جميلة عمايرة أصدرت مجموعة قصصية جديدة بعنوان "أبيض وأسود" (الجزيرة نت)

                                               حاورها في عمان/توفيق عابد

تتحلى القاصة الأردنية جميلة عمايرة بجرأة عالية، وعندما تكتب تنتزع الرقيب من داخلها وتسرح في فضاءات أو مناطق واسعة يصعب على غيرها اختراقها، وتصوغ ما يجول في أعماق شخصياتها بأسلوب بسيط يفاجئ قراءها بنهايات غير متوقعة.

صدرت لها عدة مجموعات قصصية منها "صرخة البياض" و"الدرجات" وآخرها كانت "أبيض وأسود" ركزت فيها بجرأة على عالم المرأة وخاصة المسكوت عنه، ويتهمها البعض بالتحامل على الرجال وتقدمهم بصورة سلبية.

وخلال حديثها للجزيرة نت كشفت عن الكثير ممّا يدور في داخلها تجاه قضايا أدبية وعلى المشهد الثقافي بصراحة ووضوح، وتحدثت عن كيفية التقاط شخصياتها وتمسكها بالقصة القصيرة، ووصفت تصنيفات الناقدين الذين نعتوها بأنها "وقحة".

ما زلت متمسكة بالقصة القصيرة، رغم أن النقاد يعتبرونها أدبا مهجورا وانتقال كتابها إلى فن الرواية؟

- هذا كلام يثير الضحك، فما من ناقد في العالم يستطيع الإمساك بحياة أي فن ومن ضمنه فن القصة، لكن يمكن للناقد أن يستشرف تطوره أو تحوله أو تراجعه، لكن الإعلان أن القصة أصبحت أدبا مهجورا فهذا كلام غير دقيق على الإطلاق.

المجموعة القصصية "الدرجات"
للقاصة جميلة عمايرة (الجزيرة نت)
سأبقى أكتب القصة وبإصرار لأنها تتميز عن الرواية والفنون الأخرى بأنها قادرة على إمساك حالة معينة ضمن صفحات قليلة، وهي تعتبر من الفنون الصعبة التي لا يجيدها أي قاص. وباعتقادي فإن القاص الأصيل الحقيقي سيبقى يكتب القصة، وفي كل مرة سيجد أنه كلما كتب أكثر استكشف مناطق أخرى جديدة لم تكن مطروقة من قبل.

وما أريد قوله أنه ربما تكمن خطورة القصة في انفتاحها على أنواع السرد الأخرى، فهي تستفيد من قصيدة النثر والموسيقى والفنون التشكيلية والبصرية وتملك القدرة على الانفتاح، وفي نفس الوقت المحافظة على أصالتها كفن أدبي راسخ وله مستقبل.

لكن بعض النقاد وصلوا إلى درجة نعي القصة القصيرة.


- هذه مشكلتهم، ولكن ما نجده في القصة القصيرة أن هناك كتابا، والقصة القصيرة بخير، ولست معنية بتصنيفاتهم أو برؤاهم التي وصلت إلى حد الوقاحة والتنظير الجامد لنعي فن كتابة ما زال حاضرا، وتصدر مجموعات قصصية على امتداد الوطن العربي تؤثر وتدل على أن القصة القصيرة بخير.

من الملاحظ أن أغلبية كتاب القصة من النساء، بماذا تفسرين ذلك؟


- ربما لأن المرأة وهنا لا أريد المجازفة بالقول أن عينها تختلف عن عين الرجل، ولا أميل إلى التصنيف لأدب نسوي وذاك ذكوري، لكن المرأة تملك تفاصيل خاصة بها كامرأة لأنها تمر بمراحل مختلفة عمّا يمر به الرجل الكاتب.. وهي التي تحكي القصص للأطفال قبل النوم، وجدتنا الأولى شهرزاد هي الحكّاية الأولى في التاريخ المروي والتراث.

وقد انتشرت كتابة المرأة بفضل التطورات الحديثة في الوطن العربي كخروج المرأة للعمل وحصولها على التعليم الجامعي العالي والحرية التي تتمتع بها الآن.. ربما كل هذه الظروف هيأت لها الوقت المناسب لإخراج هواياتها ومكنوناتها في هذا الفن الجميل.

وهناك كاتبات وروائيات يضاهين ويسبقن الكتاب الرجال في هذا المجال كالشقيقتين اللبنانيتين نجوى وهدى بركات وعلوية صبح والأردنية سميحة خريس وأخريات أثبتن جدارة عالية واختيارات سردية رائعة ترجمت للعديد من لغات العالم.

لكن هناك هاربون من فضاء القصة القصيرة إلى الرواية.. ماذا تقولين لهؤلاء؟

-

النقد لدينا في حالة ركود مستمر، وكل ما يكتب عن الأعمال العظيمة من كتاب وليسوا نقادا، وبالأصل ليس لدينا نقاد كبار في الوسط الإبداعي المحلي وأصبح النقد الآن نقدا ثقافيا ولم يعد ضمن أسوار وأبراج
استراحة محاربين، فقد تكون راحة قصيرة لن تطول بالتأكيد، لكن الهروب إلى أين؟ إلى الرواية أو الشعر.. الكتاب الجيدون كتبوا رواية جيدة، وهذا لا يمنع أن القاص الذي يجيد فن القصة القصيرة وكتابتها من أن يكتب رواية، ولماذا يكون الأمر مقتصرا على القصة القصيرة؟

ربما يتميز الفن الروائي بالمرونة والفضاء الأوسع من القصة القصيرة، وهناك مميزات أخرى لدى كل كاتب كأسلوب ولغة وبناء روائي متعدد المستويات. وشخصيا.. لست ضد أن يكتب القاص رواية في فترة معينة، وإذا كتب رواية بإجادة فهذا مكسب للرواية التي نحتاج إليها، وليس استجابة لما يقوله النقاد إن الرواية مدونة العرب الجديدة.

توصف كتاباتك بأنها تركز أحيانا على الجانب الجنسي.. ماذا تقولين؟


- لا أعتقد ذلك وأتحدى أي قارئ أن يقرأ قصة ويجد فيها كلمة ليست ضمن السياق، فقصتي تتصف ببناء متين وقد يكون هناك بعض الجمل أو الإشارات التلميحية أو الإيحاءات، لكنها لضرورات فنية، وأزعم أنني أكتب بجرأة فنية عالية دون محاولة توجيه رسالة "إيروتيكية".

أحاول عندما أكتب أن أنزع من داخلي الرقيب، وأتناسى أنني في مكان كالشرق الذي يحاول تكميم الأفواه ويقمع الأصوات الحرة الداخلية لدى الكائن، ومحاولة الكتابة بانفتاح دون التفكير حتى برقيب الذات.

المتابعون لنتاجك الأدبي لاحظوا تحيزا للمرأة وتحاملا على الرجل.


-

المجموعة القصصية صرخة البياض (الجزيرة نت)
ربما يبدو للوهلة الأولى أن هناك تحيزا للمرأة، لأنني أحاول في كل ما أكتبه عن المرأة التي تحاول أن تجد الرجل ندا حقيقيا لها وليس أخا أو أبا أو قامعا أو سلطة أبوية "بطريركية" أو عائلية، ومن هنا جاءت الكتابات لتركز على المرأة وهمومها ومشكلاتها، لكن ليس على حساب الرجل.

قد تنتصر المرأة في قصة وقد ينتصر الرجل في قصة، لكن هذا لا يعنيني ككاتبة، فحينما تخرج القصة من يدي ويكون هناك شعور أن هذه الشخوص تنطلق وتتجسد أمامي ككائنات لها مطالب وصوت، أحاول أن يلتقي الرجل والمرأة في خط واحد.

 أحيانا قد تفرض المرأة صوتها دون تحامل على الرجل أو قتله أو إلغائه أو إقصائه، لأنني في منطقة اللاوعي ولديّ إيمان كبير بأن ليس هناك من تقدم أو سلام داخلي لدى المرأة دون الرجل، وفي النهاية يكملان بعضهما البعض.

هناك اتهام لك بأن شخصياتك تتحرك بين أربعة جدران؟


- ربما تكون بعض الحالات القصصية داخل أربعة جدران، لكن هناك فضاء عامر أنطلق منه، وإلا لما تمكنت من اقتناص الحالات الخاصة لدى كل شخصية، فثمة خداع مضلل في تناول القصة يبدو في فضاء ضيق، لكن من الصعوبة انتهاء القصة بهذا الفضاء لأنه واسع للتأويل وإطلاق الأحكام غير الثابتة على ما أكتب، وقد تناول أكثر من ناقد مجموعاتي القصصية وكانت هذه الملاحظة في معظم ما أكتب.

كقاصة ما الذي يستفزك لدرجة الاستسلام لمشاعرك وقلمك؟


- لا أعرف على وجه التحديد ما الذي يستفزني، لكني أحس بثورة في داخلي على كل ما هو نمطي ومكرس، وفي نفس الوقت التناقض الكبير الذي نعيشه على المستوى العام، لكن يثيرني الزيف والنفاق وعدم الصدق والتحولات الصغيرة التي تمس العائلة دون أن نشعر بها، والمقولات الاجتماعية الكبرى مثل محاولة منع الاختلاف وإسكات الصوت الآخر ونفي الغير.

وفي نفس الوقت هناك مجموعة من القيم في المجتمع لا تتقبل التغيرات، فنحن مجتمع لا يتغير بسرعة من الداخل لأننا محكومون ومأسورون لقيم جميلة توارثناها. ورغم التقدم الكبير الذي نشهده فإننا في دواخلنا نحاول ممارسة دور الحكماء والرقباء على الآخرين الذين يحاولون الاختلاف معنا.

فالعربي يوصف بأنه يموت وتموت الأفكار والقيم معه ولا يستطيع أن يتغير وأن يغير فيوصف بأنه خارج عن السرب أو المجموع فيحاول التماهي مع الآخرين وعدم الجهر بأفكاره.
 

ما يزعجني هو محاولة إقصاء وتهميش لكتاب من قبل وزارة الثقافة وأجهزة مختلفة وعدم الاعتراف بدورهم ومكانتهم ومحاولة دعمهم ومشاركتهم في القرارات التي تصب في مصلحتهم في مختلف المواقع
أنت أديبة لك بصمة على المشهد الثقافي.. ترى ماذا اكتشفت بعد كل هذه التجربة؟

- اكتشفت أنني قادرة على الحفر في مناطق أخرى لكي يبقى اسمي مع الزمن والتغيرات والتحولات، هناك مناطق جديدة عليّ اكتشافها والاختلاف عمّا كتبت في السابق وأبحث عن "ثيمات" جديدة وهذا يلقي عليّ مسؤولية أتحملها ككاتبة في الانطلاق نحو عوالم أخرى وخاصة أن الكتابة بالنسبة لي عملية صعبة وليست ترفا ولا استعراضا، إنما محاولة الحفر والبحث في داخل الذات وسعيها ليكون لها صوتها الخاص وبصمتها الخاصة  ضمن الركام والصدأ الذي يحاول الهيمنة على المشهد الكتابي والإبداعي في المحيط.

هناك إقرار بغياب رؤية نقدية أردنية، وأن النقد مجرد انطباعات شخصية، ما رأيك في ذلك؟

- هناك قدر كبير من الدقة في ذلك لأن النقد لدينا في حالة ركود مستمر وكل ما يكتب عن الأعمال العظيمة من كتاب وليسوا نقادا، وبالأصل ليس لدينا نقاد كبار في الوسط الإبداعي المحلي، وأصبح النقد الآن نقدا ثقافيا ولم يعد ضمن أسوار وأبراج.

وربما هناك غياب للنقاد الأكاديميين الذين تطورا في الجامعات وابتعدوا عمّا يجري في الساحة، ولا أستطيع الزعم بأن لدينا حالة نقدية، لكن هناك حالات فردية لنقاد أستطيع أن أعدهم على أصابع اليد الواحدة يحاولون البحث في المشهد كالدكتور فيصل دراج ومحمد عبيد الله وليس لديّ أسماء أخرى ولا أعلم بوجود تدخلات خارجية ليبقى المشهد الثقافي تحت السيطرة.

وما يزعجني هو محاولة إقصاء وتهميش لكتاب من قبل وزارة الثقافة وأجهزة مختلفة وعدم الاعتراف بدورهم ومكانتهم ومحاولة دعمهم ومشاركتهم في القرارات التي تصب في مصلحتهم في مختلف المواقع .

المصدر : الجزيرة