غلاف كتاب سقوط التابو

محمد الحمامصي-القاهرة

يتناول الناقد محمد العباس في كتابه الصادر هذا الأسبوع "سقوط التابو.. الرواية السياسية في السعودية" عن دار جداول في بيروت محاولات الروائيين في السعودية الاقتراب من الهم السياسي، وكسر حاجز الخوف من ارتياد تلك المنطقة الوعرة، حيث يجادل مفهوم المناضل السياسي، كمنطلق لمساءلة وعي الروائيين، وفحص ممكناتهم الفكرية والجمالية، واختبار منسوب جرأتهم على الخوض في المحرمات.

ويرسم الكتاب ما يشبه الخط البياني لواقع وتحولات الرؤية النضالية، كما رصدتها الرواية في السعودية، من حيث تعدد منظوراتها القومية واليسارية والأصولية، كما يقترب مما يعرف بالوقائع النضالية المقدسة، كحركة الإضرابات العمالية في الظهران، والتظاهرة النسائية لقيادة السيارة في الرياض، ليسائل الروائيين من خلالها عن الكيفية التي تم بموجبها توطين تلك الحوادث في الوعي الجمعي، وما أبقى عليه السرد من واقعيتها، وما لم يتمكن لأسباب توثيقية، أو بناء على محاذير من تحريكها. 

سيرة جيل خائب

يتسيد الماضي هذا النمط من الكتابة الروائية، ويرتهن النص لنزعة رثائية نكوصية، يستجلب بموجبها نموذج المناضل المنهزم من ذلك الزمن بطريقة توحي بانتفاء الفعل النضالي واستنفاد ممكناته المستقبلية
"
وبقدر ما يثمن جرأة بعض الروائيين، ومحاولاتهم استكمال الحركة الاجتماعية التاريخية، وتوثيق الحركة النضالية عبر الكتابة، يسجل جملة من الملاحظات حول الرواية السياسية في السعودية التي لا تمتلك تاريخا كبيرا في هذا المجال.

كما يقارن بين هشاشة أبطال الروايات المنعكسة على البنية السردية، والمتأتية منها في آن، نتيجة جملة من الأسباب الروائية واللاروائية، فالرواية السياسية في السعودية مذعورة في الأساس لأنها ناتجة من بنية خوف، ولذلك تستنفد طاقتها في التطواف حول ثالوث الجنس والدين والسياسة، والتماس الصوري مع تلك العناوين دون قدرة على تفكيكها.

وفي هذا الصدد يقول الناشر إن أغلب الروايات المعنية بالحدث والخطاب السياسي في السعودية تلهج بمفردات الحرية والسجن والوطن والحزب والتنظيم والثورة، إلى آخر منظومة القاموس النضالي، لكنها تكتفي بالعناوين البراقة ولا تتجرأ، أو ربما لا تقدر على تفكيكها داخل النص، إذ لا تستدعي حالات نضالية بمسميات ومعالم واضحة، إلا بقصد التبرؤ منها.

بل إنها في الغالب تطوف حول "التابو السياسي"، لتتحدث عن نموذج نضالي من الزمن المنقضي، يتم اعتباره مجرد دليل متهافت لسيرة جيل خائب، حسب منطوق أبطال أغلب الروايات، حيث يتسيد الماضي هذا النمط من الكتابة الروائية، ويرتهن النص لنزعة رثائية نكوصية، يستجلب بموجبها نموذج المناضل المنهزم من ذلك الزمن بطريقة توحي بانتفاء الفعل النضالي واستنفاذ ممكناته المستقبلية.

ويتطرق العباس إلى شخصية فؤاد الطارف، بطل رواية "شقة الحرية" لغازي القصيبي، الذي وصفه بالهارب من جحيم الأحزاب إلى وعود الوطن، وإلى ما سماه خيبة النضال المعجون، من خلال شخصيتي هيفاء وسليمان، في رواية سعد الدوسري "الرياض–نوفمبر ٩٠"، ويحلل شخصية رديني السالم الرديني، المناضل العروبي الغارق في الكحول والأوهام، بطل رواية إبراهيم الخضير "عودة إلى الأيام الأولى".

أما أبو حسان بطل رواية "طوق الطهارة" لمحمد حسن علوان، فهو مجرد مناضل أخرس، من المؤلفة قلوبهم المنكسرة أقلامهم، كما يعتبر هشام العابر، بطل ثلاثية تركي الحمد "أطياف الأزقة المهجورة" مثالا للوعي المنشق على نفسه، وفي المقابل يرى في سهل الجبلي، بطل رواية "الغيمة الرصاصية" لعلي الدميني، بمثابة السجين الذي أحال السجن إلى فضاء لتعزيز البطولة الجماعية، واستكمال التجربة النضالية.

شخصية المناضل

المناضل السياسي ليس مجرد شخصية عابرة في النص الروائي، بل هو جوهر العمل الذي يتموضع في صميمه، بما يشكله من امتداد طبيعي لجاذبية الشخصية وسلطتها المعنوية التي تفرضها على الشخصيات
"
ويبدو أن مقاربته الصريحة للشخصيات الروائية، كما جاء في المقدمة، إنما تأتت من قناعة بكون الرواية السياسية لا تكتسب هذا المعنى، بدون أن يكون عصبها مشدودا إلى جاذبية شخصية المناضل السياسي، الذي يشكل قيمة مهيمنة بالمعنى النقدي، إذ يفترض أن تختزن شخصيته دلالات كبرى تتقاطع عندها كل العناصر الشكلية، وتنتظم الأحداث بموجب فاعليتها، كما تعطي النص الروائي بعده الحكائي.

بمعنى أن النص يقوم على سطوة حضورها ونموها، وبالتالي يكون القارئ تحت تأثيرها، ومن خلالها يمكن اكتشاف آراء ومواقف الروائي، على اعتبار أن شخصية المناضل السياسي لا تنفصل عن الوعي الذي أنتجها، وبالتالي يمكن التعاطي معها كأحد أهم المداخل الحيوية للاقتراب من واقع وطموحات ومعوقات الرواية السياسية في السعودية.

فالمناضل السياسي ليس مجرد شخصية عابرة في النص الروائي، بل هو جوهر العمل الذي يتموضع في صميمه، بما يشكله من امتداد طبيعي لجاذبية الشخصية وسلطتها المعنوية التي تفرضها على الشخصيات.

وهو إما أن يستمد من الواقع أو يتم اختلاقه،أو ربما يعاد تركيبه وفق مزيج فني من الواقعي والمتخيل، أو من المعيش والمحلوم به. وهو خيار يطرح إشكالية مرجعيات الروائي، ووعيه الذاتي بنموذجه المراد توطينه في النص.

بمعنى أن الأحداث التي يعبرها بطل الرواية قد تتقاطع مع سيرة الروائي، فتكون "سيرة ذاتية"، ولو مموهة، أو قد تفارق حكايته لاعتبارات زمانية ومكانية ومضمونية، فتكون بالتالي "سيرة غيرية" قابلة للتعديل والإضافة والتأويل، ووفق تلك الاعتبارات تتحدّد طبيعة وظيفته ومكانته داخل السرد.

يذكر أن الناقد محمد العباس أصدر مجموعة من الدراسات النقدية منها "قصيدتنا النثرية"، "كتابة الغياب.. بطاقات مكابدة لوديع سعادة"، " مدْينة الحياة .. جدل في الفضاء الثقافي للرواية في السعودية"، و"نهاية التاريخ الشفوي"، "ضد الذاكرة .. شعرية قصيدة النثر" وأسهم عبر كتاباته في الصحافة المحلية والعربية في نقد الإنتاج الإبداعي السعودي.

المصدر : الجزيرة