مشهد من مسرحية "أبو حليمة" التي تحكي قصة لاجئ يتمنى العودة لوطنه (الجزيرة نت)

عاطف دغلس-نابلس

صورة وصوت ونضال حتى الموت، هكذا اختار الفنان الفلسطيني شكل مقاومته، ورفضه للاحتلال وسياساته الهادفة لحرق الأخضر واليابس في فلسطين، أرضا وشعبا.

وكان المسرح في غالب الأحيان هو الوسيلة، حيث تناولت عروضه المختلفة حكاية الفلسطينيين ومعاناتهم ومآسيهم بفعل الاحتلال، ودحضوا رواياته محليا ودوليا.

وأمام هذه التحديات انطلق مسرح الرواة المقدسي، وأخذ على عاتقه إيصال رسالة الألم الفلسطينية للخارج، دون اقتصارها على الداخل فقط، وهو ما ميّز أعماله التي جابت أنحاء العالم المختلفة.

ويرى الفنان والمخرج المسرحي إسماعيل الدباغ -وهو من المؤسسين لمسرح الرواة الذي انطلق عام 1988- أن الفكرة بنقل عروضهم المسرحية للعالم الآخر غير المحلي رائدة وجديدة من نوعها، لا سيما وأنها أصبحت تحدث ردودا داعمة ومؤيدة للشعب الفلسطيني ومواقفه، ودحضت افتراءات الاحتلال.

إسماعيل الدباغ: نسعى لتغيير الصورة النمطية لدى الغرب عن المجتمع الفلسطيني  (الجزيرة نت)
من الوطن وإليه
ورغم ذلك كانت بدايات مسرح الرواة لدى الشارع الفلسطيني في القدس ومدن الضفة، ومن ثم انطلقت الفكرة إلى خارج حدود الوطن، وصارت مسرحيات "الأحداث الأليمة في حياة أبو حليمة" و"كعك وفلافل"، و"مجلس العدل"، و"شارع فساد الدين" تعرض في النرويج ودول آسيا والدول الإسكندنافية وروسيا وغيرها.

ونقلت هذه المسرحيات واقعا يعيشه الفلسطينيون للتأكيد على عمق المعاناة، حيث حكت "أبو حليمة" قصة اللاجئ الفلسطيني الذي تمنى العيش في بلده والعودة إليه، ولكن هذه "العودة" لم تكن إلا عبر اتفاقية أوسلو، التي حولته لمغترب داخل وطنه.

وخلّف هذا الواقع ردا من العالم الغربي، ففازت "أبو حليمة" بعدة جوائز وتلقى القائمون على هذه الأعمال دعوات من مسارح عالمية للتعرف على مفهوم فرقة الرواة للعمل المسرحي، واستلهامها مفاهيم الفرجة الشعبية الفلسطينية.

نقلة نوعية
وهذا بحسب الدباغ يعد نقلة نوعية في المسرح الفلسطيني، خاصة أن كثيرا من المسارح باتت تروج للسياسات الغربية والتطبيع مع إسرائيل، عبر تلقيها تمويلاً مشروطاً من القناصل والسفارات ومؤسسات "أن جي أوز" (المنظمات غير الحكومية) لعمل وعرض مسرحيات خاصة بتلك الجهات، مما يعني تشويه المشهد الثقافي الفلسطيني عامة، والمقدسي خاصة، لأن القدس لبّ الصراع ومحوره.

في حين تحاول أخرى إظهار القضية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي "كأنه خلاف عائلي، وبطريقة تخدم أجندة الاحتلال"، مبينا أن المشكلة هي انتهاء هذه الأعمال بانتهاء وجود الممولين.

مشهد من مسرحية "شارع فساد الدين"
(الجزيرة نت)
لكن هذا لم يكن شأن مسرح الرواة، الذي ظل طوال عمره عصاميّ النشأة والتمويل، وهذا ما ساعدهم في نشر مسرحياتهم وثقافتهم في الخارج، وجعلهم يتصدون للرواية المعاكسة التي ينقلها الاحتلال الإسرائيلي، "بأننا شعب معاد وغير محب للحياة والسلام"، حيث أصبحت صورة نمطية في الغرب.

وأضاف أنهم اعتمدوا على أسلوبهم الخطابي الفني بالاستناد للحكاية والقصة الشعبية، وكأن المسرحي أصبح حكواتيا يعرض ذكرياته وهمومه.

وطالب الفنان الفلسطيني كل المثقفين الفلسطينيين بالرجوع عما أسماها حالة "الاغتراب"، والتطلع لاحتياجات المواطن البسيط، وتعزيز ثقافة الانتماء لفلسطين والدفاع عنها وليس "الترويج" لما يساعد في إذابتها.

رواية كاملة
من جهته يرى الشاعر والناقد المسرحي نجوان درويش أن "المسرح وبقية الفنون عليها مسؤولية تقديم رواية فلسطينية غير منقوصة وغير مشوهة، فالعمل الفنّي له دور على جبهة الصراع الفكري في زمن التحرر الوطني".

ويضيف درويش "بعد اتفاقية أوسلو بدأ التسويق لمفاهيم مشوهة من خلال المسرح، ولكن سرعان ما نُسيت تلك الأعمال".

ولفت إلى أن الفن القوي هو وحده من يستطيع حمل قضية عادلة إلى العالم، وقال "صحيح أن تمثيل فلسطين فنياً أمر في غاية الأهمية، ولكن الأهم أن تتوفر لدينا مقولة مسرحية وليس ترجمات ركيكة لمقولات الآخرين".

المصدر : الجزيرة