الدبكة الفلسطينية في شوارع العاصمة الألمانية برلين (الجزيرة نت)

ابتسام عازم-برلين

احتفالية للثقافات تتوجها الموسيقى والرقص وألوان من الطعام والشراب وزوار فاق عددهم المليون في أربعة أيام، كان آخرها يوم الاثنين 13 يونيو/حزيران في العاصمة الألمانية برلين. تقام هذه الاحتفالات للسنة السادسة عشرة على التوالي تحت عنوان "كرنفال ثقافات العالم".

وكانت ذروة الاحتفالات الأحد مع المواكب التي مرت أمام أبصار مئات الآلاف من المشاهدين الذين اصطفوا على جوانب الشوارع في منطقتي كرويتسبيرغ ونويكولن في برلين ذات النسبة العالية من السكان الذين ينحدرون من أصول مهاجرة عربية وتركية.

أكثر من 5000 راقص وراقصة كانوا على ظهور الحافلات المكشوفة أو خلفها في مواكب يوم الأحد التي ضمت حوالي مائة فرقة تعيش أغلبها في برلين وينحدر أعضاؤها من ثمانين دولة تقريبا.

كانت الفرق تمر أمام الجماهير المصطفة على جانبي الشارع لتشاهد المواكب التي تمشي بسرعة النمل وتقف لتقدم رقصة من الرقصات لدقائق معدودة وتعاود السير خلف الحافلة بخطى أسرع توزع الابتسامات على الجماهير التي كانت بدورها تكافئها بالتصفيق الحار والهتاف أو النظرات والتعليقات.

تباين مستوى العروض من فرقة إلى أخرى، فمنها ما كان عدد الراقصين والراقصات فيه متواضعا لم يتعد عشرة أشخاص، وأخرى كان فيها العشرات توزعوا فوق الحافلات يعزفون الطبول وخلف العربة للرقص في ألوان زاهية براقة.

ناشطون مدافعون عن البيئة قدموا عرضا في الكرنفال (الجزيرة نت)
واختارت فرقة أخرى، تمثل بوليفيا، أقنعة وأزياء وريشا يحاكي جمال الطاووس وتبختره في مشيتها. لم يظهر أي كلل أو ملل على وجوه الراقصين والعارضين الذين ساروا في المواكب لأكثر من تسع ساعات يرقصون ويغنون رافعين أعلام بلادهم أو الجمعية التي يمثلونها، ولم يخل شعار بعض الفرق من رسائل سياسية.

الثورة التونسية
"دي غاج" أي ارحل هو أحد شعارات الثورة التونسية الفتية، وقد رفعته الفرقة التونسية التي تشارك لأول مرة في الكرنفال. فرقة قوامها المتطوعون وأغلبهم من الطلاب الجامعيين التوانسة وبعض الألمان.

وقال نور الدين بن رجب، الذي يعيش في ألمانيا منذ عشرات السنين ويعمل بالمجال الثقافي وساعد على تأسيس هذه المجموعة من المتطوعين "أنا أعمل في الحقل الثقافي منذ أكثر من عشرين عاما في برلين واشتركت في إعداد الكثير من البرامج للكثير من الثقافات في العالم بحكم عملي في هذا المجال، وربما قد قصرت بتقديم ثقافتي كتونسي للمجتمع الألماني والبرليني، وذلك بسبب تخوفي من الاضطرار للتعامل مع نظام شمولي كالنظام التونسي السابق".

واستدرك في حديثه للجزيرة نت "ولكن هذه هي المرة الأولى أن أحس بأنني خلقت من جديد بعد ثورة تونس، ولذلك قررت جمع الشباب والشابات التوانسة وتقديم جزء من ثقافة تونس للألمان".

بحماس وفرح رقص التوانسة على الألحان الموسيقية لفرق بوب تونسية وعربية. ورسم فنانون على الحافلة عبارة "لن تعود الديكتاتورية مرة أخرى".

شعارات الثورة التونسية كانت حاضرة في أنشطة الكرنفال (الجزيرة نت)
كانت رؤوس الجماهير قد توقفت عن الثرثرة محاولة التمعن بما يحمله التوانسة في صفوفهم من رموز لثورتهم الأخيرة، من بينها مفاتيح لحاسوب يرمز لاستخدام حكيم للتكنولوجيا في الثورة، وكذلك أقنعة وجوه لبسها البعض ولباس مهرج يرمز لمهرجي "البلاط" الكثر الذين كانوا يحيطون بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي وما زال بعضهم ذوي نفوذ في البلد، كما شرحت الطالبة التونسية أمل المسعدي المولودة في ألمانيا والتي صممت جزءا كبيرا من العرض والملابس.

متطوعون
العمل التطوعي للفرق المشتركة هو السمة التي تميز أغلبها، فهي تحصل على تمويل من بعض المؤسسات أو الشركات الخاصة، ولكن هذا التمويل يكون غالبا للمصاريف الرئيسية ولا يغطي المجهود الذي تقوم به الفرق من تحضير وعمل.

وبهذا الصدد هدد الراقصون والموسيقيون في الفرقة الموسيقية الألمانية-البرازيلية "أفوكسي لوني" التي افتتحت موكب يوم الأحد هذا العام بالانسحاب وعدم الاشتراك بالمهرجان في السنوات القادمة إذا لم تقم ولاية برلين بتأسيس صندوق لدعم الفرق المشتركة بالمهرجان، كما ذكرت إحدى الصحف الألمانية على لسان الفرقة.

ويرى أعضاء الفرقة أن ولاية برلين أصبحت تجني الأرباح من وراء المهرجان الذي وصل عدد الزائرين به هذا العام إلى 1.3 مليون، حسب تقديرات القائمين على المهرجان. ولكنها، في المقابل، لا تقدم الدعم المادي للفرق التي تشترك بالمهرجان.

أما مؤسسة "فيركشتات دير كولتورين" التي تنظم المهرجان فتقول إن الدعم المادي الذي تقدمه الولاية ووصل هذا العام إلى 270 ألف يورو لا يكفي لدعم الفرق إلا بصورة رمزية، وهو بالكاد يسد الحاجة المالية للوجستيات التي يفرضها مهرجان ضخم كهذا من إغلاق الشوارع ولمّ أكوام النفايات، ووضع المراحيض العامة في الشوارع وتنظيم الفرق وغيرها.

أقنعة تمثل ثقافات قديمة في أوروبا (الجزيرة نت)
تنافس وجوائز
وتتبارى الفرق المشتركة في مواكب في الأحد على جوائز الكرنفال، ومنها جائزة أفضل فرقة وتصل قيمتها إلى ألف يورو، وهي قيمة رمزية دون شك، حيث تصل تكاليف إعداد الشاحنات والتزيين وملابس الرقص والإلكترونيات حسب البعض إلى 7000 يورو على الأقل.

أما الفرق المعنية بالتنافس على الجوائز فعليها أن تقدم عرضا أمام لجنة التحكيم، أثناء المواكب، مدته تسعون ثانية. حصلت على الجائزة الأولى لهذا العام فرقة كولومبية تابعة لإحدى الجمعيات الكولومبية في برلين وكانت قد أخذت من موضوع المياه شعارا لها وبنت عرضها حوله ليكون شعارها "المياه حق لجميع الأحياء".

حقيقة التنوع
ويرى بعض المنتقدين للمهرجان أنه في الأيام الأربعة التي يقام فيها يكون عبارة عن احتفالية لاستهلاك الطعام والشراب على أنغام موسيقى شعبية في الغالب وتقديم نمطي للثقافات المختلفة. فتمازج الثقافات، وهو شعار الكرنفال، يتم بصورة سطحية دون التعرف على تلك الثقافات بصورة عميقة ذات معنى.

لكن المعارضين لهذا الرأي يرون أن الكثير من الفرق تحمل شعارات سياسية، وأن التنوع الثقافي هو جزء من الحياة التي تعيشها برلين والكرنفال ليس إلا احتفالا بهذا التنوع.

كانت الأعلام الفلسطينية ترفرف فوق حافلة يمشي وراءها الراقصون والراقصات بالملابس التقليدية يؤدون الدبكة  ليبدو وكأننا انتقلنا من ساحات برلين إلى ساحات الجليل أو أي بقعة فلسطينية أخرى يقام عليها احتفال فلسطيني تقليدي
"بالنسبة لي أنا أعمل مع جمعية أهلية كردية تعنى بأمور المهاجرين وتحاول تقديم الخدمات لهم، وهذا المهرجان يشكل فرصة للتعريف بالجمعية بشكل عام وبالثقافة الكردية بشكل خاص. وربما يهتم شخص ما يرى شعارنا واسمنا مكتوبا على الشاحنة ويحاول الحصول على معلومات أكثر عنا أو يفكر بالمساعدة. وجودنا في الكرنفال هو رمز على وجودنا على الخريطة البرلينية".

هذا ما قالته إيفين كوفلي، البرلينية المنحدرة من أصول كردية التي كانت منهمكة مع زملائها بوضع البصمات الأخيرة وتزيين عربة الجمعية الكردية التي تعمل بها للاشتراك في مواكب الكرنفال.

وبين موسيقى إحدى الفرق الأرجنتينية وأخرى تايلندية كانت الأعلام الفلسطينية ترفرف فوق حافلة يمشي وراءها الراقصون والراقصات بالملابس التقليدية يؤدون الدبكة ويتوسطهم "الحداء" الذي كان يحث الشباب والصبايا بالرقص وهز الأرض تحت أقدامهم ليبدو وكأننا انتقلنا ولو للحظات من ساحات برلين إلى ساحات الجليل أو أي بقعة فلسطينية أخرى يقام عليها احتفال فلسطيني تقليدي.

يستغرب المشاهدون هذا العزم الذي يأتي به العازفون والراقصون معهم، فالمواكب تستمر لتسع ساعات، من المشي عبر الشوارع والرقص والغناء في برلين التي يؤكد رئيس ولايتها كلاوس فوفرايت أنها مدينة التنوع الثقافي، وهذا الكرنفال ما هو إلا إشارة لهذا التنوع. فالإحصائيات الأخيرة تشير إلى أن ربع سكان برلين تقريبا الذي يصل عددهم إلى حوالي أربعة ملايين نسمة ينحدرون من أصول مهاجرة.

ربما كان على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أن تجوب هذا الكرنفال لتتذكر بأن التعدد الثقافي في هذا المدينة، وإن كان فيه مشاكل، هو واقع وحقيقة، بدل إصدار حكمها الجائر في العام الماضي، الذي قالت فيه إن سياسة التعدد الثقافي في برلين أثبتت فشلها.

المصدر : الجزيرة