تمثال فيديريكو غارثيا لوركا في ساحة سانتا آنا وسط مدريد (الجزيرة نت)

محسن الرملي-مدريد

لا يزال الشاعر الغرناطي فديريكو غارثيا لوركا يعتبر الأشهر في إسبانيا على الرغم من مرور 75 عاماً على مقتله. ومع اقتراب ذكرى ميلاده في الخامس من يونيو/ حزيران 1898 وذكرى إعدامه رميا بالرصاص فجر يوم 19 أغسطس/ آب 1936، بدأت العديد من الفعاليات الاحتفالية المتعلقة بذكراه على أن تتبعها لاحقا نشاطات أخرى أكبر وأوسع.

وفي إطار المهرجان الدولي الثامن للشعر بغرناطة، الذي انطلقت فعالياته بمشاركة الروائي ماريو فارغاس يوسا الفائز بجائزة نوبل لعام 2010، تسلمت الشاعرة الإسبانية ماريا فيكتوريا اتنثيا، جائزة "فديريكو غارثيا لوركا" الدولية للشعر.

من اللوحات المعروضة حول فيديريكو غارثيا لوركا (الجزيرة نت)
جوائز وفعاليات
وتبلغ قيمة الجائزة خمسين ألف يورو -وهي أعلى جوائز الأشعار المكتوبة بالإسبانية- إضافة إلى تمثال برونزي من عمل الفنان المعروف ميغيل مورينون، وكانت الكاتبة الألمانية هيرتا مولر الفائزة بنوبل 2009 قد افتتحت الدورة السابقة.

وتنافس على الجائز هذا العام 36 شاعرا من إسبانيا وأميركا اللاتينية، فانتهت بمنحها لأتنثيا تكريما لإنتاجها الأدبي الذي يربو على الـ15 عملاً، من بينها "الأحلام"، "باولينا أو كتاب المياه" "الجدار اللصيق"، "الجسر"، "التأملات" و"الفجوة"، وبهذا تصبح أتنثيا ثاني امرأة تفوز بجائزة لوركا بعد بلانكا باليرا.

وضمن الاحتفالات علقت بعض البلدات التابعة لغرناطة لوحات كبيرة تتضمن مقتطفات من أعمال وأقوال لوركا، وخاصة في المناطق القريبة من منزل ولادته الذي أمضى فيه طفولته، ثم تبعتها مدينة غرناطة بإطلاق مشروعها الساعي لنيل تسمية "مدينة الكتاب" عبر نشر مئات المقتطفات من الأعمال الأدبية شعراً ونثراُ في شوارعها، بحيث تظهر وكأنها كتاب مفتوح يتيح لساكنيها والزوار القراءة أينما كانوا.

وقال رئيس المؤسسة الإسبانية للإبداع الاجتماعي أنخيل آريناس، وهو مسؤول الإبداع بالمهرجان الدولي للشعر بغرناطة، إن هذه المبادرة تطمح لتحويل غرناطة إلى "كتاب كبير" يتشارك فيه المجتمع.

من الأعمال المعروضة حول فيديريكو غارثيا لوركا (الجزيرة نت)

ألف لوركا ولوركا
وتحت عنوان "الكتاب والقراءة" نظمت العديد من حلقات القراءة لأعمال لوركا في منزله والتي يشارك فيها طلاب المدارس، وقد افتتح هذا البرنامج مدير مؤسسة لوركا ألفونسو ألكالا، بكلمة قصيرة استهلها بمقولة الكاتب البرتغالي خوسيه ساراماغو بقوله "عدم اندثار الآداب أمر يعتمد علينا بشكل أساسي، فنحن المسؤولون عن إيصاله للناس ومشاركتهم في الاحتفال بالقراءة، بغض النظر عن اليوم أو الشهر لأن المهم هو الاحتفال بالكتاب والقراءة".

وقرأ الطلاب بعض قصائد لوركا ومقاطع من مسرحياته الشهيرة مثل "بيت برناردا آلبا"، "أعراس الدم" و"السيدة روسيتا العزباء أو لغة الورد"، إضافة إلى مقتطفات من أعمال ثربانتس.

كما أقامت دائرة البريد المركزي الإسباني، في قصر الاتصالات بالعاصمة مدريد، معرضاً خاصاً بذكرى لوركا اشترك فيه 288 فناناً تشكيلياً من بينهم أسماء كبيرة أمثال تابييس وأوركولو وكريستينا روديرو.

وتشتغل جل الأعمال على صورة واحدة للشاعر بحجم البطاقة البريدية، وكانت فكرة هذا المعرض قد انطلقت منذ عام 1998 حين جمعت دائرة البريد مائة لوحة في معرض أقامته احتفالاً بميلاد لوركا، فحققت نجاحاً وطاف المعرض إثرها في العديد من المدن.

أهدى ما يقارب الثلاثمائة فنان لوحاتهم إلى متحف التلغراف والبطاقات البريدية (الجزيرة نت)
وأهدى ما يقارب الثلاثمائة فنان لوحاتهم إلى متحف التلغراف والبطاقات البريدية، وحظي المعرض بإقبال وإعجاب كبيرين لكثرة تنويعاته الفنية المدهشة، وهي تعكس صورة لوركا التي لا تزال تنسج أسطورتها في أذهان الناس بشتى الأشكال، وعنون مدير المعرض أوغسطين خوليان مقدمته التي كتبها للكاتالوغ "بألف لوركا ولوركا".

حمامة لوركا
وتحول كل ما يتعلق بشاعر إسبانيا الكبير إلى موضوع للبحث والصحافة، ومن ذلك اكتشاف بطاقة تهنئة مرسلة إليه من سلفادور دالي بمناسبة عيد ميلاده، وتنشغل الآن مجموعة من الباحثين لتقصي هوية الشخص الذي ذكره لوركا عابراً، في مقابلة صحفية قبل مقتله بأسبوعين، وقال إنه قد قدم ضده شكوى في مدينة تاراغونا بسبب قصيدته "أغنية الحرس المدني الإسباني".

كما أصبحت سرقة الحمامة التي يحملها تمثال لوركا في ساحة سانتا آنا وسط مدريد هي الأخرى موضع تأويلات ممن اعتادوا على رؤيته حاملاُ حمامته أمام المسرح الإسباني على مدى أكثر من خمسين عاماً، وإلى قضية تتقصاها الشرطة وتحظى باهتمام كبير من قبل حكومة العاصمة التي وعدت بإعادتها بأقرب وقت.

وحتى عندما تحاول وضع فتات الخبز بين كفي لوركا المفتوحتين كي يحط حمام الساحة مكان الحمامة المسروقة، تظل كثرة السائحين، الذين يتناوبون التصوير بجوار التمثال، تفزع الحمائم فتطير هي الأخرى، بينما تبقى حمائم السلام الخالدة.. في قصائد لوركا في ذاكرة الأجيال، وإعدامه التراجيدي، أيام الحرب الأهلية، رمزاً وشاهداً على ظلم الدكتاتوريات وبشاعتها. 

المصدر : الجزيرة