"بورتريه امرأة" لوحة بيكاسو التي أحضرت إلى رام الله (الجزيرة نت)

ميرفت صادق- رام الله

"بيكاسو في فلسطين".. بفرحة ظاهرة يتناقل الفنان الفلسطيني خالد حوراني وزملاؤه هذه الجملة منذ وصول لوحة الفنان الإسباني العالمي بابلو بيكاسو "بورتريه امرأة " إلى مدينة رام الله، في رحلة مدتها ثلاثة أسابيع ستحمل خلالها دلالات سياسية وإنسانية.

وتستعير الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين هذه اللوحة وهي من الفن "التكعيبي التفكيكي ورسمت عام 1943" من متحف فان آبه في أيندهوفن بهولندا. في تجربة هي الأولى في تاريخ لوحات من هذا المستوى، حيث يرى مدير متحف فان آبه تشارلز إيشه أن "تاريخ اللوحة سيكتسب معنى جديدا بعد زيارتها لفلسطين".

ووصلت اللوحة ظهر السبت بعد رحلة استمرت يومين من متحف أيندهوفن بهولندا إلى رام الله التي نقلت إليها عبر حاجز قلنديا العسكري الإسرائيلي وتحت إجراءات أمنية فلسطينية مشددة.

ابتدأ بحلم
ويروي المدير الفني لأكاديمية الفنون خالد حوراني حلم استعارة اللوحة، ابتداءً من فكرة راودته بعد زيارته للمتحف الهولندي وإثر مراسلة أولى لإحضارها إلى فلسطين، إلى أن علقت أخيرا في معرض مجهز حسب المواصفات العالمية برام الله.

نقل اللوحة وعرضها يتم تحت حراسة أمنية مشددة (الجزيرة نت)
ويذكر حوراني للجزيرة نت: "كنت في زيارة للمتحف عام 2006، وسمعتهم يشرحون لنا عن رحلات اللوحات إلى المكسيك واليابان وكل العالم دون أن يرد ذكر اسم بلدي أبدا، قلت :"لو أن لوحة من هذه تزور فلسطين؟".

ويقول "طيلة يومين استغرقتهما رحلة اللوحة من أيندهوفن إلى أمستردام وإلى فلسطين، كنت أتذكر أول رد على طلب استعارتها من المتحف، وكان حافلا بعدم التصديق والكثير من الأسئلة: "هل فلسطين دولة؟ هل فيها أمن؟ ماذا عن الحرب؟...".

مخاطرة عالية
ونظرا لحجم المخاطرة العالية، فقد رفضت شركة التأمين قبول نقل اللوحة التي يقدر ثمنها بنحو ستة ملايين يورو، وكان أن تبنت شركة أخرى تأمين هذه المخاطرة التي لم يسبق للوحة من هذا المستوى أن خاضتها.

ورغم ذلك، يقول حوراني، إن "الحدث ليس لوحة بيكاسو، ولكن رحلتها التي فضحت قصة حصار فلسطين وفقدان الأمن وعدم تمكننا من التحكم في حياتنا بسبب سلسلة طويلة من الإجراءات و المعابر والحواجز".

ورغم اشتهار بيكاسو بلوحات ذات معاني سياسية أهمها "الجورنيكا" (1937) التي جسدت مأساة القرية الإسبانية التي تحمل اسمها والتي تعرضت لقصف من الطيران النازي أدى إلى مقتل عدد كبير من سكانها، فإن أكاديمية الفنون ارتأت اختيار لوحة بلا مدلول سياسي مباشر.

وتحمل اللوحة المستعارة اسم "بورتريه امرأة"، "كي تعبر أيضا عن فكرة حضور المرأة الفلسطينية في التاريخ والفن الفلسطيني وفي رمزية الأرض والقضية" كما قال حوراني.

وترتبط رحلة اللوحة، وهي إحدى أبرز الأعمال التي تمثل الفترة التي رسم فيها بيكاسو متأثرًا بالحرب الأهلية في إسبانيا، بالقضايا المعاصرة والآليات التي تسيطر على الحقوق الثقافية والكفاح في أزمنة وأمكنة مختلفة.

وحسب حوراني، فإن فكرة عرضها في سياق مختلف عن السائد سيزيد من قيمتها خاصة أنه سيحل مكانها أثناء غيابها ملصق بحجمها يحمل عنوان "بيكاسو في فلسطين" وعندما تعود ستحمل هذه الرسالة أيضا.

اللوحة لدى وصولها إلى أكاديمية الفنون
في رام الله (الجزيرة نت)
مستوى الخطر
واستغرقت شركة التأمين عدة أشهر في عملية فحص ملاءمة قاعة العرض والظروف التي ستصل بها اللوحة إلى رام الله، من حواجز إسرائيلية ومطبّات الشوارع ومستوى الرطوبة ودرجة الحرارة، وكذلك نوع الصراع والخطر الأمني ومستوى الجريمة المنظمة.

ويتطرق حوراني إلى العقبات في الترتيب مع سلطات الاحتلال لنقل اللوحة من المطار الإسرائيلي إلى حاجز قلنديا بين رام الله والقدس.

ويقول: "كنا بحاجة لحل عبقري في كل مرة من أجل إيصالها دون ختم إسرائيلي وكي تحمل الرحلة اسم "من أيندنهوفن إلى فلسطين وليس إلى إسرائيل" خاصة أن اتفاق أوسلو لم يتطرق لأي عملية تنسيق من هذا النوع أبدا.

وبفعل غياب آليات تنسيق هذه العملية، يقول حوراني "لجأنا إلى بنود في القانون الدولي تتيح لنا ذلك، واستخدمنا هذا كله ضد الاحتلال الذي يعيق حياتنا الطبيعية".

ويضيف أن الهدف الرئيسي لمشروع "بيكاسو في فلسطين" هو تسليط الضوء على فلسطين والحواجز والظروف المستحيلة التي يعيشها الناس هنا.

ثم يقول: "من الطبيعي جدا أن يأتي بيكاسو بلوحاته إلى فلسطين لأننا بشر كباقي شعوب الأرض، بينما الشيء الوحيد غير الطبيعي هنا هو الاحتلال والجدار والحواجز".

وقال إن الفن ربما لا يقدم حلولا ولكنه يشخص المشاكل ويسلط الضوء عليها، ويدعو العالم إلى أن يصبح جزءا من حلها، مشددا على أن دور الفنانين الفلسطينيين ليس مكملا للسياسة بل هو دور أساسي جدا في فعل المقاومة.

توثيق للتجربة
ومن المقرر أن توثق تجربة حضور لوحة بيكاسو إلى فلسطين ابتداء من عملية التحضير والبحث الطويلة لتأمين ونقل وعرض اللوحة ونتائج هذا العمل والتعقيبات عليه وعودتها إلى هولندا، من خلال إنتاج سينمائي يشرف عليه المخرج الفلسطيني الشهير رشيد مشهراوي.

خالد حوراني بجانب اللوحة التي ستعرض الجمعة لمدة 3 أسابيع في رام الله (الجزيرة نت)
وقد تلقى إحضار اللوحة دعمًا من مؤسسة موندريان الهولندية ومؤسسة دوين، التي تقول مديرتها نينا تيلوغن "إن مشروع بيكاسو في فلسطين يجعلنا نرى طرقًا مختلفة لعرض الفن، ودورًا جديدًا للمتاحف.. ونرى أيضا أن العرض ممكن في أعقد الظروف، بما في ذلك فلسطين".

وتضيف أنه "لم يحدث سابقا أن استعرضنا أسئلة الممكن والمستحيل في قضايا استعارة اللوحات لمناطق تعتبر خطرة، عدا عن أنها مقموعة بحكم واقعها".

ويحاط مكان عرض اللوحة، وهو بيت فلسطيني قديم تتخذه أكاديمية الفنون مقرا، بحراسة أمنية مشددة على مدار الساعة ويلاقيك رجال أمن فلسطينيون مدربون بصورة خاصة، على بوابة المتحف ويرافقك أحدهم حتى داخل قاعة العرض.

كما يرافق عرض اللوحة سلسلة محاضرات في رام الله والقدس وغزة عن العقبات التي تواجه الفن في ظل هيمنة السياسة على نواحي الحياة وعن معنى حضور اللوحة، ضمن سلسلة فعاليات تحت عنوان "أحاديث بيكاسو".

ويؤكد حوراني أن عرض اللوحة لن يكون للنخب الثقافية والفنية فقط، وإنما للجمهور الفلسطيني عموما. حيث شارك في إنجاز هذا العمل معظم المراكز والمؤسسات الثقافية الفلسطينية.

كما يسعى الفنان خالد حوراني إلى طرح سؤال عن إنشاء المتحف الفلسطيني بعد مغادرة لوحة بيكاسو التي حلت في مكان يضاهي دور العرض العالمية من حيث مواصفات الحرارة والإضاءة والرطوبة.

المصدر : الجزيرة