جزء من قاعة المكتبة في إحدى المدارس الرسمية في بيروت (الألمانية)

عرف اللبنانيون أهمية القراءة واستخدموا الكتاب لاكتساب المعرفة والاطلاع على العلوم والمعارف، وكانت بيروت وما زالت المكان المفضّل الذي يقصده المؤلفون لإصدار الكتب ونشرها، لكن نسبة الإقبال على القراءة من قبل أبناء الجيل الجديد تراجعت بشكل ملحوظ.

وبدأ التراجع يتبدى شيئا فشيئا في السنوات العشر الماضية مع انتشار التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة والتحول الذي أحدثته ثورة الاتصالات من جهة، والتردي في الوضع الاقتصادي الذي عرفه لبنان من جهة ثانية.

ويلحظ المراقب تردي علاقة شباب لبنان بالكتاب الذي طالما اعتبره آباؤهم خيرا من صديق، ووصلت ذروة هذا التردي في السنوات الثلاث الأخيرة حيث باتت نسبة القراء منخفضة جدا لا تتعدى 10% من طلاب المدارس، حسب بعض الخبراء.

وتحاول المؤسسات التربوية الخاصة والرسمية جاهدةً حث الطلاب على قراءة الكتاب وتوفير ظروف ملائمة للقراءة عقد لقاءات عمل مع الأهل وشرح أهمية الكتاب وغيرها من الوسائل.

بعض الكتب في قاعة المكتبة في إحدى المدارس الرسمية في بيروت (الألمانية)
تحول جذري
وقالت المسؤولة في المركز الثقافي والتوجيهي في ثانوية القلبين الأقدسين في بيت شباب "جبل لبنان" السيدة ميشال أبو سليمان "لقد انخفض عدد الطلاب الذين يقرؤون الكتب بشكل كبير منذ حوالي ثلاث سنوات وحصل تحول جذري في هذا الأمر".

وأضافت أبو سليمان "إن القراءة تراجعت حوالي 70% عما كانت عليه قبل السنوات الثلاث الأخيرة، حيث لا تتعدى نسبة الطلبة القراء حاليا 10% على الرغم من تشجيعنا المستمر لهم على القراءة وشرح أهميتها".

وأظهرت دراسة ميدانية موّلتها وزارة الثقافة اللبنانية بمناسبة اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009 أن التلفزيون يحتل المرتبة الأولى بين وسائل الترفيه التي يلجأ إليها اللبنانيون لتمضية أوقات فراغهم. وبعد التلفزيون بمسافة كبيرة، تأتي زيارة الأصدقاء والتنزه في المرتبتين الثانية والثالثة، بينما لا تستحوذ القراءة إلا على 3 أو 9 من النقاط لتحتل المرتبة الرابعة.

وأضافت أبو سليمان أن "الطلاب بحاجة إلى بيئة حاضنة لتشجيع القراءة وأهمها الأسرة".

ورأت أن السبب الأول في تراجع اهتمام الطلاب بالمطالعة "هو ارتفاع نسبة الأسر التي لا تعير الكتاب الاهتمام الكافي والتي لا تمتلك ثقافة الكتاب"، واعتبرت أن "القراءة من قبل الأهل أمام أطفالهم مرة في النهار على الأقل، تخلق لدى الأطفال شغف الدخول إلى هذا العالم، عالم الكتاب الذي يغزو خيال الطفل ويجعله منفتحاً على صور وأفكار جديدة".

خمس اللبنانيين
وأشارت الدراسة الميدانية إلى أن خمس اللبنانيين لا يقرؤون على الإطلاق، وأن ما يزيد على النصف لا يقرؤون إلا مرة واحدة في الشهر، في حين لا تتعدى نسبة القراء اليوميين 17%.

وعزت أبو سليمان السبب الثاني لتراجع اهتمام أبناء الجيل الجديد بالمطالعة إلى "الانتشار الكثيف لوسائل الاتصال وخاصةً الإنترنت".

أشارت دراسة ميدانية إلى أن خمْس اللبنانيين لا يقرؤون على الإطلاق، وأن ما يزيد على النصف لا يقرؤون إلا مرة واحدة في الشهر، في حين لا تتعدى نسبة القراء اليوميين 17%
وتابعت أبو سليمان أن "النسبة الأكبر من القراء في مكتبة المدرسة هي من الطلاب الذين ينتمون إلى أسر محدودة الدخل، وهم يعجزون أحيانا كثيرة عن شراء الكتب، فهؤلاء يقيمون للكتاب وزناً ويسعون وراء الثقافة، بينما الآخرون لا يبدون مثل هذا الاهتمام".

ويعتبر البعض أن استخدام الشباب اللبنانيين للإنترنت يشكل العائق الأبرز أمام قراءة الكتاب، بينما يرى آخرون أن عدم الاعتياد على القراءة وارتفاع أسعار الكتب وخاصة الأجنبية منها هي الأسباب الحقيقية التي تجعل أبناء الجيل الجديد يصرفون النظر عن شراء الكتب.

وقالت المسؤولة في مكتبة أنطوان في الأشرفية شرقي بيروت عيدة فرح "لقد انخفضت نسبة القراء منذ بداية انتشار الإنترنت بشكل كبير، فالتكنولوجيا هي التي تسرق الكتب من أيدي القراء، ولكن يجب تشجيع الجيل الجديد على قراءة الكتب، وعلى وزارة التربية والمؤسسات المختصة القيام بذلك".

كتب أجنبية
ويرى بعض المراقبين أن النسبة الكبرى من القراء هم ممن تجاوزوا الثلاثين عاما، وهم ممن تابعوا دراستهم وحصلوا على شهادات جامعية.

وتابعت فرح أن "النسبة الأكبر من الكتب التي تباع لدينا هي الأجنبية، لأن مكتبتنا هي من بين كبرى المكتبات المستوردة للكتب الأجنبية، ولا شك أن من يشتري الكتب الأجنبية هم من الميسورين نسبةً إلى ارتفاع أسعار هذا النوع من الكتب".

وأضافت فرح "أما زبائن المكتبة فهم من كل الفئات الاجتماعية والدينية، وهم من محبي القراءة الذين تزيد أعمارهم في الغالب عن 30 عاما". وقالت "إن الكتب الأكثر مبيعاً لدينا هي الكتب السياسية والدينية وكتب التاريخ والرواية".

وتشير بعض الدراسات إلى أن الكتب الأكثر قراءة في لبنان هي الكتب الدينية، ويرى محللون أن الأمر يبدو طبيعيا في ظل نظام اجتماعي يشكل الدّين فيه عنصراً أساسيا، ونظام سياسي يستند إلى التوازن الطائفي.

وقالت الطالبة سارة الأسمر في الصف التاسع أساسي في مدرسة البنات الثانية الرسمية في بيروت "أحب أن أقرأ القصص القصيرة والروايات، وأحصل كل أسبوع على قصة من مكتبة المدرسة، فنحن لا نملك مكتبةً في البيت، كما يصعب عليّ شراء القصص أو الروايات".

وتابعت الأسمر "أعتقد أن القراءة مفيدة لأنها تقدم لنا معلومات جديدة أو أفكارا جديدة تمكننا من بلورة أفكارنا لنفهم تعقيدات الحياة بشكل أفضل".

جزء من مكتبة عامة في لبنان (الألمانية)
قراءة القصص
وقالت آية كوسى الطالبة في الصف الثامن أساسي في إحدى مدارس بيروت الرسمية "أحب أن أقرأ القصص الواقعية التي تتحدث عن الواقع الاجتماعي لأنها تمتعني وتوسع آفاقي".

وتعتبر المؤسسات التربوية أن المطالعة ركيزة هامة تكمل دور المدرسة، وترى أنها وسيلة من أهم وسائل التعلم، لذلك تسعى معظم المدارس في لبنان لتشجيع الطلاب وحثهم على القراءة من خلال القيام بالعديد من النشاطات الهادفة.

وقالت مسؤولة المكتبة في مدرسة البنات الثانية الرسمية في منطقة المصيطبة في بيروت منى قاصوف "تقوم المدرسة بتشجيع التلاميذ على القراءة، وهي في هذا الإطار تقوم بتحضير ورش عمل مع الأهل بعنوان "شاركوهم متعة القراءة" فتطلعهم على كيفية قراءة القصص للأطفال، وعلى أساليب ترغيب الأطفال بالكتاب بهدف تشجيعهم على القراءة وخلق علاقة جيدة بينهم وبين الكتاب".

وأشارت قاصوف إلى أن "عدد الطلاب المهتمين بالقراءة في لبنان انخفض بشكل عام بنسبة كبيرة، إلا أن الطلاب في المدارس الرسمية لا يزالون يقرؤون، وربما كان السبب أن معظمهم ينتمي إلى أسر محدودة الدخل".

وتابعت قاصوف "يهتم أبناء الأسر الفقيرة والمتوسطة بالكتاب والقراءة أكثر من أبناء الأسر الميسورة، والسبب يكمن في قلة وسائل الترفيه التي يستطيع أصحاب الدخل المحدود تأمينها لأولادهم".

ورأت قاصوف أن "هناك ضرورة لابتداع نشاطات تسعى لتشجيع الطلاب على القراءة لما لها من أهمية في توسيع الإدراك وتعميق المعرفة".

وعلى الرغم من عدم اهتمام معظم شباب لبنان بالقراءة فإن بعض اللبنانيين ما زالوا يولون الكتاب أهمية بالغة ويرددون مع المتنبي "خير جليس في الأنام كتاب".

المصدر : الألمانية