الروائي الليبي محمد الأصفر (الجزيرة نت)

حاوره/عبد الرزاق بوكبة

نشر الروائي الليبي محمد الأصفر 13 عملا روائيا خارج ليبيا لأن الرقابة كانت تمنع نشر كتبه في الداخل، لم يكن منفيا لكنه كان كثير التجوال بحثا عن قيم الجمال والحرية، ومع ذلك بقي في نصوصه وفيا للإنسان الليبي في توقه المحموم للحياة الحرة، وكان الأصفر حاضرا في قلب الثورة الليبية وشهد فصولا منها.

بدأ الأصفر المولود عام 1960 كتابة الرواية منذ العام 1999، وكما قال عنه الأكاديمي المصري صبري حافظ، فهو يكتب عن عالم المهمشين في قاع السلم الاجتماعي، ويكشف لنا ما يمور به هذا العالم من ثراء وخصوبة من خلال أعماله مثل "شكشوكة" و"تقودني نجمة و"نواح النوق" و"في بلاد الرجال" و"سرة الكون" وغيرها. الجزيرة نت التقته وأجرت هذا الحوار:

أنت من أبناء بنغازي، وقد شكّلت فضاء جماليا وإنسانيا في نصوصك، كيف بت تراها اليوم في ظل الأوضاع الحالية؟

معظم رواياتي تتحدث عن بنغازي مع أنني لم أهمل بقية المدن الليبية حيث تجد درنة وطبرق وطرابلس وشحات ومصراتة، الآن في ظل الثورة الليبية أرى نصوصي التي تتحدث عن بنغازي مضيئة، سعيدة وفرحة بتحقق أحلامها بالحرية والديمقراطية.

الآن نصوصي سعيدة جدا، وهي غير موجودة في السطور أو على صفحات الورق أو شاشات الحواسيب فقط، إنما هي موجودة في الجبهة أيضا تقاتل الدكتاتورية للمشاركة في تحرير بقية مدن ليبيا.

على أي أساس اتخذت موقفك المساند للثورة في أيامها الأولى، ألم تخف أن تكون مستعجلا؟

في حياتي كلها لم أتخذ القرارات بناء على حسابات مدروسة، إنما بناء على الإحساس، ومنذ بدايتي ككاتب أحسست بأن الثورة نص جميل، قرأته بأعماقي، وفي كل رواياتي مسٌ للمسكوت عنه خاصة السياسي، مما جعل الرقابة لا توافق على طبع أية رواية لي في ليبيا، بل منها ما تم منعها بقرار من وزير الثقافة مثل روايتي "تقودني نجمة".

 غلاف رواية "شكشوكة" لمحمد الأصفر
(الجزيرة نت)
اضطررت بتضحيات كثيرة إلى أن أطبع 13 رواية على حسابي الخاص، الذي حدث أنني يوم 17 فبراير/شباط الماضي كنت في سرت في حفل توقيع كتب، ويوم 18 فبراير/شباط وصلت وبعض الأصدقاء إلى بنغازي ورأيت الدخان يتصاعد من مراكز الشرطة ومباني المخابرات، وفجأة وجدت نفسي في قلب الثورة.

وجدت نفسي أعيش ملحمة لن تتكرر مرة أخرى في حياتي التي سرق منها القذافي 41 عاما من البؤس، شعرت بأن هذه هي الفرصة التي تأتي للإنسان مرة واحدة في الحياة، علي أن أستغلها، أن أضغط بكل قوتي، بدمي، بقلبي، بقلمي، فكل ليبيا أصبحت قطرة دم واحدة.

لكن الواقع يقول إنها "قطرات متفرقة" وليست قطرة واحدة.


كل بلادنا متحمسة لهذه الثورة. بسبب الثورة صرت رجلا أكثر طيبة، أصلي الجمعة، وأدعو للثورة بالنصر، لا أريد أن تنتكس هذه الثورة، أهتف مع الهاتفين، أقضي معظم الوقت مع الجماهير المحتشدة في ساحة الاعتصام، أتبرع بما لديّ من مال. 

هذه الأحداث والأجواء لم أعشها أبدا من قبل، صديق قديم لم ألتقه منذ سنوات، وحين التقيته في زحام الثورة صافحته، رفعت قميصه وقبلته على قلبه مباشرة.. نحن قلب واحد.

التطورات الحالية نقلت القذافي من مقام الطاغية إلى مقام المظلوم، على الأقل في نظر البعض، بعد تدخل الناتو، كيف تقرأ الوضع؟

تدخل الأمم المتحدة جاء عبر قرار دولي أجمعت عليه معظم شعوب الأرض بمن فيها العربية والإسلامية.. أستطيع أن أقول إن العناية الإلهية وحب الخير والسلام هما من أصدرا القرار الدولي لحماية الشعب الليبي الأعزل من جرائم بشعة كان القذافي على وشك ارتكابها في حق هذا الشعب الذي أراد أن ينتزع حريته من بين أنياب دكتاتور.

هناك غموض بخصوص موقف النخبة المثقفة الليبية مما يجري، هل يمكن أن ترصد لنا خريطة تململاتها؟

بالنسبة لي شخصيا لا أعوّل على الكتاب الليبيين وعلى النخبة المثقفة عموما بقدر مراهنتي على الشباب الثائر، معظمهم مداهنون يبحثون عن مصالحهم الخاصة، قبل ثورة الشباب داهنوا النظام وتملقوه، وشاركوا في مشاريعه الإصلاحية، وهم الآن غير مؤمنين بانتصار الثورة، يظنون أن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه قبل 17-2-2011، وهذا بالطبع مستحيل.

من أية زاوية تراه مستحيلا؟


الشعب الآن ذاق طعم الحرية بلسان دمه، الآن يوجد شعب.. يوجد شباب.. يوجد أدب جديد غير متأثر بالآداب الأوروبية أو الأميركية أو"بالنظرية العالمية الثالثة"، أدب أفرزته الثورة، موسيقى جديدة، وقصائد جديدة، ولوحات تشكيلية جديدة. النخبة الليبية ما زالت في حالة ذهول مثل القذافي.

لا أعوّل على الكتاب الليبيين وعلى النخبة المثقفة عموما بقدر مراهنتي على الشباب الثائر، معظمهم مداهنون يبحثون عن مصالحهم الخاصة، قبل ثورة الشباب داهنوا النظام وتملّقوه
لكن النخبة التي التحقت بالثورة منذ بدايتها، وشاركت في مؤسساتها، واندمجت في لجانها المختلفة، وقاتلت معها في الجبهة أو في الساحة الإعلامية أو الدولية، نخبة حرة وأصيلة، وثورة الشباب تعتز بها وتثق فيها.. وقد نالت هذه النخبة ثقة العالم، وحققت للثورة مكاسب حيوية مهمة. إن الثورة تتألق أكثر بفضل جهود هؤلاء الأوفياء.

على ذكرك للوفاء، يصف الإعلام الرسمي الليبي أمثالك بالعملاء، فكيف ترى المثقفين الذين وقفوا إلى جانب النظام؟

لا أشاهد أو أقرأ الإعلام الرسمي منذ سنوات، أعرف أنه إعلام كاذب ومنافق، ورسالته الوحيدة هي الرقص لمعمر وزبانيته وتكريس سلطته، لم أدخل الإذاعة في ليبيا مرة واحدة في حياتي، ولم يُجْرَ معي أي حوار فيها، ولم يتم تكريمي، أو الاحتفاء بي مرة واحدة، ولو بالكذب.

وأحب أن أقول إني سعيد بهذه العمالة، وكي أكون عميلا حقا أتمنى من كل قلبي أن تدخل قوات برية تحت إشراف الأمم المتحدة إلى ليبيا لتسرّع تقويضَ نظام القذافي، وتحرير بقية المدن التي يحاصرها، ويقمعها كل لحظة بالحديد والنار.

كأنك تدعو إلى عراق جديد أو أفغانستان أخرى.

أنا أثق في الأمم المتحدة وفي أميركا وفي بريطانيا وفرنسا، وكل الحلف الأطلسي بأنهم لن يحتلوا بلادنا، لأن عملية الاستعمار والاحتلال موضة قديمة.

ذكرتُ لك بلدين ما زالا يدفعان ضريبة التدخل المباشر، فلماذا تقفز على الواقع؟

العالم اليوم ليس كما كان في القرن العشرين.. وأنا مع آراء عضو المحكمة الجنائية الدولية الأستاذ الهادي شلوف في شأن الوضع الليبي الآن.

 غلاف رواية "ملح" لمحمد الأصفر
(الجزيرة نت)

يعني إما أترك القذافي يذبحنا ويغتصب عائلاتنا ويحرقنا ويعاملنا كجرذان كما وصفنا في خطبه، وإما أكون عميلا.. الثوار الآن يعون جيدا لعبة المبادئ والشعارات والقيم الجوفاء.

 مما قيل في الروائي الليبي المرموق إبراهيم الكوني بعد أن أعلن مساندته للثورة إنه اقتات من نظام القذافي عقودا من الزمن ثم "خانه"، كيف تقرأ مثل هذه المواقف؟

إبراهيم الكوني كاتب كبير، وانضمامه للثورة وإعلانه الواضح الصريح مناصرتَها مكسب رائع، وأنا ككاتب أرحب بهذا الانضمام، كل كتابات الكوني دعوة للحرية، وثورة ضد القهر.

لكنه كان يتلقى منحة قارّة من القذافي، وهو مقيم في سويسرا على مدار سنوات.

النقود التي تلقاها في سويسرا هي نقود الشعب الليبي، لا نقود معمر القذافي، النظام يهادن الكتاب الكبار خاصة الذين ينتمون إلى قبائل يمكنها أن تسبب توترا سياسيا في البلاد كقبيلة الكوني (الطوارق).

هو لم يخن القذافي لأنه ليس في صفه من اليوم الأول، وليس جنديا في كتيبته، فقد انحاز لثورة الشعب الليبي لأنه وجد الصحراء اليابسة القاحلة التي تحدث عنها في رواياته قد تفجرت بالثورة أنهارَ حرية.. أنا أعتز بالكوني، وأيضا بالدكتور أحمد إبراهيم الفقيه الذي ما إن أفلح في الخروج من الحصار من مدينة طرابلس حتى بدأ كتاباته الجميلة المناصرة للثورة.

هل أنت راض عن النخبة العربية المثقفة في تعاملها مع ما يحدث في ليبيا؟

هناك كتاب أيدوا كل الثورات العربية وناصروها، وخاصة الكتاب الشباب وغير المرتبطين بمؤسسات الثقافة الرسمية في بلدانهم، أو بالصحف الشهيرة البائعة المواقف خاصة الصادرة في بريطانيا، وغيرها من عواصم العالم، البقية للأسف حاربوا الثورات، وتاجروا مع الدكتاتور الذي يدفع لهم بسخاء، لأن النقود ليست من جيبه أو عرقه إنما من قوت الشعب، لكن بعد انتصار هذه الثورات في مصر وتونس، وإن شاء الله في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها من البلدان، انضموا بكل وقاحة إليها، عموما التاريخ لا يرحم.

المصدر : الجزيرة