلال شخصية العريف الفرنسي، الذي يبدو في العرض متسلطا وجبانا وغير قادر على التقدم نحو الجبهة الأمامية التي يُحشد لها الأفارقة كدروع بشرية.

ويقول مخرج المسرحية خالد ثامر للجزيرة نت إن رسالة المسرح لا تقتصر فقط على التسلية، فالمسرح حمّال أوجه، فهو وسيلة لنشر الوعي وللتثقيف، قبل أن يكون أداة تسلية.

ودعا الفنانين الأفارقة إلى الاهتمام بقضايا القارة السمراء السياسية والتاريخية، وتسليط الضوء على الحقب القاتمة التي تعرض فيها الأفارقة للحيف من طرف الأوروبيين، حتى تدرك الأجيال المعاصرة أن أسلافهم مرّوا بمراحل صعبة، حسب تعبيره.

ويضيف أنه لو وُظفت قدرات واهتمامات الفنانين الأفارقة بشكل مناسب في سبيل قضايا الشعوب لطرأ تغير كبير في العقليات، ولخطت الشعوب الأفريقية خطوات كبيرة إلى الأمام.

من جهته يؤكد الكوميدي السنغالي إبراهيم أمباي للجزيرة نت أن المسرحية تُعد سابقة في التعاطي مع قضية حساسة وحية، لأن بعض ضحاياها لا يزالون "أحياء يرزقون"، ويقول إن قضية الرماة تجسد صورة واقعية لظلم الأوروبيين للأفارقة، مضيفا أن فرنسا تتجاهل فضل هؤلاء عليها وما قدموه من تضحيات في سبيل تحريرها من ألمانيا، حسب قوله.

النصب التذاكري للرماة في العاصمة السينغالية دكار (الجزيرة نت) 
الضحية الأولى
وتشير الإحصائيات إلى أن فرنسا جندت نحو مائتي ألف سنغالي ما بين عامي 1914 و1918، وأن 30 ألفا من هؤلاء قضوا في ميدان الحرب، كما عاد الكثير منهم بعاهات أو إصابات بليغة تعرضوا لها في الحروب.

ويطالب المحاربون القدامى وذووهم السلطات الفرنسية بمحنهم تعويضات مالية، وتمكينهم من الاستفادة من نفس الحقوق والمزايا التي تمنح للجنود الفرنسيين الذين شاركوا معهم في نفس الجبهات.

وكان الرئيس السنغالي عبد الله واد قد تعهد قبل أكثر من سنتين بإدراج قضية الرماة السنغاليين في مادة التاريخ لتدريسها لتلاميذ المراحل الابتدائية، كما تحتفل السنغال منذ 2003 باليوم الوطني للرماة السنغاليين الذي يوافق 27 أغسطس/آب، بالإضافة إلى إطلاق تسمية الرماة على ساحة بقلب دكار يتوسطها نُصب تذكاري عبارة عن مجسم لاثنين من الرماة.

المصدر : الجزيرة