لوحة من أعمال الفنان والشاعر خوان ميرو (الجزيرة)


أنطوان جوكي

يبقى خوان ميرو (١٨٩٣-١٩٨٣) هو الفنان الوحيد في القرن العشرين القادر على منافسة مواطنه الكاتالوني بيكاسو، إن على مستوى غنى إنجازاته وتنوّعها أو امتدادها على نحو قرنٍ من الزمن، واختلافها المدهش من عقدٍ إلى آخر.

ومع أن الاثنين يتمتّعان اليوم بالقدر نفسه من الشهرة العالمية، فإن المقارنة بينهما تتوقف عند هذا الحد لاختلاف ميرو عن بيكاسو وسائر فناني عصره بمسعاه الشعري أولا وبلغته الصورية التي بقيت لغة رسام شاعر قبل أي شيء.

ولكشف هذا الخيط الشعري الموجه، تُنظّم مؤسسة آي أن جي الثقافية في بروكسل، بالتعاون مع جمعية المتاحف الملكية، معرضاً ضخماً لعمل هذا العملاق، يتألف من عشرات اللوحات والمنحوتات والرسوم والكتب التي تغطّي كافة مراحل فنه.

وتركز المعروضات خاصة على مرحلتين أساسيتين في مساره، مرحلة اكتشافه السريالية التي قرّر فيها "العيش كشاعر" خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، والمرحلة التالية التي انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية وابتكر الفنان خلالها عالما مذهلاَ من الألوان الفجة والخطوط الحرّة التي جسد بواسطتها أحلامه وهواجسه.

صخب برشلونة

 إحدى لوحات الفنان والشاعر خوان ميرو(الجزيرة)
قبل المرحلة السوريالية، تأثّر ميرو بإرث الرسامين الانطباعيين والتوحّشيين والتكعيبيين والمستقبليين، بدون أن ينخرط في أي مجموعة، وانطلق في تشييد حداثته الخاصة التي تغذّت من الطبيعة البدائية الصامتة التي اختبرها في طفولته في مقاطعة كاتالونيا بإسبانيا.

ولكن أيضاً من صخب مدينة برشلونة المنخرطة آنذاك في زمنها. أفقان متناقضان حافظ ميرو عليهما طوال حياته وعرف كيف يصالحهما ويستمد منهما مادة فنّه فصقلا هويته الفريدة بوصفه مبدعا.

ومنذ المراهقة، شكّل الشعر جزءاً مهماً من كينونة ميرو وشغفا تبلور على أثر معاشرته المبكرة للشعراء الكاتالونيين الطليعيين، مثل جوزيب ماريا جونوا وميغيل مارتي أي بول، وخوان سالفات باباسيت، وعلى أثر قراءته لرامبو ومالارميه ولوتريامون وأبولينر واطّلاعه على أحدث الاختبارات الشعرية في عصره.

وفور وصوله إلى باريس عام ١٩٢٠، تصادق أيضاً مع شعراء وفنانين كبار مثل أندريه ماسون وريفيردي وتريستان تزارا وماكس جاكوب، قبل أن يتقرّب من أندريه بروتون وبول إيلوار ولوي أراغون وبنجامن بيريه.

وحول هذه المرحلة، قال ميرو "في كل ما كنتُ أحققه، لقيتُ تشجيعا من أصدقائي، هؤلاء الأشخاص الذين كانوا مثل أخوة لي، معهم تخلّصتُ من أي تأثير تشكيلي وقطعت صلاتي بالواقعية وعملت ضمن احتقارٍ مطلق لفن الرسم".

وفعلا، بفضل بروتون ومجموعته، اقتنع ميرو بضرورة "اغتيال فن الرسم"، وبالتالي بواجب تجاوز الهاجس الجمالي لبلوغ شعرية منبثقة من الأحلام والعلامات وسلطات اللاوعي والصدفة، وتعكس لوحة "رأس مدخن" التي أنجزها عام ١٩٢٤، ويمكننا مشاهدتها في المعرض، أسلوبه خلال تلك المرحلة.

فداخلها، جمع الفنان عناصر متنافرة، منطق حضورها الوحيد شعري، وتشكّل استعارة حول الأحاسيس وحقل أصداءٍ ينشط فيه المليء والفارغ، والدقيق والمعدوم الشكل، والعالي والمنخفِض، وتجسد حلم اليقظة العذب الذي يطفو داخله المدخِّن.

اغتيال فن الرسم

 من أعمال الفنان والشاعر خوان ميرو (الجزيرة)
وضمن سعيه الثابت خلف "اغتيال فن الرسم"، أنجز ميرو أعمالاً كثيرة، نشاهد منها في المعرض سلسلة ملصقات حقّقها عام ١٩٣٣ انطلاقاً من صور أشياء مصنّعة، مثل حبل أو صنبور أو مطرة أو خرطوم رَي، اقتطعها من الصحف والكاتالوغات ولصقها على ورق ثم أسقط رسمها على قماش وزيّنها بألوانٍ نيّرة ضمن عملية إخراجٍ غريبة وراقصة.

وحتى وإن تميزت هذه الأعمال بجانبٍ تجريدي، فإن ميرو نظر إليها كتعبير عن واقع ذهني ملموس يشكل جزءا من العالم الواقعي.

ومنذ عام ١٩٢٤، وبتشجيع من أصدقائه السورياليين، بدأ الفنان مساره الكتابي عبر إدخاله في البداية حروفا وكلمات على لوحاته، أو عبر خلطه وجوهاً وأشكالاً بجمل لخلق ارتجاجات صوتية مختلفة، أو عبر منح بعض لوحاته عناوين طويلة تشبه الأبيات الشعرية وغنية بالاستعارات.

وكان يجب انتظار عام ١٩٣٦ ونضوج مزاجه الشعري كي يبدأ ميرو بالتعبير عن نفسه كتابةً فيخطّ نصوصاً شعرية طويلة قلبت عمله القائم على كوكبة من العلامات والصور في اتجاه اللغة الصرفة، كما في نص "الصيف" (١٩٣٧) الذي كتبه بأسلوبٍ آلي ومدّه ببعدٍ تشكيلي انفعالي.

ويبدو ذلك أيضا في نص "تلاعبات شعرية" الذي كتبه عام ١٩٣٦ وصدر عام ١٩٤٦ في مجلة "دفاتر الفن" مزيناً بيده، أو في نص "كرنفال تهريجي" الذي كتبه عام ١٩٣٩ وصدر عام ١٩٥٢ في مجلة "قريحة" مزيناً بلوحة له تحمل العنوان ذاته. وتذكّرنا هذه النصوص، في فيض كلماتها وصورها البصرية، بالقصائد التي كتبها روبير ديسنوس وبيريه في العشرينيات.

حلم وهلوسة

أشعر بقوة مغناطيسية تجذبني إلى أشياء معينة، ما أن أضعها في اتصال مع بعضها بعضا حتى تحدث صدمات شعرية
وإلى جانب ذلك، نشاهد في المعرض نسخا مطبوعة عن سلسلة "كوكبات" الشهيرة التي أنجز ميرو لوحاتها الشعرية بمادة الغواش عامي ١٩٤٠ و١٩٤١ وشكّلت حيلته الوحيدة للتحرر من القلق واليأس الناتجين عن مناخ تلك المرحلة المأساوية.

وبين حلمٍ موسيقي وهلوسة، وعلى خلفية غير محددة تطغى عليها بقعٌ وعلاماتٌ سوداء، تعمّق الفنان في هذه الأعمال بعالمه الأسطوري الخاص -عالم يتمتّع بطابع مقدَّس وبهالة حضارة قديمة- فابتكر لغةً جديدة كونية وأرضية معاً لن تفارقه حتى وفاته، لغةٌ يتحاور بواسطتها النجم والحشرة، والثعبان والعندليب، والحَجَر والمذنَّب، والأشكال المصوَّرة والأشكال المجرَّدة.

وفي عمله هذا، أخذ ميرو الواقع كنقطة انطلاق ثم سار كبهلوانٍ داخل فضاء العلامات مهذّباً إياها ومعيداً تشكيلها وهندستها لبلوغ مفردات شعرية خاصة مؤلفة من أشكال صغيرة عضوية: عين، وعصفور، وامرأة.. ومن رموز أفكار تشبه الأبجدية الهيروغليفية، مفردات ستتكرّر في جميع لوحاته اللاحقة وتصبح مع الوقت صعبة القراءة.

ومع أن دورها -أو معناها- يتغير أحياناً، فإنها لا تحضر أبداً بطريقة مجّانية أو عبثية، بل تقودنا دائما إلى طبقاتٍ بدائية عميقة في شخصية ميرو، وإلى نماذج داخلية –غير فلسفية – لا تستثني البعد الروحي.

ومن "كوكبات"، ننتقل في المعرض إلى اللوحات التي حققها الفنان في الستينيات بأحجام كبيرة وألوان محدودة، واستكشف فيها سبلاً جديدة بدون أن يتخلى عن مفرداته السابقة، معرّياً اندفاعه وحركيته ومتلاحماً بقوة مع المادة. وفي هذه الأعمال، تمفصل فعله الإبداعي حول ثابتتين: السعي خلف جميع إمكانيات الخط، واستثمار تناقض الألوان العنيف.

شخصيات لا زمنية

تشكيل للفنان والشاعر خوان ميرو (الجزيرة)
ولأن ميرو مارس أيضاً فن النحت منذ بداية الأربعينيات، دائماً من منطلق شعري، يكشف المعرض عن مجموعة منحوتات تمثّل النموذَجين الحاضرَين في عمله، أي المنحوتة السريالية المركبة من أشياء وقطع خردة مرمية أعيد توظيفها وفقاً لما يوحي شكلها به، والمنحوتة التي رصدها لشخصياته الأسطورية واللازمنية.

ومنذ بداية مساره، افتتن ميرو بالأشياء المصنّعة بطريقةٍ حرَفية أو بتلك التي كان يعثر عليها بالصدفة في أرجاء الطبيعة، على الشاطئ أو في الشارع، ومثل بروتون، كان يؤمن بالسلطة الحُلُمية لهذه الأشياء.

وفي هذا السياق، قال "بالمنحوتة سأبتكر عالماً استيهامياً حقيقياً تقطنه وحوشٌ حيّة"، كما قال "أشعر بقوة مغناطيسية تجذبني إلى أشياء معينة، ما أن أضعها في اتصال مع بعضها بعضا حتى تحدث صدمات شعرية".

ولا يُهمل المعرض نشاطات ميرو الفنية الأخرى التي تعكس بوضوحٍ ميوله الشعرية، وخصوصاً عمله في مجال تزيين الدواوين الشعرية بتقنيات رسومية مختلفة الذي بدأه داخل كتب أصدقائه السورياليين (تزارا، وإيلوار، وبيريه) قبل أن يتناول دواوين رامبو ولوتريامون وجاك بريفير وأندريه بيار دو مانديارغ، وتتعدى اللائحة ٢٥٠ كتابا.

وفي نشاطه هذا، ذهب ميرو أبعد بكثير مما هو مطلوب من رسامٍ مزيّن للكتب لغوصه بعمقٍ في معنى القصائد والكلمات ومحاورته شبه الدينية لها بهدف إيصال للقارئ متعته الخاصة بها.

المصدر : الجزيرة