العجيلي: الثورة  لم تقم بها النخبة، ولكن قام بها الصغار وتورط فيها الكبار (الجزيرة نت)

حاوره في درنة: خالد المهير

أخيرا استطاع الشاعر الليبي عبد السلام العجيلي الخروج من صدمة الغضب والانفلات والثورة والغليان. ويقول إنه يعيش الآن تفاصيل حياة الثوار في البيت مع بناته الصغيرات، وفي الحكايات مع الأصدقاء شعراء وأدباء مدينته درنة.

كتب العجيلي إبان تسعينيات القرن الماضي "منشورات سرية"، وهي عبارة عن قصائد نثرية ترفض قصف المدينة بالطائرات الحربية، شخص فيها ذعر من سماهم "الركب الكبيرة" من بنادق الجماعات الإسلامية المسلحة.

واليوم يعيش قلق المثقف والشاعر على العاصمة طرابلس تحت "حصار الجلاد"، بعد حزنه الشديد على ذبح الزاوية في السر بعيدا عن عدسات الإعلام والعالم.

تحدثنا مع العجيلي الذي كتب "مهب القبلي" و"شجر الكلام" عن الأسئلة الحالية التي تدور في خلده، وقراءته الشخصية لمواقف "المداحين" من ثورة الشعب، وألم تمجيد "الطاغية معمر القذافي" في السابق.

وتاليا نص الحوار:

 أستاذ عبد السلام هل أسقطت ثورة 17 فبراير ورقة التوت عن "المداحين"؟.

مقبرة شهداء ثورة 17 فبراير
بمسجد الصحابة بدرنة (الجزيرة نت)
- في الحقيقة الشعراء "المداحون" موجودون منذ زمن بعيد، ومتجذرون في الحياة، ولا يمكن أن تسقط عنهم ورقة التوت، وهنا نود الفصل بين من نقصد بالمداح.

في اعتقادي أفضل وصف لهم بأنهم "إرتزاقيون" يعملون لدى البلاط في كل مراحل التاريخ، وهناك أيضا مديح كغرض في الشعر العربي، ولا يمكن أن ينتهي بسهولة، ولو تحدثنا عن الشعراء بعد ثورة 17 فبراير سوف ينضمون إلى الصف الأقوى، وسوف يستمرون في ممارسة هذه المهمة، وهزيمة هذا الصنف من الشعراء لا توصف عكس هزيمة الأشكال الأخرى، لأن الشاعر المداح قادر على التجديد في أدواته كونه يسترزق، ولهذا من المتوقع استمراره حتى في عهد الثورة.

إذا تحدثنا عن مسألة التكسب والاسترزاق، فهذا يقودنا إلى القول إنهم سوف يستمرون في المديح، ولكن بشكل آخر، بالأخص الشعراء الشعبيين، ربما في الشعر العربي قد تضيق الدائرة عليهم، أما في الشعبي فسوف يستمرون في هذا الاتجاه.


وهل هذا الصنف سوف يستمر في عدائه للحرية؟

- أولا يجب ألا نضع شعر المديح في سلة واحدة، هناك مداحون ظلت نصوصهم حية إلى هذه اللحظة نتيجة أن المديح اتجه إلى الممدوح، ربما كان يمتلك من المصداقية أو يستحق هذا التعاطي، أنت تود محاكمة الشاعر من خلال نصوصه، ولكن لأن الأفعال تساعد الشاعر على القول الشعري.

جيل الإنترنت هو صاحب الثورة
كما يقول الشاعر العجيلي (الجزيرة نت)
هناك شعر يحمل قيم تظل موجودة، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الشاعر عدوا للحرية، سؤالك به قسوة، كيف يهاجم الحرية؟ ربما نقول تمجيد الطاغية، حتى النقد يطلق عليه شعر التكسب.

وفي العادة الشاعر المداح يقع ضمن كادر الطاغية، لكل الملوك والطغاة صوت شاعر يقوم بما كان يقوم به الشاعر الجاهلي الأول أو شاعر القبيلة، القبيلة كانت تحتاج إلى فارس وشاعر، حتى هؤلاء الطغاة يحتاجون إلى جيوش تقاتل، وأخرى من الشعراء، وتتسع الدائرة لمن يتعاطون الكتابة والفن. ولا يمكن في حقل الثقافة والفن أن نقوم بعملية إقصاء وتصفيات أو إلغاء. بل ذواتهم سوف تعذبهم على أفعالهم، وسوف يتعرضون إلى "محاكمة رمزية" أو "مراجعة تاريخية".


هل تتوقع شعورهم بالندم لتمجيد رجل قتل شعبه؟

- المسألة صعبة عليهم للغاية، ومن الممكن الرجوع إلى فهم هذا النوع من الشعراء، ونتذكر أن الأمر كان بالنسبة لهم معاش ومصدر رزق، الشرطي قد يحال إلى المحكمة، أما هؤلاء عليهم إعادة صياغة أدواتهم والبحث عن مصدر آخر للرزق غير الشعر، أما حكاية الندم طبيعي لأنه فقد مصدر رزقه وحياته.

وهنا لا بد من الإشارة إلى حقيقة تاريخية أن جيلنا لم يتورط في مدح القذافي، لم أسمع بقصيدة نثر تمجد هذا الشر، القصيدة العمودية الأكثر حضورا، ثم جاءت قصيدة التفعيلة، أو الشعر المرسل، قصيدتنا غير قابلة للمدح، ورافضة بشدة لهذا النهج، مشهدنا به خصوصية، حتى إذا حاول أحد من جيلنا كتابة المدح سوف يفشل في هذا الطريق.


في اعتقادك هل ساهم هذا الصنف من الشعراء في تضخيم ذات القذافي؟

- هذا أكيد، لقد ساهموا في صناعة طاغية شرس، خصوصا عندما تكون لفترة 42 عاما من المدح في شكل جهد متواصل من أغلب العاملين في الحقل الفني، وهؤلاء قادرون على تسويق ما يقوله الحاكم "الممدوح"، ما يقوله برنامج عمل فيما بعد مثل الشرح والتفصيل والتمجيد، أيضا يتحققون من النتائج والانتصارات، وفي أذهانهم أمور غير موجودة تغذي الطاغية.

تأسست ليبيا عام 1952 كدولة، وعندما ظهرت إلى حيز الوجود حولها القذافي إلى صندوق من الرعب، ولا أحد يعلم بما يجري في هذا الصندوق
أنت سألت عن مشاعرهم الآن، أقول لك حقيقة إن القذافي لم يجبر أحد على مدحه، وقد كانت خيارات بين الشعراء، وعلى مدى تجربتي المتواضعة والبسيطة لم يمنعني أحد من المشاركة بشكل مباشر في إلقاء قصائد عكس الاتجاه، في وقت كان فيه بعض الشعراء يكيلون المديح.

بالتالي خيارهم في المديح سوف يضاعف الألم لأنه لا يوجد مبرر للتورط في مدح الطاغية إذا لم أكن مجبرا على ذلك، ربما في بعض الدول العربية يجبر الشاعر على فعل ذلك، لكن في ليبيا لم أسمع بإجبار شاعر على مدح القذافي، كانت عملية اختيار، بالعكس يتسابقون ويتهافتون على تمجيد القذافي.


كيف تصف تصرفات هؤلاء؟

- في المجمل توجد عوامل خفية، طلب المال كان العامل الحاسم، ربما كانت هناك عوامل أخرى، لكن المال والوظائف كانا الأكثر تأثيرا.

هل تتذكر معي قصيدة الشاعر خليفة التليسي "وقف عليها الحب" وكيف تعاملت الكاميرا مع إخراج صورة القذافي عند إلقاء التليسي النص، هل كان لغرض إحراج الشاعر أم تطوعا منه للإشادة بالزعيم؟

- لست قريبا من التليسي، ولا أعرف بالضبط الظرف الذي قال فيه القصيدة، هو أقحم بيتا شعريا في مديح القذافي وهذا البيت يمكن أن يكون تناص مع بيت آخر لشاعر عراقي يقول فيه "كل لئيمة لا بد أن تلقى لئيما ناكرا" البيت صار عند التليسي "كل كريمة لا بد أن تلقى كريما شاكرا" التليسي حاول أن يتماس مع البيت، أما بقية القصيدة كان يتغزل في ليبيا، أما الإخراج مسألة أخرى لا تقع المسؤولية على الشاعر.

 
كيف تعلق على أعمال القذافي الإجرامية الأخيرة ؟

- عندما تقارن القذافي بالطغاة تشفق عليهم، بالنسبة لي المسألة هذا الرجل فوق الخيال، حالة أسطورية لا توجد بها أخلاق من اغتصابات وسرقة وقتل جماعي، هي ثقافة اللصوص وقطاع الطرق، ثقافة كتائب القذافي ليست ثقافة الجيوش والفرسان، إذا سلمنا بأن للقتال أخلاقا، أنا قلق حاليا على طرابلس زحمة وكثافة سكانية وحالة احتقان كبيرة، مقابل آلة شر فوق الخيال.لا أخفي عليك انتظر وأنا على جمر النهاية، ولدي قناعة بقبول أي حل يطوي صفحة القذافي، نحن على استعداد للتسامح لإيقاف المجازر، عموما هو لم يفهم شعبه بعد 42 عاما.

عندما تقارن القذافي بالطغاة تشفق عليهم، بالنسبة لي المسألة هذا الرجل فوق الخيال، حالة أسطورية لا توجد بها أخلاق من اغتصابات وسرقة وقتل جماعي، هي ثقافة اللصوص وقطاع الطرق،
لا أعلم ماذا ينوي لنا؟ الثورة نجحت منذ اللحظة الأولى، تكوين الكيانات والإنجازات الكبيرة، أنا متفائل.


هل أصبت بالصدمة لإنجازات الثورة؟

- في أيام الثورة الأولى كنت تائها، شاركت مع الشباب في اجتياح مديرية أمن درنة يوم 18 فبراير. مشهد حرق مقرات الأمن ورموز الدكتاتورية كان أسطوريا. كانت حالة هيجان وغليان وانفجار براكين غاضبة كانت في صدور الشعب، ثم دخلنا لحظة الخوف من المجهول لحظتها، هنا انتصرت القيم، المدينة بدون شرطة ولا قانون، اليوم عادت الحياة المدنية إلى طبيعتها، ما حدث في ليبيا لم يحدث في أي بلد في العالم، القيم تسير المدينة، الناس تخرج لنظافة الشوارع، كأنهم اكتشفوا ذواتهم، كنا نخشى من التصورات العالقة في أذهاننا السرقة والبلطجة، هذه لم تحدث.

في درنة شاهدت أول مظاهرة في حياتي يوم الجمعة 18 فبراير بها عشرات الآلاف من المتظاهرين بالقرب من مسجد الصحابة، في حياتي لم أشاهد هذا الحشد، وشاهدت القنابل المسيلة للدموع والشرطة والأمن، ومع ارتفاع أعداد الشهداء ارتفعت مطالبنا "الشعب يريد إسقاط النظام".

ثورة 17 فبراير لم تقم بها النخبة السياسية أو العسكرية، ولكن قام بها الصغار وتورط فيها الكبار، الشباب كسروا حاجز الخوف، هو جيل المعرفة والاتصالات والإنترنت، أخبار انتفاضة بنغازي من أول لحظة كنا نتابعها في درنة على الفيسبوك والإنترنت والفضائيات.

أطفالنا تأثروا بالثورة، لأول مرة يسألني أطفالي عن معنى الوطن وليبيا، وقد أخرجوا الأطلس من تحت غبار المكتبة لمعرفة خريطة بلادهم: الزنتان ومصراتة والبريقة وأجدابيا وجبل نفوسة وككلة. وامتد اطلاعهم على مواقع مدن تعز وصنعاء في اليمن. ليبيا سوف تكون أجمل بدون القذافي، مشغول بسقوط هذا الدكتاتور وكيفية جمع السلاح من المدنيين.

لأول مرة يسألني أطفالي عن معنى الوطن وليبيا، وقد أخرجوا الأطلس من تحت غبار المكتبة لمعرفة خريطة بلادهم. وامتد اطلاعهم على مواقع مدن تعز وصنعاء في اليمن
بدأت أخيرا في العثور على نفسي وفهم ذاتي، أعيش حالة ممزوجة بالفرح الكبير الناقص ما دامت لدينا مدن ما زالت تحت حكم القذافي، تأثرت نفسيا لتدمير الزاوية، كانت أيام صعبة، كانت المدينة لوحدها تقاتل بدون العالم والثوار والإعلام، عكس مصراتة التي التحم معها حلف الناتو والثوار والإعلام الدولي. مصراتة في النهاية التحمت بها بنغازي ومناطق الشرق، الزاوية كانت معزولة وارتكبت بها مذابح في السر، مثل ليبيا في السابق، أعكف حاليا على كتابة مقالة بعنوان "ليبيا صندوق الرعب والظلام" ، زمان كانوا يقولون إن ليبيا "صندوق الرمال المغلق".

تأسست ليبيا عام 1952 كدولة، وعندما ظهرت إلى حيز الوجود حولها القذافي إلى صندوق من الرعب، ولا أحد يعلم بما يجري في هذا الصندوق، شاهدت درنة تقصف بالطائرات خلال التسعينيات، هذه الأحداث لم يسمع بها العالم، ثم يخرج إعلام القذافي ويقول عنها مناورات عسكرية، كان ما يجري في درنة لا يعلم به من يسكنون البيضاء على مسافة مائة كيلومتر، وصمموا لنا حينها إذاعة بها طغاة على مستوى المدينة تبث التهديدات والأوامر العسكرية، بلاد محتلة لعدة أيام، ونحن نعيش في صندوق من الرعب والظلام الذي كنت أخشى قضاء بقية عمري فيه.

المصدر : الجزيرة