من أعمال  بدر عباس مراد (الجزيرة نت)

جهاد هديب-أبو ظبي

لا تحمل الروايات في معرض "تلوين الرواية" -الذي أقامته مؤسسة صالون الملتقى (نادي الكتاب) التابع لمنظمة التربية والعلوم والثقافة (يونسكو) في معرض أبو ظبي للكتاب- معنى كلاسيكيا فحسب بل هي "سردية" الأشياء أيضا مثل الأزياء وتاريخها وأوضاع المرأة وغير ذلك مما هو منشور في الكتب.

ويحسب المرء في البداية أن مجموعة اللوحات المعروضة لرسامين ومصورين فوتوغرافيين إماراتيين وعرب في ركن قصيّ في معرض أبو ظبي للكتاب ما هي إلا لوحات وصور لأغلفة روايات محلية وعربية أصيلة أو مترجمة من لغات أخرى.

ولا تكفي تجربة جمالية واحدة لاكتشاف أن اللوحات الموجودة ما هي إلا ما ألهمت به هذه السرديات الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين من أعمال فنية تميزت بالإحساس والتأويل اللوني والشكلي لهذا الإحساس بما منحته الرواية للفنان صاحب العلاقة من صور وربما علاقات لونية أيضا أكسبت كل واحدة منها ميزتها الخاصة.

الريشة البيضاء من أعمال الشيخة شيخة بنت محمد بن خالد آل نهيان (الجزيرة)

الميل إلى التجريد
ولعل الطابع الغالب على مجمل الأعمال هو الميل نحو التجريد ومعالجة السطوح لونيا مع وجود البعض من الترميزات بالدرجة الأولى ثم الجانب التعبيري التجريدي بالدرجة الثانية، بما يعني، دون إفراط في التأويل، ميل الفنان إلى إنتاج إحساسه الخاص بالسردية دون إملاءات أو شروط من النص المقروء.

وترى الشيخة شيخة بنت محمد بن خالد آل نهيان في كتاب "تغريدة البجعة" -التي غلافها عبارة عن صورة فوتوغرافية لرجل يمشي في طريق بمدينة- ريشة بيضاء يتوسطها الأزرق ممزوجا بالأبيض في الأعلى والأسود في الأسفل وقد جاء في مقدمتها –أي الريشة البيضاء– نقطة تشبه الدمعة وكأنما هناك إحساس بالحزن إلى حدّ البكاء على تلك البجعة التي تغرّد مبتعدة عن السرب ومعلنة موتها بطريقتها الخاصة.

هذا الإحساس ذاته بالموت الفردي، يتكرر مع المصور الفوتوغرافي بدر عباس مراد على نحو يتجلّى مختلفا في صورة فوتوغرافية لافتة حقا للانتباه، وتشير إلى موهبة متميزة في التصوير الفوتوغرافي واختيار فكرته ثم معالجتها عبر التقنيات الحديثة.

ويقوم عباس بتأويل كتاب جون غراي "الرجال من المريخ، النساء من الزهرة" حيث قد تشققت الأرض، كما تتشقق بعد جفاف بركة ماء وقد بدا فيها فتى يرفع رأسه إلى السماء كأنما يناجي، فيما الجزء الأسفل من جسده قد تشقق بوصفه امتدادا للأرض المتشققة.

للصورة مقدرة على الإدهاش وتحمل تأويلات إنسانية متعددة، فما هو مُنتظر ليس الغيث فحسب، بل تلك العواطف الإنسانية التي تمنح المرء إنسانيته ورغبته في الاستمرار بالحياة.

تقنيات متنوعة

لصورة بدر عباس مقدرة على الإدهاش وهي تحمل تأويلات إنسانية متعددة، فما هو مُنتظر ليس الغيث فحسب، بل تلك العواطف الإنسانية التي تمنح المرء إنسانيته ورغبته في الاستمرار بالحياة
قراءات كثيرة في الأعمال التي ضمتها صالة صغيرة مشغولة بتقنيات متنوعة إلى حدّ يحسب المرء معه أنه أمام قراءات متعددة للعمل الواحد الذي ألهمته السيرة الذاتية كما هو الحال مع محمد القصّاب في تأويله اللوني لرواية "عندما تطمح المرأة" لسلطان الزعابي حيث الأزرق بدرجاته الأنيقة والمتعددة ربما لا يكون نتيجة الإلهام والتأويل فحسب بل ينضاف إلى ذلك خبرة واسعة في ممارسة لونية ومعالجة خاصة للون.

والحال نفسه مع صلاح حيثاني ورواية ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور من مصر أو سلمى المرّي وديوان أحمد راشد ثاني "يأتي الليل ويأخذني" وعبد الرحيم سالم مع رواية "اسمي أحمر" للتركي أورهان باموق, وغيرها من الأعمال والكتب التي جمعت بين مخيلتين واحدة منهما أدبية والأخرى فنية.

ويقف المتأمل في هذه الأعمال أمام تجربة مختلفة جديرة بالاحتفاء بها وحدها وعرضها متفردة في صالة عرض أوسع وذات تقنيات عرض أكثر تطورا، بحيث لا تمرّ هذه التجربة كيفما اتفق.

وكان هذا المعرض -الذي ضم 19 فنانا- فرصة لمنح المؤلفين فرصة للقاء بقرّائهم عبر تأويلات الفنانين لأعمالهم وفرصة للقراء أنفسهم للاطلاع على تأويلات لونية للكتب يستطيعون من خلالها مناقشة واقع العمل الثقافي وأبعاده المستقبلية.

المصدر : الجزيرة