الروائية الكندية إليزابيث روث (وسط) أثناء إحدى ورشات تعليم الكتابة الإبداعية (الجزيرة نت)

جاكلين سلام-تورونتو

يطرح تدريس فن الكتابة الإبداعية عدة إشكاليات بينها دور تلقين فن الكتابة في خلق أدب أصيل، وقدرة أي مبدع كان على تدريسها، ففي حين تبقى الثقافة الأميركية منسجمة مع الترويج لتدريس هذه المادة، تبدو الثقافة البريطانية أكثر تحفظا، أما العربية فلا تزال تعتمد بشكل أساسي على مسألة الوحي والإلهام.

وتحظى الكتابة الإبداعية في كندا باهتمام الهيئات الثقافية المعنية، حيث تخصص عوائد مادية لمساعدة الكتاب على التفرغ لتعليم الأصول الأولية في الكتابة الإبداعية، وتكون الدروس متاحة لجميع الراغبين في الخوض في أسرار فن الكتابة. غالبا ما يتم تعيين كاتب معين للقيام بالمهمة ولمدة زمنية محدودة، يكون خلالها الكاتب منخرطا كليا في أمسيات ومحاضرات ولقاءات عمل وتدريب مفتوحة للجميع.

ومنحت الروائية الكندية إليزابيث روث التي تدرس الكتابة الإبداعية في جامعة تورنتو وفي معاهد متفرقة فرصة للتفرغ والعمل مع إحدى المكتبات العامة، حيث تشرف على إدارة ورشات عمل إبداعية، لتضع حصيلة معرفتها وتجربتها، سواء في مجال الكتابة الروائية أو الكتابة الخاصة باليافعين والشباب، وصولا إلى تفاصيل تنقيح مسودة العمل الإبداعي وصولا إلى العلاقة بين الناشر والكاتب.

يتماسك بناء العمل الإبداعي ويصبح أقرب إلى القارئ عبر استخدام حس الفكاهة في تجميل النص، فهذه نقطة قوة وجذب، على أن لا تكون الشخصيات خاوية من العواطف والمخاوف
أصول الكتابة
وتؤكد روث أن القصة التي تخلو من الصراع والمآزق لن تنجح، ولا بد من خلق صراعات حادة على مستويات عدة، بين أفراد القصة وبين الفرد وذاته، مع إيجاد مخارج لكل صراع، وقد تعجز أحيانا عن الوصول إلى حل، فالكاتب يجب أن يقود شخصياته إلى مصيرها، ونادرا ما يعطيها "ديمقراطية" التصرف.

أما عن سبل خلق صراع في القصة فيتم بطرق مختلفة، كأن يكون للشخصية هدف بعيد تسعى لتحقيقه حتى ولو لم يكن نزيها، فقد يكون هناك "هدف كامن وراء الهدف" المعلن يجعل القصة ممتعة، إذ لا نعرف مباشرة ما الذي يدور في ذهن الشخصية".

وأثناء هذه الرحلة تشير روث إلى أن على الكاتب ألا ينسى أن يضع العوائق التي تعترض رغبة البطل وتزجه في الصعاب، وقد تكون في مواجهة الطبيعة وتقلباتها، أو مواجهات بين أفراد أسرة واحدة، تتعمق الخلافات، تتصارع قيم الحب والعداء والكره, وقد يكون هذا الصراع مستترا ثم ينبثق إلى السطح في ظرف معين.

وتنصح روث صغار الكتاب بعدم التردد في وضع الشخصية في دوامة الخوف من الموت، وتجريدها من احتمالات النجاة، دعها تتصرف بلا أمل في النجاة، اجعل الدراما في أقصاها، باعتبار أن الأحداث الباردة الهادئة الرتيبة والشخصيات الخلوقة المعتدلة ليست صالحة لرواية جذابة.

ويقوم بناء النص أيضا على استخدام صيغة نقل حوار يتم بين شخصين في غياب الشخصية المحورية، والبحث عن النقاط المفصلية في حياة الشخصية، مثل مسألة الهجرة والزواج، والطلاق أو الانتحار، وكل ما يجعل الحدث قويا واستثنائيا وجذابا، مع التطرق إلى الأشخاص الذين يقفون في حالة تحد مع الشخصية ويعيقون مشاريعها.

"
القصة التي تخلو من الصراع والمآزق لن تنجح، ولا بد من خلق صراعات حادة على مستويات عدة، بين أفراد القصة وبين الفرد وذاته، مع إيجاد مخارج لكل صراع
"
ملامح الشخصية
ويتطور النص بجعل الشخصيات مليئة بالحياة، ومنحها مواصفات شخصية جدلية، وأن تمارس عادات معينة كالكذب، وكلمات معينة، من خلال استخدام التفاصيل التي تثير في القارئ تعاطفا وتجعله يصدق كل كلمة، ويقتنع بما تنطق به الشخصية وكيفية تصرفها، وذلك بالتركيز على تكرار تصرفات معينة للشخصية أو من خلال الانفعال العاطفي.

ويتماسك بناء العمل الإبداعي ويصبح أقرب إلى القارئ عبر استخدام حس الفكاهة في تجميل النص، فهذه نقطة قوة وجذب، على ألا تكون الشخصيات خاوية من العواطف والمخاوف والصراع، مع أفكار سوداوية كالموت والانتحار وغير ذلك.

وبينما تزخر المكتبات الغربية بأصناف الكتب التي تعنى بهذا الجانب، تكاد المكتبة العربية تخلو من كتاب عربي حول تقنيات الكتابة الإبداعية، وقد بذل الكاتب الفلسطيني زياد خدّاش جهدا في ابتكار أساليب تعليمية خارجة عن المألوف العربي كي يحفز طلاب صفه على التفكير الحر الخلاق، رغم ظروف البؤس والتشظي في الجانب الفلسطيني.

المصدر : الجزيرة