مشهد من الأوبرا التي تتحدث عن الخلاص الروحي للإنسان (الجزيرة نت)

عماد فؤاد-بروكسل

احتفت العاصمة البلجيكية بروكسل بالموسيقار الياباني الكبير توشيو هوسوكاوا، الذي يمثل بموسيقاه جسرا من التقارب بين الشرق والغرب، وكان الجمهور البلجيكي على موعد استثنائي مع العرض العالمي الأول لأوبرا الموسيقار الياباني الجديدة التي حملت عنوان "ماتسوكازا".

وبدأ عرض الأوبرا مساء الاثنين على خشبة مسرح "ده مونت" في بروكسل، ويستمر حتى الحادي عشر من مايو/أيار الجاري، قبل أن تنتقل إلى عواصم أوربية وعالمية أخرى.

وتدور أحداث الأوبرا الجديدة -التي قامت بتصميم رقصاتها مصممة الرقص الألمانية العالمية ساشا والتس، وأخرجتها البلجيكية آنا تيريزا كيرسمايكر- حول الرغبات غير المتحققة والخلاص الروحي، من خلال قصة شقيقتين هما ماتسوكازا وموراساما، اللتان تفقدان قلبيهما في حب رجل نبيل يعيش في المنفى، وبعد موتهما بأعوام طويلة، تظل روح كل منهما طائفة تتعذب وتهفو لهذا الرجل.

الموسيقار الياباني توشيو هوسوكاوا
خلال حفل الأوبرا ببروكسل (الجزيرة نت)
ويعبر الموسيقار الياباني عن عذاب الشقيقتين بالموسيقى الرتيبة تارة والمجنونة تارة أخرى، التي بدورها تقود الممثلتين إلى الرقص بتعبيرية عالية، حيث قامت مصممة الرقص ساشا والتس بتصميم رقصات تمزج فيها بين جنون الحركة والروح البكر للموسيقى التي وضعها الموسيقار الياباني.

فالمشاهد لا يلتقي في أحداث العمل الأوبرالي إلا بطيفين يمثلان روحي الشقيقتين الميتتين، ومن ثم حرصت مصممة الرقص على استخدام العديد من الإيحاءات اليابانية في تصميم رقصاتها، ومن أبرزها استخدام أوراق مصنوعة من نبات الأرز التفت بها أجساد الراقصين، وأوحت للمشاهدين بوجودهم الطيفي في فضاء المسرح، وهو ما أضفى على العمل لمسة سحرية عميقة.

ثنائية الروح والجسد
الغريب أن العمل الأوبرالي الذي استمر ساعتين كاملتين أدهش الحاضرين بقوة استحضاره الموسيقي والتعبيري لأثر الموت الجسدي على الروح، حيث تعامل توشيو هوسوكاوا في موسيقاه مع الأرواح بوصفها الجسد الحقيقي للبشر.

توشيو هوسوكاوا:
الأوبرا قائمة على نقطة تقليدية في المسرح الياباني، ألا وهي العلاقة بين الحياة والموت، وهو ما جعلني أستعين بالأرواح باعتبارها الخلاصة الحقيقية لوجودنا كبشر
وعن هذا يقول توشيو هوسوكاوا في تصريح خاص بالجزيرة نت إن "الأوبرا قائمة على نقطة تقليدية في المسرح الياباني، ألا وهي العلاقة بين الحياة والموت، وهو ما جعلني أستعين بالأرواح باعتبارها الخلاصة الحقيقية لوجودنا كبشر".

ويوضح "قبل أن أضع اللمسات الأخيرة على هذا العمل فجعت مع الملايين من أبناء شعبي والعالم أجمع بما حدث في اليابان من تسونامي وزلازل غير مسبوقة، وهو ما جعلني أعيد صياغة العمل اعتماداً على فكرة واحدة، مؤداها أن كل هؤلاء الآلاف الذين ماتوا، ماتوا دون أن يعرفوا سببا لموتهم، وأن أرواحهم انتزعت من دون أن يعرفوا أين تذهب أرواحهم، لذا فإنني أهدي هذا العمل إلى جميع ضحايا الكارثة الطبيعية التي ألمت ببلدي قبل شهرين، وإلى جميع ضحايا الحروب والمجاعات في كل مكان من العالم".

واستخدم توشيو هوسوكاوا العديد من أصوات الطبيعة -كصوت سقوط الماء وأصوات الرياح وأصوات الطيور- في عمله الأوبرالي، مما جعل القصة التي نراها رقصا ونسمعها موسيقى وغناء تحيلنا إلى مناخات طبيعية مقصودة.

كارثة تسونامي
وعن هذا الاستخدام يقول هوسوكاوا "حين انتهيت من مرحلة التأليف الموسيقي للأوبرا وسجلتها على أسطوانة، جاءتني فكرة إضافة أصوات طبيعية إلى العمل، من شأن إضافتها أن تدعم أجواء القصة بمناخات جديدة وأفضل، فاليابان بلد ذو ثقافة وحضارة تحتفي بالطبيعة بشكل لا يمكن أن تجده في حضارات أخرى".

مصممة الرقص الألمانية ساشا والتس (الجزيرة نت)
ويقول "والآن عندما أستمع إلى الموسيقى النهائية للعمل، لا يمكنني التفكير إلا في كارثة تسونامي، وللعلم فإن عنوان الأوبرا "ماتسوكازا" يعني في اليابانية صوت الرياح وهو يعبر شجرة نحيلة، وكنت أقصد به رياح الموت حين تعبر هشاشة الأشخاص العاشقين، الآن أكتشف أن كل ياباني هو روح هشة أمام رياح الطبيعة العاتية".

ترجمة الموسيقى
أما مصممة الرقص الألمانية ساشا والتس (47 عاما) فتعتبر واحدة من أبرز رموز الرقص الحديث في أوربا والعالم، تميزت باشتغالها الحسي على مشاعر الراقصين الداخلية، محولة كل شيء إلى حركات راقصة، بدءاً من المشاهد والتفاصيل اليومية، وصولاً إلى المشاعر والأفكار والأحاسيس ونغمات الموسيقى، كلها تتحول إلى رقصات وإلى حركات مفعمة بالطاقة والحيوية، التي بدورها تثير خيال المشاهد وتقوده إلى عالم أحلامه الخاص.

وكانت ساشا والتس قد أسست فرقتها الخاصة للرقص الحديث في عام 1993 بمدينة برلين تحت اسم "ساشا والتس والضيوف"، وقد جابت مختلف أنحاء العالم، بما فيها العديد من البلدان العربية مثل مصر وفلسطين وبعض الدول الخليجية.

وعن توظيفها للرقصات التي أثرت من العمل الموسيقي للياباني توشيو هوسوكاوا، تقول والتس "الحقيقة أنني عايشت الموسيقى طويلاً قبل أن أقدم على تصميم رقصات الأوبرا، وعدت كثيراً أثناء تلك المعايشة إلى الأجواء اليابانية التقليدية، فشاهدت من جديد أفلام المخرج الياباني أكيرا كيراساوا الذي أعتبره شاعر السينما العالمية".

ملصق الأوبرا اليابانية في أول
عرض لها في بروكسل (الجزيرة نت)
الثقافة اليابانية
وتوضح المصممة أنها وظفت مفردات الثقافة اليابانية التي تراها واحدة من أغنى ثقافات العالم في الرقص، وتقول إن "اللعبة كانت بالنسبة لي هي كيفية ترجمة هذه السيول الجارفة من الموسيقى الحزينة إلى رقص وحركات إيقاعية، وأعتبر أن الفضل في نجاحي يرجع إلى اجتهاد الراقصين، الذين منحوني كل ما لديهم ليخرج العمل بهذا الشكل الذي أعجب الجمهور البلجيكي".

يذكر أن العرض العالمي الأول لأوبرا "ماتسوكازا" ضم في قيادة الأوركسترا الموسيقار بابلو هيراس كاسادو، وصممت الرقصات وأخرجتها الألمانية ساشا والتس، وقامت الفنانة الألمانية بيا ماير شخريفر واليابانية شيوتا شيهارو بتصميم الديكورات، أما كريستين بيركل فقد تولت تصميم الملابس.

وقامت ببطولة الأوبرا الراقصة باربارا هانيجان في دور ماتسوكازا، وقامت بأداء دور موراساما الراقصة السويدية شارلوت هيلي كانت، وعزفت الموسيقى أوركسترا الحجرة وأوركستر برلين.

المصدر : الجزيرة