د. فيصل دراج

أخذت الرواية العربية، منذ ميلادها في مطلع القرن العشرين حتى اليوم، بالقاعدة القائلة: تقوم الرواية بتأويل الواقع ورفضه، متطلعة إلى واقع آخر، يعترف بالإنسان وحقوقه. بيد أن هذا القول توزّع على مرحلتين لا تنقصهما المفارقة، ذلك أن الرواية المتفائلة، التي سبقت مرحلة "الاستقلال الوطني"، ما لبثت أن تخلّصت سريعاً من تفاؤلها بعد مجيء "دولة الاستقلال الوطني"، التي مزجت بين "توطيد الاستقلال" وإلغاء الحريات العامة، كما لو كان الاستقلال لا يستقيم إلا باختصار الإرادة العامة في إرادة سلطة قمعية مكتفية بذاتها، ترى في الحركة الاجتماعية تهديداً لا يمكن القبول به.

ولعل خيبة الأمل الموسعة، التي جاءت بها "الأنظمة العربية الثورية"، هي التي جعلت نجيب محفوظ يكتب بعد سبع سنوات على الانقلاب الناصري 1952 روايته الشهيرة "أولاد حارتنا"، التي ندّدت بالاستبداد السلطوي في جميع الأزمنة. بل إن هذا الاستبداد الذي ألغى، عملياً، معنى "التحرر الوطني" هو الذي دفع الروائي المصري إلى تأسيس رواية الاغتراب السياسي، وأن يعطيها أشكالاً فنية مختلفة، بدءاً من روايته "اللص والكلاب" في مطلع ستينيات القرن الماضي، وصولاً إلى "يوم قتل الزعيم"، التي كتبها بعد رحيل السادات في مطلع الثمانينيات المنقضية.

نجيب محفوظ واجه القمع السلطوي
بالمكر الروائي (الجزيرة نت-أرشيف)
أنجز محفوظ في مشروعه الروائي الخصيب أمرين: أكّد الرواية إبداعاً كتابياً مناهضاً للسلطة بامتياز، وأعاد تأسيسها فنياً، مواجهاً الرقابة السلطوية القامعة بـ"المكر الروائي" وبإستراتيجية التخفّي، التي يمارسها المضطهدون. حدّد التأسيس الجديد، الذي فرضه الواقع المعيش، اتجاه الرواية المصرية لعقود لاحقة، التي أعادت كتابة ما رآه محفوظ في أشكال مختلفة. لا غرابة أن تكون رؤى محفوظ قائمة في أعمال جيل الستينيات والسبعينيات في مصر وخارجها، وأن تكون هذه الأعمال تنويعاً إبداعياً حدد الاغتراب السياسي قبل غيره.

ثلاثة أسئلة
طرحت الرواية المصرية، في شكلها المحفوظي ومشتقاته، وكذا الرواية العربية الموازية بعامة، ثلاثة أسئلة تثير الفضول والشجن في آن: ما الذي جعل دولة الاستقلال الوطني، في العالم العربي، تبني مؤسساتها على القمع قبل غيره، مساوية بين التسلّط وإنجاز الاستقلال؟ وما الذي دفع بالحاكم العربي الجديد، الذي نظرت إليه الشعوب بأمل وثقة، إلى كراهية مجتمعه واعتباره كيانا جديراً بالحصار والمراقبة لا بحقوق المواطنة؟ وما هو مآل مجتمعات عربية هزمها القمع قبل أن تذهب إلى معركة خارجية؟ أو هل يستطيع شعب مكبّل بالقيود أن يأخذ مكاناً جديراً به تحت الشمس؟

طرح الخطاب الروائي العربي أسئلته، موحياً بالإجابة وممتنعاً عنها في آن، لأن الكتابة الروائية نظرياً تكتفي بالإيحاء ولا تقدم إجابة أخيرة. ولعل الإشارة إلى الجواب وعدم التصريح به هو الذي أقنع الروائيين العرب بالعودة إلى التاريخ، مخادعة للرقابة السلطوية وبحثاً عن إضاءة كافية في آن، ذلك أن في اتساع الماضي ما يضيء أسئلة الحاضر.

جمال الغيطاني تأمل في "الزيني بركات"
دور المستبد في توليد الهزيمة الوطنية
(الجزيرة نت-أرشيف)
فقد عاد جمال الغيطاني، في عمله الكبير "الزيني بركات"، إلى القرن السادس عشر، مدفوعاً ربما بهزيمة يونيو/حزيران 1967، متأملاً دور المستبد النموذجي في توليد الهزيمة الوطنية مؤكدا على طريقته أن: السجناء لا يحاربون. ذلك أن الاستبداد ينقذ المستبد ويهلك شعبه، أو يهلكه وشعبه معاً. ولهذا يقول الإنسان العادي في رواية الغيطاني: "اقتحموني وهدموا أسواري". إذا كان في الأسوار المهدّمة ما يحيل على مواطن أعزل صودرت حياته، فإن في "محطّم الأسوار" ما يحيل على سلطة تكره الحياة والبشر الأحرار وتحتفل بالعبيد. ولكن لماذا هذا الإصرار العنيد على توليد العبيد في زمن الحداثة الإنسانية القائلة بمساواة البشر؟

في روايته "نجمة أغسطس"، عمله الأفضل حتى اليوم، عاد المصري صنع الله إبراهيم إلى زمن الفراعنة، باحثاً عن أطياف "العبيد" الذين بنوا أضرحة حكام ألهوا أنفسهم وتطلعوا إلى حياة بعد الموت، بعد أن حرمتهم الحياة من حلم السلطة المتأبدة. غير أنه لم يرجع إلى زمن الأضرحة الفرعونية القاتلة إلا بعد أن تأمل "بناء السد العالي"، كما لو كان يتحدث عن ظلم مكين في جميع الأزمنة. والسؤال المأساوي في هذا المجال هو التالي: إذا كان معنى التاريخ الإنساني ماثلاً في تقدم القيم، كما يقول المؤرخ والفيلسوف المغربي عبد الله العروي، فلماذا تبدو الأنظمة العربية المستبدة بعيدة عن معنى التاريخ والقيم معاً، موحية بأن لها تاريخاً خاصاً يغتال القيم ولا يعترف بها؟

امتداد العصور الوسطى
وقد يبدو السؤال الآن أكثر عنفاً وحزناً واتساعاً، لأنّ نموذجاً من المتسلّطين العرب، الذين سقطوا أو هم في طريقهم إلى السقوط، لا يزال يبدو، في مطلع الألفية الثالثة، امتداداً للعصور الوسطى، أو ما سبقها، فالاستبداد الذي يمارسونه يتجاوز كثيراً تلك الصفات، التي قال بها أرسطو وأفلاطون منذ آلاف السنين.

تمثّل اللامع والمضيء في رواية "نجمة أغسطس" في تلك المقارنة المضمرة، أو الصريحة، بين بناء الأهرامات، الذي اعتمد على تقنية بسيطة وعمال لا حقوق لهم، وبناء السد العالي الذي اعتمد على تقنية معاصرة وعمال من نموذج آخر، كما لو كانت الحداثة السلطوية العربية تقبل بالتقنية، المستوردة غالباً، ولا تقبل بحقوق الإنسان التي جاءت بها الأزمنة الحديثة. ولعل الاستمرارية القاتلة الممتدة بين قهر قديم وقهر لا يكفّ عن التجدّد هي التي أملت على المصري محمود الورداني أن يكتب روايته "زمن القطاف"، التي تقف على مشارف الدولة الأموية وتمتد أماماً إلى الزمن الناصري معتبرة، وبتشاؤم كبير، أن العقاب المهلك هو القاسم المشترك بين زمن السيف وزمن التقنيات العسكرية الحديثة.

غلاف "رحلة ضوء" للراحل عبد الرحمن منيف (الجزيرة نت-أرشيف)

لا تكفر هذه الرواية، وأيضا غيرها، بإمكانيات الإنسان العربي المبدعة، بل تعيّن "المبالغة الفنية" أداة احتجاج وجهر بالحقيقة، ذلك أن السلطات المستبدة تفرض على التاريخ العربي كتابة سلطوية وتعاقب المؤرخ الذي يرفض التزوير. والفرق الأكيد بين كتابة الحقيقة والكتابة السلطوية جعل من الروائي العربي مؤرخاً آخر، يستدرك ما لا يقوله المؤرخون، وجعل من الرواية تاريخاً للمضطهدين بامتياز.

ولهذا عارض عبد الرحمن منيف، في عمله الكبير "مدن الملح"، القول السلطوي بالقول الروائي، راجعاً إلى نهاية القرن التاسع عشر ومتقدماً، أماماً، إلى الربع الثالث من القرن العشرين. لم يكن منيف، ذلك الروائي السعودي النجيب، مشغولاً بكتابة التاريخ، فهو لم يكن مؤرخاً، إنما كان مهجوساً بتقصي الحقيقة، أو بتأويل التاريخ ورفضه، لأن تاريخ السلطة اغتصب تاريخ "متعب الهذّال"، ذلك الإنسان الذي أراد حياة تتفق مع القيم الإنسانية النبيلة.

الهوس السلطوي
من أين جاء الهوس السلطوي، الذي يعتبر البلاد وأهلها ملكية خاصة مطلقة؟ ومن أين جاء هذا التصور الشاذ الذي يعتقد أن الوصول إلى السلطة يعطي الحاكم ولادة جديدة تضعه فوق البشر؟ وهل الإنسان يسيطر على السلطة أم أن السلطة هي التي تسيطر عليه؟

كان المسرحي السوري سعد الله ونوس قد عالج سؤال "السلطة الخالقة" في مسرحيته "الملك هو الملك"، حيث وصول الإنسان إلى السلطة، مهما كان طبعه وأصله ومنبته يصنع منه، مباشرة، صورة عن السلطان الظالم الذي كان، والسلطان الظالم الذي سيكون. لا غرابة أن يعتنق الأدب الكبير، مسرحية كان أو رواية، حلم المدينة الفضيلة، التي ستأتي في زمان ما، تعويضاً عن معيش ضيّق، كدر مياهه "حر وحيد" يصادر دائماً حريات الخاضعين إلى سلطته.

الروائي الليبي إبراهيم الكوني (الجزيرة-أرشيف)
من أين جاء الحاكم الذي لا يسهر إلا على ديمومة سلطته؟ بنى المصري جمال الغيطاني، في روايته "حكايات الخبيئة"، عالماً مليئاً بالأسرار، أشبه باللغز والأحجية، إذ الحاكم هناك في "طابق علوي"، لا يعرف أحد من أين جاء، ولا يعرف أحد إن كان موجوداً فعلاً في مكانه المفترض. وما الافتراض، الذي لا تدركه العقول تماماً، إلا السلطة/اللغز، التي تحكم بأشباحها ورجالها معا، مرئيين كانوا أو مجرد أسماء مرعبة. أمّا المغربي سالم حميش فرجع إلى أزمنة ماضية راسماً في روايته "مجنون الحكم" صورة حاكم متجبّر، يرى ولا يرى، لأنه موجود في جميع الأزمنة.

الفردوس الثوري
والسؤال البسيط: ما الذي جعل الروائيين العرب، منذ هزيمة يونيو/حزيران 1967 إلى نهاية القرن العشرين على الأقل، يعالجون بأشكال مختلفة "الورم السلطوي" بلغة إبراهيم الكوني؟ الجواب واضح وغير واضح معا: واضح في مآل الإنسان العربي، الذي وعدته "الأيديولوجيات الثورية" بالفردوس أو بشيء قريب منه، ثم رمت به إلى متاهة. وهو غير واضح أيضا، لأن بعض المجتمعات العربية، أو المجتمعات العربية في بعض وجوهها، يبدو "استثنائي الوجود"، يعيش في القرن الحادي والعشرين ولا يعيش فيه، وينظر إلى العالم الواسع ولا يشارك في معرفة أسراره، ويعرف أحوال البشر ولا يقاسمهم الحقوق التي يتمتعون بها. شيء استثنائي تماماً أن يعتقد ابن الحاكم أنه يملك والده، وأن الوالد الحاكم يملك الأرض والعباد بلا منازع.

أكدت الرواية العربية في أشكالها الإبداعية أموراً ثلاثة: أنها صوت حر يرفض الواقع القائم ويتطلع إلى واقع بديل يتيح للإنسان أن يمارس إنسانيته، وأنها وثيقة تاريخية تواجه الكتابة السلطوية، التي تتطيّر من الحقيقة، جامعة بين الحقيقة والمضطهدين، كما لو كانت ذاكرة شعبية صاغتها كتابة المتخيّل الروائي، وإضافة إلى هذا وذاك فهي صوت الحداثة العربية، الذي لم تفلح القوى المعارضة للحداثة في وأده.

في هذا كله تكون الرواية قولاً حراً، ومنظوراً يحلم بعالم متحرر من القيود والأقفاص والأسوار.

المصدر : الجزيرة