حنين فرنسي دائم للمخرج كوبريك
آخر تحديث: 2011/5/14 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/12 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/5/14 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1432/6/12 هـ

حنين فرنسي دائم للمخرج كوبريك

 مقتنيات شخصية للمخرج ستانلي كوبريك أثناء عرضها بمتحف سينما برسي في باريس (الأوروبية)

بوعلام رمضاني-باريس

ما زال معرض ستانلي كوبريك الذي ينظمه متحف سينما برسي في باريس منذ 23 مارس/آذار الماضي ويستمر حتى 7 يوليو/تموز المقبل، حديث كل الأوساط الإعلامية والفنية ويلقى إقبالا مكثفا من الجمهور، مما يعبر عن حنين فرنسي قوي إلى السينمائي الراحل الذي اعتبره كل النقاد أحد كبار الفن السابع في القرن العشرين.

وأول ما يلفت الانتباه لزائر المعرض، كثرة الجمهور من مختلف الشرائح والأعمار والجنسيات. وكان حضور بعض المهاجرين العرب -الذين لا يحضرون التظاهرات الثقافية بالقدر الكافي- مفاجأة أكدت عمق الأثر الذي تركه ستانلي في قلوب وعقول الملايين من المغرمين بالفن السابع.

الملابس التي ارتداها الممثل كيرك دوغلاس في فيلم "دروب المجد" (الجزيرة نت) 
قيمة فنية
جمهور المعرض الذي تكوّن أيضا من سياح أميركيين كثيرين، استعاد ذكريات معشوقه السينمائي من خلال مشاهدته لقطات تاريخية محفورة في مخيلاته، وكاميرا 35 ملم التي استعملها عام 1930، والأزياء التي لبسها الممثل كيرك دوغلاس في فيلم "سبارتاكوس"، وأريكة لوليتا الحمراء في فيلم "لوليتا"، ومجسم القنبلة التي استعملت في فيلم "الدكتور فولامور" الذي أخرجه عام 1964.

وتجاوز فضول الجمهور هذا المستوى، عندما راح بعض الزوار يدققون في تصاميم مشاهد الحروب ودفاتر تتضمن خطة التركيب بيد كوبريك وقراءة مقالات الصحف المنوهة بإبداعاته ومتابعة شهادات كبار السينمائيين من أمثال سبيلبرغ وويلز وسكورسيزي ونقاد وممثلين عرفوه عن قرب.

ويعد كوبريك المولود يوم 26 يوليو/تموز 1928 في نيويورك والمتوفي يوم 7 مارس/آذار 1999 في لندن، السينمائي الوحيد الذي جمع بين التصوير والكتابة والتركيب والإنتاج، وانفرد بتقنيات عالية جسدها في 13 فيلما قدمها خلال 46 عاما.

وأدهش ستانلي العصامي محيطه بسرعة عام 1950، حينما أصبح كاتب سيناريو ومؤطرا ومهندس صوت ومركّبا ومخرجا، ومكنته هويته الفنية الشاملة والمتميزة عام 1953 من إخراج فيلمه الطويل الأول "دمعة ورغبة"، وفيلمه الثاني "قبلة القاتل" عام 1955، ثم الفيلم الثالث "الغزوة الوحيدة".

واستطاع كوبريك رغم سيناريوهات عادية تدور حول القتل والحرب والسرقة أن ينحت لنفسه مكانة كبيرة باعتراف المخرجين الأميركي أورسن ويلز والفرنسي جان لوك غودار، والناقدة الكبيرة بولين كايل التي اعتبرت فيلمه الثالث تاريخ انطلاقته الحقيقية كمبدع سينمائي موهوب.

ملصق معرض كوبريك في باريس (الجزيرة نت)
أعمال خالدة
ويلحظ المتجول في معرض كوبريك توقف الزوار أمام الشاشات الضخمة التي كانت تعرض كل أفلامه المؤرخة لمسيرته الفنية، وخاصة الازدحام الشديد أمام شاشة فيلمه الرابع "دروب المجد" (1957) الذي عالج فيه عبثية الحرب من خلال أحداث حقيقية لعام 1917.

وسمح كوبريك في فيلمه للممثل الكبير كيرك دوغلاس بتأكيد قدرته التمثيلية الكبيرة ومكنه من أداء دور العقيد داكس، بعدما أوقف فيلم "وجها الانتقام" مع النجم الكبير الآخر مارلون براندو الذي أتم إخراجه لوحده بدعم من هوليود.

وتسبب فيلم "دروب المجد" في ضجة سياسية وإعلامية ضخمة أدت إلى عدم عرضه في فرنسا حتى عام 1972 نتيجة اعتراض السلطات الفرنسية عليه بحجة اعتباره نقدا مباشرا للجيش الفرنسي. وأعطى الفيلم بعدا جديدا لهوية كوبريك الأيدولوجية والوجودية، بعدما أصبح همه تصوير عالم على حافة الانهيار وسيكولوجية أصحاب الشخصية الازدواجية.

وتعميقا للنجاح التجاري الذي عرفه الفيلم الرابع، عرض كوبريك مجددا على دوغلاس تقمص دور مهم في فيلم "سبارتاكوس" عام 1960. وتحصل الفيلم على أربع جوائز أوسكار، رغم عدم ارتياح كوبريك للتصور الأخلاقي الذي طبع سيناريو تمرد العبيد الرومان.

 إحدى الكاميرات التي استعملها ستانلي كوبريك في تصوير أفلامه (الجزيرة نت)

إثارة للجدل
وضرب كوبريك موعدا جديدا مع الضجات الإعلامية عند إخراجه فيلم "لوليتا" الذي استوحاه من رواية المثير للجدل أيضا الكاتب الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف.

وتسبب كوبريك هذه المرة في إثارة غضب المحافظين الذين لم يستسيغوا قصة كهل يقع في غرام الفتاة لوليتا التي لم تتجاوز سن الثانية عشرة، وذلك رغم اجتهاد كوبريك في تقديم عمل بعيد عن الإثارة الجنسية التي تحتويها الرواية المقتبسة.

وجدد صاحب المسار السينمائي المثير إنجازاته الفنية من خلال فيلم "الدكتور فولامور" عام 1963، واستوحى فيلمه هذه المرة من رواية "الإنذار الأحمر" لبيتر جورج التي أضحت نموذجا للكوميديا السوداء، ومبررا "خياليا" لإمكانية تصور اندلاع حرب نووية يقودها قائد عسكري مجنون.

وحقق فيلم "الدكتور فولامور" نجاحا جماهيريا وتجاريا منقطع النظير، وتحصل كوبريك من خلاله أيضا على أربع جوائز أوسكار شملت الإخراج والتمثيل والاقتباس والجودة.

ومضى كوبريك في رحلته الجديدة مع الخيال العلمي، وأخرج عام 1968 فيلم " 2001 أوديسا الفضاء" الذي مثل تحولا جذريا في تجربة أفلامه الخيالية العلمية.

واعترف المخرج الكبير جورج لوكاتش إثر وفاة كوبريك بأن فيلم "2001 أوديسا الفضاء" يعد تتويجا طبيعيا لمسار سينمائي استثنائي، كان عليه أن يثبت فيه قدرته الفنية في مجال المؤثرات البصرية التي وظفها لاحقا بصفة بديعة ومدهشة في فيلمي "باري ليندن" و"الساطع".

المصدر : الجزيرة

التعليقات