غلاف كتاب سنوات الجحيم

"سنوات الجحيم"، هكذا يصف الصحفي المصري محمود الشناوي السنوات الأخيرة التالية للغزو الأميركي للعراق، وهو ينطلق "من لحظات الموت العادية، من الحصار والأسئلة التي ما زالت بانتظار الإجابة، من الدهشة الدائمة وصراع الدول والطوائف".

وينقل الشناوي -مراسل وكالة أنباء الشرق الأوسط السابق بالعراق- رحلته عبر تجارب إنسانية وسياسية واجه فيها الكثير من التحديات والظروف المستحيلة، كما ينقل أصوات العراقيين الذين كرهوا الطائفية، ولعنوا المسلحين وشوارعهم.

في كتابه "سنوات الجحيم.. أوراق مراسل صحفي بالعراق" الصادر عن مكتبة جزيرة الورد في 704 صفحات من القطع الكبير، يحاول الشناوي أن يطرح عددا من الأسئلة الصعبة والمخيفة، من خلال تجربته بالعراق منذ عام 2002 وحتى عام 2003، ثم من منتصف عام 2006، وحتى سبتمبر/أيلول 2010.

والسؤال الأهم الذي يطرحه المؤلف: "هل ذهبت عاصمة الرشيد أثرا بعد عين، أم أنها ستعود بعد أن تغرق أقدام المغول الجدد في نهري دجلة والفرات؟".

السؤال الأهم الذي يطرحه المؤلف: "هل ذهبت عاصمة الرشيد أثرا بعد عين، أم أنها ستعود بعد أن تغرق أقدام المغول الجدد في نهري دجلة والفرات؟"
يضم الجزء الأول من الكتاب 10 فصول، تحكي بداية من قبوله مهمة العمل الخطرة في العراق وسفره إلى هناك. ويصف الكاتب أهل العراق بالطيبة والإخلاص، وكيف كانت مساعدتهم ومساندتهم مؤثرة كثيرا في أداء مهمته الصحفية.

داخل المذبحة
ويشير الكاتب إلى أنه عندما أيقن أنه داخل المذبحة ولا فكاك منها، تذكر دعوة "وليام والاس" التي أبدعها الممثل الأميركي ميل غيبسون في فيلم "القلب الشجاع": "اللهم امنحني القوة لأموت ببسالة".

ويتحدث الكاتب عن جيش المهدي، ويصفه بأنه ليس جيشا، بل ينطبق عليه مفهوم المليشيات، رغم أن مقتدى الصدر أفتى بأنه جيش عقائدي.

ويقول الكاتب إن كل شيء أصبح ممكنا في عراق ما بعد 2003، وقد كان حل الجيش العراقي وتسريح كافة عناصر الأجهزة الأمنية، الضربة القاصمة والمعول الرئيس لهدم منظومة إدارة الدولة.

ويرى أن هذا القرار فتح الباب واسعا لإدخال رفاق السلاح ومن يواليهم من عصابات إلى أجهزة الأمن الرسمية، من شرطة وجيش واستخبارات ليعملوا بغطاء رسمي من الدولة العراقية، بعد منحهم الرتب التي تصل إلى لواء.

ويروى الكاتب واقعة اختطاف أكثر من ألف شخص من موظفي وزارة التعليم العالي، حيث تشير هذه العمليات -التي كانت تجرَى تحت سمع وبصر عناصر القوات الأمنية الرسمية، في وضح النهار، إلى مدى الخلل الذي كان يميز تلك الأيام.

اغتيال الهوية
كما تحدث أيضا عن أحوال أساتذة الجامعات منذ احتلال بغداد، ومدى المعاناة التي يتعرض لها العلماء والأكاديميون والمهندسون العراقيون، التي تصل إلى حد الاغتيال وفق مخطط يبدو منظما لتفريغ العراق من كوادره، ومحو عقوله العلمية والفكرية بشكل إجرامي انتقامي منظم، لتدمير هويته الثقافية والعلمية، ووقف عجلة التطور فيه، وإعادته عشرات السنين إلى الوراء، حسب المؤلف.

يرى الكاتب أن الاحتلال الأميركي هو المايسترو الذي يتحكم في خيوط اللعبة، ويوزع الأدوار، من دون اكتراث للفاعل أو المفعول به.. في لعبة موت عبثية لا منطق لها، حتى تصبح كل الأطراف في حالة استنفار وتوتر وخوف، والاستعداد للانتحار الذاتي والجماعي
ويحكي الكاتب عن واقعة إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في عيد الأضحى عام 2006، حيث لم يؤيد قرار الإعدام إلا أميركا وأستراليا وإسرائيل وإيران، في حين امتنعت معظم الدول العربية عن التعليق إلا ليبيا التي أعلنت الحداد، والسعودية التي استهجنت إعدامه فجر عيد الأضحى.

ويستعرض الكاتب -في الفصل الرابع من الكتاب، بعنوان "عام الدمار والانهيار"- ما جرى عام 2007 حيث تكرس مبدأ الموت والدم في شوارع العراق ومنازله. ويرصد تفجير مئذنة المرقدين الشيعيين المقدسين في بلدة سامراء السنية، وما تبقى من القبة التي أطلق تفجيرها موجة من العنف الطائفي، كادت تقود العراق إلى حرب أهلية شاملة، بعد مقتل وإصابة عشرات الآلاف، وإحراق المئات من المساجد والحسينيات.

أبطال الحقيقة
وفي الفصل الخامس، تحت عنوان "الصحفيون.. أبطال الحقيقة"، يقول المؤلف إن المراسلين والصحفيين اعتادوا أن يكون يومهم الاعتيادي مليئا بالمخاطر والأحداث.

ومنذ دخول القوات الأميركية إلى قلب بغداد عام 2003، بات الإعلاميون أحد أهم الأهداف لكافة الجهات، التي لا يزال الكثير منها مجهولا بالنسبة للقائمين على التحقيق في حوادث الاختطاف والقتل والاختفاء القسري.

ويرى الكاتب أن الاحتلال الأميركي هو المايسترو الذي يتحكم في خيوط اللعبة، ويوزع الأدوار، من دون اكتراث للفاعل أو المفعول به.. في لعبة موت عبثية لا منطق لها، حتى تصبح كل الأطراف في حالة استنفار وتوتر وخوف، واستعداد للانتحار الذاتي والجماعي.

يحكي المؤلف عن الشعب العراقي تلك السمات التي يتمتع بها، وصبره في مواجهة المحن والمصاعب، وفلسفته الخاصة في مواجهة الضغوط والوصول إلى حد التكيف معها: انكسارات شعب، وصموده وتحديه الداخلي، شعب يصنع حلمه الداخلي، في انتظار لحظة التنوير التي تعيد العراق إلى سابق عهده، لكن -هذه المرة- دون بطش أو ديكتاتورية.

المصدر : الشرق الأوسط