الشاعر الراحل يوسف الخطيب يوصف بأنه رمز تاريخي في الشعر الفلسطيني (الجزيرة نت)

عوض الرجوب-الخليل

بقدر ما يماري المثقف الزعامات السياسية، فإنه يحظى بالاهتمام والتقدير وسرعان ما يسطَع نجمه، أما إذا انحاز للحقيقة والوطن والمقاومة ورفض ألاعيب السياسة وتنازلاتها، فإنه يُطمس، ولا يسمح بأشعاره وإنتاجه في مناهج التعليم.

هذا ما يراه زملاء وأقارب الشاعر الفلسطيني الراحل يوسف الخطيب، الذي توفي ووري الثرى في دمشق الخميس الماضي عن ثمانين سنة، أمضاها مهاجرا متنقلا بعيدا عن وطنه بين الأقطار العربية، ومتلهفا إلى وطنه.

ورأوا في أحاديثهم للجزيرة نت أنه لم يترك دواوين شعرية وأعمالا نثرية ثورية فحسب، بل ترك روحا مقاوِمة ومدرسة في الجرأة والدفاع عن الحق والوطن، وعدم مماراة أصحاب السلطان، وهو ما دفع ثمنه بمحاولة طمسه، إذ إن الرجل ورغم شهرته العربية فإن قليلا من الفلسطينيين يعرفونه، حتى من بلدته ومسقط رأسه، بلدة دورا التي كثيرا ما أبرق إليها بأشعاره وسلامه.

الأعمال الشعرية للخطيب (الجزيرة نت)
وولد الشاعر الراحل في بلدة دورا، غرب الخليل عام 1931، وهو الرابع بين إخوانه السبعة عشر، توفي منهم سبعة، إضافة إلى والديه، في غيابه.

آمن بالقضية
يقول سعيد الخطيب شقيق الشاعر الراحل ويصغره سنا، إنه عايش شقيقه في المنفى بسوريا ست سنوات، وأبرز ما لمسه فيه الصلابة "فهو إذا آمن بقضية ما، فلا يُساوَم عليها على الإطلاق".

وأضاف أن "يوسف –رحمه الله- شرس في الدفاع عن وجهة نظره وعن الحق الوطني، ولا يعرف المواربة، وأكثر ما يزعجه أنه معروف جدا في لبنان وسوريا والعراق، لكن لا أحد يعرفه في وطنه وبلده".

أما عن السبب فيقول: كان عليه تعتيم قاس جدا، بسبب مواقفه السياسية وعدم انسجامه مع الخط السياسي الموجود. هناك مجموعة مؤسسات موجهة في البلاد لا تقبل وجهة النظر الأخرى وتعمل على تغييبها.

وأشار إلى طباعة اتحاد الكتاب الفلسطينيين مؤخرا لثلاثة مجموعات من أعماله الشعرية، مرفقة بأسطوانات تتضمن تسجيلات صوتية لبعض أشعاره مع موسيقى مناسبة.

المنزل الذي ولد فيه الخطيب (الجزيرة نت)
عصامي مبدئي
ومن جهته يقول شقيقه نعيم إن ما يميز الشاعر الراحل أنه رجل عصامي مبدئي، ينتقي في شعره كلمات مؤثرة لها وقعها على المتلقي، مضيفا أنه كان يحن كثيرا لتراب بلاده ويطلب دائما الحفاظ على الأرض.

أما المؤرخ الفلسطيني وصهر الشاعر الراحل محمود طلب النمورة فقال إنه رافق الخطيب صغيرا في المدرسة ما بين عامي 1946 و1950 قبل أن يصاهره، مضيفا أنه كان يستعير منه الكتب الثمينة خاصة قواعد اللغة الإنجليزية والأدب العربي.

ويصف الشاعر الراحل بأنه كان وطني الإحساس، ويقول الشعر عن فلسطين وعن الاحتلال البريطاني وخطر اليهود منذ الطفولة، مشيرا إلى أن أول قصيدة ألقاها كانت أمام الملك الأردني عبد الله في المسجد الإبراهيمي وذلك عام 1949.

وأضاف أن الخطيب عاش حياة المهجر بقساوتها وتنقل بين الأردن ولبنان والعراق وسوريا، وفقد والديه وعددا من أشقائه دون أن يراهم "ومع ذلك مات متعلقا ببلدته ومحبا لها ولحاكورة منزله (حديقة المنزل) الذي أجبر على تركه".

سعيد، شقيق الشاعر الراحل
يحمل مجموعته الشعرية (الجزيرة نت)
الشاعر والثورة
من جهته يستذكر الشاعر الفلسطيني، ووكيل وزارة الإعلام، المتوكل طه ما يسميه "التحالف الطبيعي والعميق بين الشاعر والثورة".

وأضاف أن الشاعر الراحل يقوم من خلال هذا التحالف بمهمتين: أولاهما الانحياز إلى معاني الثورة والثوابت، وإلى معاني المقاومة والتمسك بالحقوق، وثانيهما كتابة القصائد التي تشحذ كل تلك المعاني والثوابت، وتؤصل المتلقين حتى يقفوا بشكل حاسم مع الثورة.

ويضيف أن الشاعر يوسف الخطيب كان واحدا من الأوائل الذين أكدوا على هذا الدور الطبيعي والالتحام الذي لم ينفصل بين المثقف والثورة، معتبرا إياه واحدا من القلائل الذين لم يتزحزحوا أو يبدلوا مواقفهم.

وقال إن الشاعر الراحل، الذي عرفه عن قرب، ظل مرابطا على المربع الأول دون أن يقبل أي اتفاقيات مع الاحتلال، ودون أن يقر للسياسي خطواته باتجاه التطبيع مع الاحتلال أو القبول به أو عقد اتفاقيات معه "إنه واحد من الذين لم ينزلوا عن جبل أحد".

رمز تاريخي
ووصف طه الشاعر الراحل بأنه "الرمز التاريخي الكبير في الشعر الفلسطيني الذي حافظ على ملامح الشاعر الذي ينبغي أن يكون فلسطينيا".

نعيم الخطيب أمام الحاكورة التي أوصى بها شقيقه الراحل (الجزيرة نت)
ورغم صفته الرسمية، يتهم المتوكل طه المؤسسة الرسمية الفلسطينية بظلم زميله الراحل يوسف الخطيب كثيرا عندما سلطت الضوء على شعراء دون غيرهم، موضحا أن الإعلام لم يوصل نصوص كبار الشعراء للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.

وأكد أن المنهاج المدرسي لم يتطرق إلى نتاج هؤلاء الشعراء "فهؤلاء ظلموا إعلاميا وتربويا، ولم يتمكن شعرهم من الحضور في ذهب الأجيال الفلسطينية في الداخل أو الخارج".

المصدر : الجزيرة