"حيوات أخرى".. هواجس الرحيل والعودة
آخر تحديث: 2011/5/15 الساعة 19:05 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/13 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/5/15 الساعة 19:05 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/13 هـ

"حيوات أخرى".. هواجس الرحيل والعودة

الروائية اللبنانية إيمان حمدان (الجزيرة نت)

حاورها/ محمد الحمامصي

تشتغل الروائية اللبنانية إيمان حمدان في روايتها الجديدة "حيوات أخرى" على نسج عميق لحيوات تتجلى فيها الآثار العميقة التي خلفتها الحرب الأهلية على المجتمع اللبناني، وهي التي لم تترك هذا الاشتغال منذ عملها الروائي الأول "باء مثل بيت مثل بيروت" ومرورا برواية "توت بري"، تعميقا لرؤيتها وتقنياتها الروائية.

الجزيرة نت التقت إيمان حمدان وحاورتها بشأن أبعاد روايتها الجديدة وحلة شخوصها الوجودية بين الرحيل والعودة.

لماذا "حيوات أخرى" وليس "حياة مريام" بطلة الرواية وراويتها؟

إنها رواية الذاكرة، الراوية تتذكر، وفي التذكر عودة إلى حيوات لم تُعش كاملة بل مبعثرة غير مكتملة، كل ذكرى تحمل في طياتها مشروع حياة لم يكتمل، هكذا هي ذاكرة الحروب و"التروما" والهجرة، إنها محاولة للملمة أشلاء حياة تحولت بفعل الزمن إلى أكثر من حياة وأكثر من ذاكرة واحدة.

وفي حياة مريام أكثر من حياة وأكثر من ذاكرة، إنها ذاكرة الجماعة، الوطن، الفرد والجسد، "ذاكرات" بمستويات عدة، أحببت كلمة "حيوات" بدل "حياة" لهذا الأمر، ولأنني أعتقد أن تجربة كل فرد منا غنية وعديدة، وهي تجارب تعاش على مستويات عدة في أزمنة وأمكنة مختلفة بحيث تستطيع أن تؤلف حيوات عدة.

هل اختلفت حيوات مريام عن حيوات بطلات لك في روايتيك "باء مثل بيت مثل بيروت" و"توت بري"؟

غلاف رواية حيوات أخرى لإيمان حمدان (الجزيرة نت) 
مريام  تزور بطلات الروايات الأخرى، الكاتب يوسف بزي في حديث بيننا قال لي كأنك في "حيوات أخرى" تغلقين ثلاثية بدأت بها في "باء مثل بيت" أحببت ما قاله لأنني أجده إلى حد ما صحيحا، الحيوات تختلف ذلك أن في "باء مثل بيت" تحلم النساء بالهجرة، أما في "حيوات أخرى" فهن قد هاجرن ثم عدن، كأن دائرة التجربة تكتمل لتعاود القول إن البحث هو في الداخل داخل الذات وليس في أي مكان آخر.

عودة مريام إلى بيروت هروبا من حياة بلا معنى وبحثا عن بقايا الحبيب الأول الضائع، وذكرى ضياع أول حمل منه، وإرث الجد والعائلة، وحكايات الحرب والمفقودين قسرا، ما الذي كنت تخططين له وتفتشين عنه حين بدأت كتابة الرواية؟

-في "حيوات أخرى" يسكن الراوية هاجس العودة بعد أن سكن راويات "باء مثل بيت" و"توت بري" هواجس الرحيل، لكن أي عودة هي التي تنتظر مريام، هل هي تماما ما تفتش عنه، أم أن ما ستعيشه سيكون مختلفا تماما؟ تركت مدينة  عاشت الحرب والانقسامات والتحولات الاجتماعية والديمغرافية، وها هي الآن تعود إليها لتشهد ليس فقط تحولاتها العامة، ولكن تحولات الأفراد التي طالت علاقتهم بتجربة الحرب والأمكنة والماضي.

ليست الحرب نفسها هي التجربة المهمة في الكتابة الأدبية بل كيف يتم التعاطي معها إنسانيا وحياتيا، وكيف يتم تغير الفرد أثناء تلك التجربة

التفتيش عن الآخرين هو ذريعة، ذلك أن التفتيش الأول والحقيقي هو ليس عن الآخرين بل عن الذات وعن ذاكرة ضائعة مشتتة لا تستطيع الراوية أن تبني عليها مستقبلا دون العودة إلى شتاتها ولملمته، كمن تلملم بقايا نفسها وجسدها لتبدأ من جديد.

إنها حكاية الفينيق بمعنى ما، إلا أنه فينيق يشرف على استعمال ذخائره الأخيرة رغم رغبته الطبيعية بالحياة والاستمرار.

إذن هو حساب الراوية مع نفسها أولا، قبل أن يكون أي شيء آخر، ثم هو تصفية حساب مع الماضي، بكل ما يحمله من عنف وقمع وصمت، صمت النساء وسيطرة الرجل على القرار الذي لم يؤد إلا إلى إشعال الحروب وتفتيت العائلات والهجرة.

 دخلت مريام في علاقات متعددة في الرواية بماذا تفسرين ذلك؟ وما الذي يضيفه الجنس الموجود في ثنايا الرواية؟

الجنس جاء طبيعيا داخل سياق روائي، ولم يأت مصطنعا أو مسقطا، بالتالي لا تفسير له وليس له مفهوم جديد خارج المفهوم الإنساني للعلاقات البشرية التي تحب وترغب وتريد أن تعيش رغباتها ومشاعرها بحرية دون رقابة.

أمّا مفهوم الجنس عامة في الرواية فهو متعدّد ومرتبط بحساسيّة الراوية ومزاجيتها وميلها الجدلي، تتعايش مع عدم الحب وتحلم بالحب، الجنس وسيلة لالتقاط شيء من الوجود. 
  
هل نفهم من ترك الرواية مفتوحة على علاقة مريام ونور، أن مريام وجدت حياة أخرى خلاف تلك التي تركتها وراءها في مومباسا مع كريس وفي أستراليا مع العائلة؟

مريام قطعت أميالا ضوئية في حكايتها، تركت وطنها وهاجرت حاملة معها جروحا، من الصعب التصالح مع ما خلفته من ندوب ستبقى مائلة في النفس والذاكرة، لكنها تريد أيضا بدء حياتها من جديد وبقوة، حياة لا تذكرها بآثار ما عاشته في هجراتها المتنقلة من صدمات، هذا ما تريده من عودتها، لكن في عودتها أيضا مواجهة حادة وحاسمة مع المكان الذي جرحها، ومع الذكريات التي أوجعتها، وهذا لا بد منه لغلق دائرة حياة وبدء حياة أخرى.

بهذا المعنى هي أيضا حيوات بعضها ينتهي ليبدأ البعض الآخر، عودتها حياة جديدة، تترك مفتوحة على كل الاحتمالات كما ذكرت أنت في سؤالك.

كل الحيوات في الرواية تعاني العجز والسقوط الأم، الأب، الحبيب المفقود، الصديقة المريضة، الجدة التي تموت، الطفل الذي تم إسقاطه، الحبيب الرحالة بحثا عن الجذور، هل تدينين الحرب وتحملينها مسؤولية كل هذا؟

غلاف رواية "باء مثل بيت مثل بيروت"
(الجزيرة نت)
أميل أكثر إلى القول إن معاناة العجز والسقوط هي وجودية أكثر منها نتيجة لحرب وقعت في زمن ومكان ما، مأزق الوجود نفسه والأسئلة التي تدور حوله، مأزق الفرد وتجاربه الصغيرة، وسط أسئلة الموت والحياة هو ما يعطي الأدب أهميته.

إنها ليست الحرب نفسها هي التجربة المهمة في الكتابة الأدبية بل كيف يتم التعاطي معها إنسانيا وحياتيا، وكيف يتم تغير الفرد أثناء تلك التجربة. المهم هو الإنسان في النهاية في أي وضع كان وضمن أي تجربة هذا لا يهم، المهم كيف عاش تلك التجربة وكيف عكسها لنا نحن أخوته في الإنسانية؟

الحرب في عملي هي نتيجة تجربة وحياة، وبالطبع أدينها كما أدين أي عنف ضد الفرد والمجتمعات، لكنني مع ذلك أبقى أراها  كعنصر استعنت به لأضع الرواية في مكان وزمان معينين ومنها انطلق لأظهر عبرها معاناة الفرد أمام العنف وقسوة الحياة والذاكرة المشطوبة.

الوحدة وغياب التواصل بين الجنسين، والحب والرغبة، وصدمات الحياة، والصمت والذاكرة المبعثرة، هي مواضيع غالبا ما يتطرق إليها الأدب ما بعد الحداثي، أكان ذلك ضمن قصة حرب أم لا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات