أصوات المثقفين السوريين اختلفت حول ما تشهده البلاد من أحداث (رويترز)

الجزيرة نت-خاص

أفرزت الأحداث الأخيرة في سوريا حالة انقسام شديدة بين المثقفين السوريين في الداخل والخارج، وبدأت حروب التخوين والاتهامات بالعمالة تطلق في كل الاتجاهات.

ولم يزل التراشق بالاتهامات مستمراً بين المثقفين السوريين الذين أدانوا المجازر اليومية ضد المحتجين من قبل النظام السوري، وبين المثقفين والفنانين الذين صمتوا وتغيبوا عن أحداث بلادهم.

الجزيرة نت تستطلع آراء عدد من المبدعين السوريين في الداخل والخارج حول أسباب غياب كثير من أصوات المثقفين السوريين في الداخل، وما إذا كان هذا الغياب سبباً في الاتهامات الكثيرة من البعض للبعض الآخر بالتخوين والعمالة، هناك من التمس العذر لمن صمتوا وتغيبوا، وهناك من رأى أن الصمت على ما يحدث الآن لا يمكن إلا أن يكون جريمة.

خلف علي خلف: مطلوب من المثقفين الصامتين أن يرفعوا أصواتهم (الجزيرة نت)
حسابات إنسانية
الشاعر السوري خلف علي الخلف، وهو صاحب ومدير موقع جدار الإلكتروني، يشدد على عدم انعزال المثقف السوري عما يحدث في بلاده حالياً، ويقول "الذين كانوا يتحدثون من قبل مضوا في نسقهم، بل رفعوا سقف مطالبهم عالياً حتى لامس سماء الوطن، هؤلاء كانوا ومازالوا شجعاناً لم يقصروا حديثهم كي لا يدخلوا السجون حتى في أحلك الفترات".

ويفرق الخلف بين أنواع هؤلاء المثقفين، فهناك "نوع من الكتاب الذين كانوا يستفيدون من كل مكاسب النظام ومن موائده، ويتحدثون كمعارضين أو حتى يقدمون أنفسهم كمعارضين، هؤلاء انكشفوا ليس لأن حديثهم تغير، ولأنهم ما زالوا يتحدثون حتى الآن عن الوطن وعن الإصلاح وعن ضرورة مكافحة الفساد وهذا الكلام العائم، لكن النظام أجبرهم هذه المرة أن يكون موقفهم واضحاً ضد هذه الثورة".

ويؤكد أن هؤلاء "خرجوا بالرطانات نفسها التي كانوا يكذبونها ويسخرون منها عندما كانت تتعلق بمصر، من تسفيه الحكاية السلفية إلى تسفيه حكاية القناصة والعصابات المسلحة، لكنهم في سوريا يصدقونها لأن نظامهم اخترعها لهم ولأمثالهم، هؤلاء لم يكونوا مع الشعب يوماً ولا مع الوطن، بل كانوا دائماً مع مصالحهم، والقائمة طويلة ويمكن لي أن أعدد لك أسماء كثيرة من قوائم العار هذه".

ويضيف أن هناك حسابات إنسانية يمكن تفهمها، فلا يوجد مدى يمكن تخيله للحدود التي قد يبلغها القمع الذي يمارسه النظام "وأريد من هؤلاء النزيهين الصامتين أن يرفعوا أصواتهم، لأن الصمت عما يحدث في درعا غير مبرر وغير أخلاقي، بغض النظر عن رفع الصوت ضد النظام من عدمه، وكل من يصمت عن ذلك فهو شريك في الجريمة".

من جهته اعتبرالشاعر السوري المقيم بالسويد فرج بيرقدار أن صمت المثقف السوري في الداخل ليس دائماً نتيجة للخوف أو المهادنة، بل "هناك مثقفون لا يخافون على حياتهم بل على الثورة، ولهذا فقد آثروا التخفّي والعمل الميداني والإعلامي، وهؤلاء للأسف قلة، ولكنها فاعلة ومؤثرة، يضاف إليهم مثقفون وفنانون يدينون ممارسات النظام بطريقة هادئة ورصينة كما رأينا في بيان السينمائيين السوريين وانضمام سبعمائة سينمائي عالمي في التوقيع على بيانهم".

ويضيف "هناك بالطبع آخرون يخشون على حياتهم، وأحياناً على مصالح رخيصة وآنية، ونوع ثالث تأخذه ديماغوجيا النظام وأحاديثه عن الممانعة والمقاومة وإسرائيل وأميركا، فينحاز لطاحونة النظام وخطابه، ويمكننا في الواقع إضافة نوع رابع يتخوّف من أن يكون البديل حكماً إسلامياً سنياً، يمكن أن يتهدد الطوائف والمذاهب والأديان المختلفة".

حسين الشيخ: هناك من المثقفين من شارك النظام في نشر أجواء الخوف (الجزيرة نت)
فزاعة الحرب
الشاعر السوري حسين الشيخ، وهو محرر موقع صفحات سورية ويقيم في فنلندا، شدد على ضرورة تأمل المرحلة التي شهدت إفراغ المجتمع السوري من كل مقوماته السياسية في الستينيات والسبعينيات، ثم المواجهات الدموية بين الإخوان المسلمين والنظام، ثم معاناة هذا الجيل خلال حقبة الثمانينيات من أهوال المقاطعة الاقتصادية والعزلة عن العالم، وإمعان النظام في قمع كل مظاهر المجتمع المدني، وتجفيف مصادر الحياة السياسية في البلاد، قطعاً للطرق على أي تحدٍ جديد للسلطة. ثم يضيف قائلاً "من عايش كل ذلك بقيت في ذهنه ذكريات من الخوف لا تمحى، وعشش في داخله رقيب ذاتي يشله أحياناً عن التفكير، فما بالك بالفعل".

ويستطرد الشيخ "الدولة في سوريا وعبر أكثر من أربعين سنة اعتمدت سياسة إخافة المواطنين من خطر الحرب الأهلية بين الطوائف والمدن، وتركز هذا بشكل كبير بعد أحداث الثمانينيات، ومن ثم اعتمد النظام سياسة إخافة المواطنين من بعضهم البعض، وإخافة الخارج العربي والعالمي من تبعات أخطار التقسيم، هناك مثقفون ساهموا بتعميم هذا الخوف وشاركوا النظام في ذلك".

وهناك وفق الشيخ نموذج المثقف الجبان الخائف الصامت، وأيضا نمط من المثقفين، يتميز بأنانيته وقلة إخلاصه وترفّعه الكاذب على السياسة، وخاصة "تماهيه السهل مع الأقوياء".

ويشير إلى أن الشعب كسر حاجز الخوف اليوم، ولكن جزءاً من النخبة المثقفة لم تفعل، ولم تتحرك ضمائرها رغم كل المذابح التي يرتكبها النظام السوري بحق شعبه في كل المناطق وعلى رأسها مدينة درعا الباسلة. أما حين يرفع شعار الولاء مرجعاً أساسياً، يكتسح أشباه المثقفين المشهد حينها، ويحتلّون مواقع القرار التي تتحكّم بالإنتاج الثقافي.

الكاتب والشاعر السوري حازم العظمة والمقيم داخل سوريا، اعتبر بداية أن "المثقف، والمثقفون" كلمات في هذه الأيام تستعمل في الشتائم أحياناً، أو تعطى حجماً أكبر مما تحتمل، أو تحمّل تبجيلاً لا أساس له في كثير من الحالات، ومن ثم يطالَبُ "المثقفين" بموقف خاص، لعل هذا محق، وأن مطالبتهم بموقف تعني مطالبتهم بمصداقية ما قالوه وما كتبوه.

ويضيف "المثقفون ليسوا جهة ولا حزباً، هذا أكيد، لكنني أيضاً أقول إن من كان يقول أفكاراً كبيرة عن الإنسانية والشعب والحرية عليه أن يعطي ذلك مصداقية الآن.. وإدانة المجازر هي الحد الأدنى".

مها حسن: هناك أسباب كثيرة لاختفاء صوت المثقف السوري الجزيرة نت)
للخوف وجوه
من جهته لفت الكاتب والصحفي السوري المقيم في باريس وليد خليفة إلى أن "كل من تحدث في سوريا من جيلنا تم سجنه وتعذيبه من قبل، لدرجة أننا خرجنا من السجون لا نستطيع أن نتوازن، وأنا واحد من الذين يعانون من آثار السجن السوري الرهيب على كل المستويات، جسدياً ونفسياً".

ويضيف أن الذين تجنبوا السجن واختاروا طريق السلامة في سوريا وانضموا إلى النظام منهم شكليا لتجنب أذاه، ومنهم من اختبأ خلف مفهوم التقية، لكن أحداث اليوم جعلت الغالبية تعود إلى صف الناس والدفاع عن الحرية، ولكنه "همس" لم يتحول بعد إلى فعل إلا على مستوى ضيق، حيث إن للخوف وجوه كثيرة ومرعبة في سوريا، أملي كبير بأن سوريا ستعود للسوريين إن عاجلاً أو آجلاً".

ولا تخفي الكاتبة السورية المقيمة في باريس مها حسن من تقسيم المثقفين السوريين أو تصنيفهم في قوائم، وقالت "لأنني أربأ بنفسي الانزلاق إلى حالة الحرب الراهنة بين المثقفين السوريين، فإنني لا أستطيع وضع اختفاء صوت المثقف السوري جميعه في خانة واحدة، ولا أستطيع تخوينه".

وتؤكد أن ثمة أسبابا كثيرة لهذا الغياب، وإن كنتُ لا أغفرها، مهما كانت قوة إنسانيتها سبباً للغياب، ثمة المثقف الخائف، وثمة المثقف المنتفع، وثمة المثقف البلطجي، وثمة المثقف اللامبالي، واللائحة طويلة.. هناك من يخشى على حياته، فمن يخشى على حياته عليه أن يعيد النظر في نفسه ومكوّناته النفسية، ومن يهادن أيضاً سيجد الطرق مسدودة أمامه، لأن ثمة "ضميرا" و"أخلاقا" في صمته، يغيبان معه.

وتشدد صاحبة رواية "حبل سري" في حديثها على ضرورة أن يكون المبدع متسقاً مع نصه، فتقول "أعتقد أن الموت، ومشهد الجثث والدماء، واستغاثات الرعب، كلها جرس إنذار، إن لم يستجب لها المثقف، وإن أدار ظهره لها، فإن كتابته النظرية لا قيمة لها، لا أؤمن بنص تجريدي عن الجمال والحب والخير والمعرفة و..، في غياب هذه القيم عن شخص مُطلقها أو القائل بها. في النهاية، لم أعد أؤمن بفصل النص عن صاحبه، لا للنص حين يكون صاحبه غير معنيّ بالإنسان".

المصدر : الجزيرة