جمال ناجي


حاوره في عمّان: توفيق عابد

يعتبر الروائي الأردني جمال ناجي من الأسماء المميزة في الساحة الأدبية، وفي رواياته وجع وموقف ورفض للواقع المعيش، وهو يرنو إلى التغيير في فضاءات حالمة ويحمل شمعة تضيء بلا حدود أو قيود.

في أدبه اقتحم المسكوت عنه في مجتمع المدينة بلغة رشيقة مطواعة لكنها دائما تحدث ضجيجا. وأصدر عدة روايات كان من آخرها "عندما تشيخ الذئاب" التي نافست في جائزة البوكر العربية 2010 وكشفت حيتان المال والمناصب وتجار المخدرات والتغييرات التي تطرأ على الإنسان عندما ينتقل من الأحياء الفقيرة إلى المجتمع المخملي في المناطق الغنية.

كما أصدر مؤخرا مجموعته القصصية "المستهدف" عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمان والتي تناولت تفاصيل خفية لمجتمع المدينة بمظاهره الخادعة والموت ونزوع الإنسان للحرية ورغباته الدفينة وشقاوة الشباب.

وحذر جمال ناجي من انفجار في الرواية العربية جراء ازدياد المهاجرين إليها من الأجناس العربية الأخرى لكنه اعتبرها مؤشرا إيجابيا لما أسماه ميلاد المعارضة الثقافية.

ويرى ناجي أن بعض المثقفين خلطوا الأوراق وضلوا الطريق لأنهم نسوا في غمرة اهتمامهم بالمقاومة حق الشعوب في الإصلاح، وقال إن المقاومة لا تزدهر في ظل أنظمة فاسدة محذرا من الحصار الأميركي الناعم للثورات العربية.

وهذا نص الحوار:

يقال كثر الروائيون وقلّت الرواية من حيث جودتها وتعمقها في قضايا الناس؟

جمال ناجي يوقع مجموعته القصصية "المستهدف" (الجزيرة نت)
-هذا الكلام صحيح، فهناك انفجار في أعداد الروائيين وعمليات هجرة إلى الرواية من قبل الأجناس الأدبية الأخرى فتجد شعراء وقاصين ومسرحيين انتقلوا إلى كتابة الرواية وحتى النقاد مارسوا الهجرة أو أبقوا على كتاباتهم إلى جانب الرواية.. لكن ازدياد أعداد كتاب الرواية يعد مؤشرا جيدا شريطة أن تكون الزيادة نوعية.

وفي تقديري فإن الانفجار لم يكن نوعيا ويبدو أنه بمثابة رد فعل للانتشار العالمي لفن الرواية الذي جاء على حساب الأجناس الأدبية الأخرى التي باتت تبحث عن حضورها وحظوظها فالرواية الأوسع انتشارا والوعاء الواسع لاستيعاب الأجناس الأخرى وكل ما يريد المرء قوله.

أتفق على وجود هبوط في مستوى المطروح روائيا فهناك الروائي الذي صنعته وسائل الإعلام لدرجة أن اختلطت الأمور.. هذا جانب سلبي لما أطلقنا عليه "انفجار الرواية العربية" وأضرّ بدرجة استقبال القارئ العربي للرواية وأصبح بحاجة لمن ينصحه بقراءة هذا العمل أو ذاك.

 يلاحظ أن الوسط الثقافي الأردني متشرذم ومنقسم لدرجة مقاطعة النشاطات؟

الوسط الثقافي الأردني كالأوساط الثقافية العربية ويبدو أن منبع المقاطعات أو الجفوات هو المركز "الأول"، فالكل يريد أن يكون الأول كما أن الكاتب الحقيقي بطبيعته معتد بنفسه ويعتقد أنه الأفضل، لكن إذا تحدثنا بشكل جمعي فالمقاطعة والتنابذ ليس حكرا على الساحة الأردنية فالمناكفات موجودة بين مجموعات في الساحات العربية وهي في كل الأحوال ليست سلبية بالمطلق فهناك جوانب إيجابية تتيح الفرصة للنقد والاعتراض ولما يمكن تصنيفه بالمعارضة الثقافية.


كثير من المثقفين بالأردن يتهمون الجهات الرسمية وغيرها بتغييبهم ؟

الثقافة في الأردن بحاجة لإعادة نظر جذرية في أساليب إدارتها والأداء الثقافي واختيار المسؤولين في الوزارات وسواها.. فلا يوجد اهتمام حقيقي بالثقافة رغم وجود عدد من المشاريع التي تسجل فعلا كمشروع التفرغ الإبداعي وما دون ذلك هناك عدم تواصل بين وزارة الثقافة والمثقفين فكيف يمكنني أن أفهم وزارة تعمل لصالح الثقافة وهي تستحوذ على 80% من موازنتها لصالح موظفيها والإيجارات وتصرف على الثقافة 20%.

غلاف رواية عندما تشيخ الذئاب
ولا يوجد توجه لدى الجهات الرسمية لاستحداث تشريعات ثقافية جديدة أو تواصل حقيقي مع المبدعين فالمبدع يراجع وزارته كأي إنسان آخر ويجد نفسه خارج الاهتمام الرسمي.. صحيح أنه لا يعيق العمل الإبداعي لكنه لا يخدم تطوير الوضع الثقافي في الأردن.


في ضوء الحراك الشعبي العربي.. أين المثقفون والنخب السياسية؟

الثورات ليست مقطوعة الجذور، هناك تراكمات وما يقال بأن أميركا وغيرها وراء هذه الثورات ليس صحيحا فقد عايشنا تجارب إصلاحية منذ الخمسينيات لم يكتب لها النجاح لكنها شكلت تراكما وآن الأوان لأن تظهر نتائج هذا التراكم.

فحينما يتم الحديث عن الإصلاح ينسون أن الإصلاح كان مطلبا شعبيا للأحزاب العربية والتنظيمات السياسية لكن لا أحد يتحدث عن هذا التاريخ وأميركا تريد أن تقطف ثمرة ما يجري في المنطقة العربية. إن ما يجري هو تراكم أجيال وعمل سياسي لم ينجح على مدار ستين عاما ولكنه خلق التأسيس لما يحدث الآن مع الاعتراف بأن توجه الشباب والثورة الإلكترونية والتواصل الاجتماعي كان له دور أساسي ولا أحد ينكر ما قدمته السياسة والثقافة العربية بمختلف تشكيلاتها لهذه الثورات وهي مسؤولة إلى حد بعيد عن البناء الثقافي للجيل الجديد.. هذا الجيل لديه بناء ثقافي فمن أين جاء به.. هناك مخزون ثقافي بالتأكيد تأثر به ولو كان تدريجيا وليس مباشرا. الكاتب يمارس دوره كضمير لمجتمعه ومن يريد التنصل فهذه مشكلته.

 هناك مثقفون غيروا ملابسهم ومواقفهم عقب ثورة الميادين.. ماذا تقول لهؤلاء؟

حينما أطالب أميركا بأن لا تكيل بمكيالين فكيف أسمح لنفسي أو لكاتب أن يكيل بمكيالين هناك مقولة بأن المثقف بشكل ما هو نظير للواقع السياسي والاجتماعي وهناك من يقول بأن المقولة بلا معنى، ولكن لماذا يتلونون ربما أن الكثير من الأوراق اختلطت إلى حد أن الواقع العربي أصبح بحاجة لما يشبه "دليل العمل" أو "دليل تفكير" وأنا أشعر بالفخر أن الثورات العربية انبعثت من داخل مجتمعاتها وهي حق مشروع ولست ميالا لنظرية المؤامرة بأن الولايات المتحدة أو أوروبا تقف وراء ثوراتنا المطالبة بالحرية والمساواة.

الثورات ليست مقطوعة الجذور، هناك تراكمات وما يقال بأن أميركا وغيرها وراء هذه الثورات ليس صحيحا فقد عايشنا تجارب إصلاحية منذ الخمسينيات لم يكتب لها النجاح لكنها شكلت تراكما وآن الأوان لأن تظهر نتائج هذا التراكم
المشكلة أن بعض المثقفين خلطوا الأوراق وضلوا الطريق فيما يقولون وفيما يكتبون وارتبطوا بشكل ما ببعض الأنظمة في إطار مصالح معينة فأصبح من الصعب أن يتخلوا عن تلك الأنظمة وزوالها سوف يكشف أوراقهم ونحن نعرف قوائم بمن استفاد من هذا النظام أو ذاك وهناك من اختلطت معه الرؤية بمسألة الانحياز للمقاومة.

فالمثقف بطبعه منحاز للمقاومة ضد الظلم والاحتلال والعدوان لكن هناك مثقفين نسوا في غمرة اهتمامهم بالمقاومة حق الشعوب في الإصلاح وغلّبوا جانب المقاومة على كل قضية، فالمقاومة لا تزدهر في ظل أنظمة فاسدة ومنح الحريات للشعوب يصنع المقاومة وليست الأنظمة وبالتالي تحرير الشعوب أولا ثم المقاومة.

في روايتك "عندما تشيخ الذئاب" كشفت عن حيتان المال والسياسة وفي مجموعتك القصصية الأخيرة "المستهدف" دخلت في التفاصيل الخفية لمجتمع المدينة..؟

المدينة تشكل هاجسا من هواجسي فهي الكائن المترامي الذي أتعامل معه وأتجول في دقائقه وتفاصيله لكي تكتمل الصورة.. مجتمع المدينة بحاجة للمزيد من الكتابات الروائية والقصصية لأن المسكوت عنه في السلوك الاجتماعي والسياسي والثقافي أكثر بكثير ممّا تكشّف ويحتاج إلى نبش من جديد وإذا كانت الرواية فن المدينة فهي تصفها دون أن تدخل كثيرا إلى عمق السلوك المدني والإنسان المتمدن وخبثه وشروره وخيره.

 أنت معروف بأنك روائي لكنك عدت لكتابة القصة فهل نشهد عودة للقصيدة ولا سيما أنك ألقيت قصيدة غزلية؟

في بدايتي كتبت الشعر ولم أكمل وتوقفت لأنني وجدت نفسي في الرواية ولم أنشر قصائد.. وأنا على خلاف معظم الروائيين العرب بدأت روائيا فأصدرت روايتي الأولى "الطريق إلى أبوالحارث" عام 1982 والثانية "وقت" 1984 والثالثة "مخلفات الزوابع الأخيرة" 1988 ثم أصدرت أول مجموعة قصصية "رجل خالي الذهن".

لم أهاجر من القصة للرواية وبين الفينة والأخرى تتوالد لديّ أفكار قصصية لا يمكن التعبير عنها في رواية ولذا أكتبها على شكل قصة قصيرة.

 من يقرأ لجمال ناجي يكتشف أن شخصياته متمردة.. فهل تعكس شخصيتك؟

ما يخيفني أكثر هو الحصار الناعم الذي تمارسه أميركا مع قيادات الثورات.. تحاصرها بشكل ناعم وتقدم أشكالا كثيرة من الدعم ولا أعرف هل ستقع قياداتها في شباك النوايا الأميركية أم أنها ستمارس استقلالها ودورها الوطني
الكاتب بطبعه متمرد على واقع يرفضه وعادة ما يتم الحديث عن ربط تمرد الكاتب بالواقع السياسي، فالمثقفون والسياسيون العرب ناضلوا من أجل الحرية السياسية لكنهم نسوا الحرية الاجتماعية.. التمرد ليس مفهوما سياسيا وحسب إنما اجتماعي، فنحن بحاجة للمزيد من الحرية الاجتماعية لذا تجد أن الكاتب في مجتمعه مختلف في سلوكه وطباعه ويبدو في وجهة نظر المجتمع "كاهنا مختلفا" ومتمردا وهذا يعني أن الكاتب سبق مجتمعه الذي يحاول اللحاق بمثقفيه ومبدعيه.

أما شخصياتي فهي متمردة في غالبيتها وهذا نابع من رفض لواقع اجتماعي وسياسي لست موافقا عليه ويحتاج إلى تطوير وما يشبه الثورة الاجتماعية.. الوطن العربي يحتاج لثورة اجتماعية أكثر من السياسية لأن المجتمع العربي ما زال في غالبيته يعيش في إطار الفهم الذي كان سائدا في السبعينيات والثمانينيات، وتطويره لا يتأتى إلا بنوع جديد من الثورة نستطيع تسميتها الثورة الاجتماعية العربية.

وأريد القول ماذا لو حدث الإصلاح السياسي كتغيير قوانين الانتخابات أو الأحزاب دون أن نشهد انعكاساتها الاجتماعية.. الحاجة ماسة لسياسات وتشريعات ومفاهيم وممارسات اجتماعية جديدة وهذا لا يحدث إلا من خلال عملية تحول اجتماعي عربي.


لكل كاتب لحظة متعة.. أين تجد متعتك؟

تتجلى متعتي حينما أعزل نفسي لمدة أسبوع أو عشرة أيام بدون أية وسيلة اتصال مع العالم في فندق ريفي قرب عجلون شمال المملكة حيث الأجواء الريفية الرائعة لأكتب الفصل الأخير من الرواية.. تلك هي أعظم لحظات المتعة التي أعيشها.

وما يسكنني في خلوة الكتابة هو الشخصيات والأحداث وحينما أفرغ أفكر في الكون بنجومه وأفلاكه وأحاول أن أتأمل وأعمد إلى النظر في السماء ليلا ممّا يمنحني فرصة لتركيز الأفكار.

بصراحة ما الذي يستفزك باعتبارك مبدعا أو يعطيك زادا جديدا لإثراء شخصياتك؟

تستفزني كثيرا أرقام الهاتف الخلوي السوبر المعطاة للنساء لأنهن لم يعدن يقرأن أو يعملن أو يعتنين بأبنائهن ويضعن أوقاتهن في الثرثرة "المكالمات مجانية".. أطالب شركات الاتصالات العربية بحجب هذه الخدمة باعتبارها من وجهة نظري معطلة للعقول والواجبات!!.

 
أخيرا أنت تتمتع بنظرة استشرافية كيف ترى مستقبل المنطقة العربية؟

أرى أن مستقبل منطقتنا محفوف بالمخاطر فهناك الكثير من التداخلات وأخشى ونحن في سياق حديثنا عن الثورات العربية أن نتجاهل الاحتلال الإسرائيلي ونتناسى القضية الفلسطينية.. هذا يقلقني ليس خوفا على القضية الفلسطينية فحسب إنما على مستقبل ثورات الميادين والشوارع فالوجود الصهيوني يهدد مستقبلها لأنه مدعوم أميركيا وأوروبيا وفي رأيي فالقضية الفلسطينية أبرز الأولويات التي يتوجب تذكرها دائما.

وما يخيفني أكثر هو الحصار الناعم الذي تمارسه أميركا مع قيادات الثورات.. تحاصرها بشكل ناعم وتقدم أشكالا كثيرة من الدعم، ولا أعرف هل ستقع قياداتها في شباك النوايا الأميركية أم أنها ستمارس استقلالها ودورها الوطني؟

المصدر : الجزيرة