سيف دوق ميلان الذي عرض خلال معرض كلوني بباريس (الجزيرة نت)

                                          أنطوان جوكي-باريس

يبدو السيف قطعة بسيطة حاضرة في مخيلة جميع الشعوب منذ أقدم العصور، لكن قيمته واستخداماته الرمزية متنوّعة بشكلٍ مذهل، وتتجاوز كونه مجرد سلاحٍ فتّاك. ذلك ما يوحي به معرض "السيف باستخداماته وأساطيره ورموزه" في متحف "كلوني" الباريسي، وهو يتألف من عشرات القطع والمخطوطات واللوحات والتحف الفنية المختلفة التي تغطي فترة القرون الوسطى.

وفي القسم الأول من المعرض نتعرّف إلى السيف بوصفه قطعة مادّية فيتبيّن لنا حضوره في جميع الثقافات التي مارست مِهَن التعدين، وعلى رغم بساطة شكله وسهولة التعرف إليه لتكوّنه من نصلٍ وشارِب (يحمي اليد) ومقبض وتُفَيْحَة (كرة صغيرة في طرف المقبض)، فإن صناعته تتطلب مزايا عدّة، متضاربة أحيانًا (خفة وصلابة، لدانة وحدّة قاطعة)، تستدعي تقنيات صهر وحدادة معقّدة.

ولأنه كان يعكس مرتبة حامله الاجتماعية، فقد تحوّل إلى سلاحٍ ثمين، فزخرف بطريقة غنية، ورُصّع أحيانا بحجارةٍ كريمة وحُمل بأبّهة، وإن بقي دوره الرئيس حماية حامله.

سيف أبي عبد الله محمد الثاني عشر آخر ملوك الأندلس (الجزيرة نت)
صناعة السيف
القسم الثاني من المعرض يتناول عملية تصنيع السيوف في القرون الوسطى التي ارتكزت عموما على تطريق الحديد (أو المزيج المعدني) بعد تحمِيَته، لكن لإنتاج سلاح فعّال، يجب على الحداد أيضا التحكّم في تقنيات أخرى عديدة، بعضها جلب شهرة واسعة لمبتكرها، كسيوف "جيسلان" أو "إينجلري" الشهيرة.

ومن استخراج الحديد إلى انتشار السيوف المنجَزة بعيدًا عن مراكز الإنتاج، تشهد القطع الحاضرة في هذا القسم على حجم التبادلات الضخم داخل أوروبا آنذاك وبين أوروبا وشرقنا.

وفي القسم الثالث من المعرض، نتأمل تطوّر أشكال السيف في القرون الوسطى الذي جاء ثمرة اعتباراتٍ تقنية وجمالية وقتالية، ونتعرّف إلى الترتيبين المعتمدين لتحديد المزايا الرئيسية لأنواعه: ترتيب بيترسن الذي يتناول سيوف الفايكينغ، وترتيب أواكيشوت الذي يُكمّل الترتيب السابق ويذهب به حتى نهاية القرون الوسطى.

ويظهر من هذين الترتيبين تنوعٌ كبير في أشكال السيوف وفقًا لمعايير مختلفة: عرض النصل، وجهة وطول الشارب، شكل وسُمْك التُفَيْحَة.

ويتوقف القسم الرابع من المعرض عند الاستخدامات العديدة للسيف، تلك الواقعية التي كانت تتم في ظرف قتالي أو خلال مواجهة (مبارزة، مباراة، صيد)، ويظهر فيها السيف سلاحًا مثاليا خلال الالتحام بالعدو لسماحه بخيار واسع من الممارسات والمناورات التي كان يتم تعليمها على يد مدرّبين مختصّين، والاستخدامات الرمزية للسيف نظرًا إلى حضوره في جميع جوانب الحياة المدنية والدينية.

صورة مجازية

حتى داخل ثقافتنا الحديثة والمعاصرة، يُظهر المعرض عدم تواري السيف كليا ومحافظته على شحنته الرمزية وهالته الأسطورية
ولأن حامله كان يتمتع بسلطة الحياة والموت على الآخرين، شكّل السيف رمز القوة والنفوذ، كما أن حدّي نصله المتوازيين يرمزان إلى العدالة، رَمَز السيف بأكمله إلى مفاهيم عدّة كالواجب والشرف وحماية الحق والضعيف، وتطلّب من حامله فضائل كثيرة أبرزها القوة والشجاعة والعدالة.

ويُركّز القسم الخامس من المعرض على ازدواجية السيف لإمكانية توظيفه لصالح الخير أو الشر، فإلى جانب كونه صفة القاضي والجلاد المسؤولَين عن تطبيق القانون، اعتُبر أيضا أداة خطيئة لدوره في عمليات القتل أو الخيانة، من هنا بعض تمثيلاته السلبية كرمزٍ لقسوة القاتل وبطشه.

وفي الأدب الروائي، استُخدم أداة انتحار ضمن حركةٍ تحلّت ببُعدٍ نبيل لتجسيدها غالبًا يأس العاشق، ويسلّط القسم السادس الضوء على العلاقة العاطفية التي كانت تربط حامل السيف بسيفه إلى حد منحه أحيانا اسما أو تسجيل علامات تملّكٍ عليه، خصوصًا حين يتم انتزاعه من عدوٍّ باسل.

أما القسم السابع من المعرض فيتناول مسألة لجوء الأدب الديني والأخلاقي والروائي إلى سلطة السيف الرمزية  كصورةٍ مجازية، وعملية تمثيله التشكيلية التي وظّف فيها الأدباء والفنانون كل عبقريتهم ومهاراتهم، بدون إهمال استخدام الكنيسة أيضا السيف كصفة أو رمز لعدد من قديسيها من منطلق مدافعتهم عنها أو دورهم العسكري السابق أو حتى موتهم كشهداء بحد السيف.

ولا يتوقف المعرض عند هذا الحد بل يقارب في قسمه الثامن موضوع سيف الملك الذي شكّل أداة تنصيب الملوك وكان بوحده قادرًا أحيانا على تمثيل الملك والمملكة خلال الاحتفالات الرسمية، وبالتالي كان يتمتع بهالةٍ خاصة ويُشكل أداةً تضفي شرعيةً على سلطة الأجيال اللاحقة.

وفي السياق ذاته، يستحضر المعرض لوحات حول حفلات تدريع الفرسان لإظهار كيف كان الملك يضع طرف سيفه على كتف الشخص المنتخب من أجل ترقيته إلى رتبة فارس، إضافة إلى استلام هذا الأخير سيفا يرمز إلى نوعٍ من الولادة الثانية له.

سيف ملك  فرنسا شارلوماني (الجزيرة نت)
البعد الأسطوري
ولأن بعض السيوف ارتبطت أسماؤها بأسماء أصحابها العظماء، وإن لم تنتمي إليهم أصلاً، يكشف المعرض في قسمه التاسع عن مجموعة من هذه القطع التي يتمتع بعضها بمزايا فريدة، كسيف دوق ميلان، ويشكّل بعض آخر موضوع فضولٍ، وأحيانًا تبجيل، حتى العصر الحالي، رغم شكله العادي، نظرًا إلى أهمية صاحبه أو قصته، كسيف أغنية رولان، دورانتال، أو سيوف القديسين المرصّعة غالبًا بالأحجار الكريمة ويُنظر إليها كذخيرةٍ دينية بالغة الأهمية.

أما القسم العاشر والأخير من المعرض فيُبيّن كيف بلغت بعض السيوف مرتبة القطعة الأسطورية، بمساهمة الأدب الكبيرة في تشكيل هذا البُعد الأسطوري وفي إيصاله إلينا أصداء أسماءٍٍ لا تزال رنانة مثل دورنتال الذي سبق ذكره أو "السعيد" (سيف الملك شارلوماني) أو "إكسكاليبور" (سيف الملك أرثور) أو "هوتكلير" (سيف الفارس أوليفيي)، وهي سيوفٌ تمتعت بقوة خارقة وسمت فوق كونها قِطَعًا جامدة لتبلغ حدود الأنسنة، كما يشهد على ذلك حَمْل كلٍّ منها اسمًا خاصا.

وحتى داخل ثقافتنا الحديثة والمعاصرة، يُظهر المعرض عدم تواري السيف كليا ومحافظته على شحنته الرمزية وهالته الأسطورية، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، تتمتع القرون الوسطى الغوطية بشغفٍ كبير من قبل الرسامين والكتاب.

وضمن هذه الثقافة، يجسّد السيف الفروسية، كما لا تزال بعض استخداماته وتمثيلاته تفتن المخيلة الجماعية وتسكنها، الأمر الذي يفسّر رياضة المسايفة الممارَسة إلى حد اليوم، ولكن أيضا حضور السيف الثابت كهدية دبلوماسية، كسلاح أبهة وعرض داخل الجيش أو كغرض يومي عادي.

المصدر : الجزيرة