مدير مشروع كلمة للترجمة الدكتور علي بن تميم (الجزيرة نت)

حاورته في أبو ظبي-شرين يونس

أكد مدير مشروع كلمة للترجمة - التابع لهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث- أن المشروع استطاع التغلب على أهم العقبات التى عادة ما تواجه المشاريع الثقافية بالعالم العربي، بفضل الدعم المادي الكبير الذي يتوفر له، ونجح فى ترجمة خمسمائة كتاب، عن خمس عشرة لغة.

وأشار الدكتور علي بن تميم إلى أن واقع الحال يؤكد أن الثقافة العربية بحاجة إلى مزيد من المشروعات على شاكلة "كلمة" لسد الهوة بين الإنتاج العربي والغربي فى مجالات العلم والفكر المختلفة.

وأضاف أن الترجمة ذاتها تمثل تحديا كبيرا، وأن مهمتها ليست نقل القيم المتشابهة، وأن نقل القيم -من خلال الترجمة -حتى وإن كانت متعارضة مع قيمنا تؤدي لنشر ثقافة التنوع، داعيا القراء العرب لقبول فكرة الآخر فى سياق الاختلاف.

الجزيرة نت التقت بن تميم وأجرت معه الحوار التالي:

بعد ثلاث سنوات، ما هو حجم الإنجاز لمشروع كلمة، وعدد اللغات التى ترجم منها، وهل تم إنجاز ما كان مخططًا له؟

بلغت حصيلة المشروع ما يقرب من خمسمائة كتاب، ترجمت عن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والصينية والتركية واليابانية والكورية والهندية والسويدية والهولندية والبولندية والألمانية والسويسرية والكردية، وتنوعت الكتب ما بين التاريخ والجغرافيا وكتب السيرة والعلوم الاجتماعية والديانات وغيرها.

وقد ترتب عن هذا الإنجاز قوائم طويلة من المترجمين العرب أصبحوا مرتبطين بالمشروع، وبذلك تكون "كلمة" أوفت بوعدها للمترجمين العرب بأن ساهمت في دعمهم ومنحتهم الفرصة لأن يكونوا في قلب الحركة الثقافية في العالم العربي.

وإذا أخذنا في الاعتبار، أن خطة المشروع كانت ترجمة مائة كتاب في السنة، فإن المنتوج الذي حققته "كلمة" يؤكد أنها تجاوزت هذه الخطة بمنحى إيجابي.

ما أهم المجالات التى ركزت عليها إصدرات "كلمة" وهل أخذ المشروع فى الاعتبار تلبية ما يحتاجه العالم العربى على الصعيد المعرفي؟

يهدف المشروع بشكل أساسي إلى إحياء حركة الترجمة في العالم العربي، ورفد المكتبة العربية بما ينقصها من علوم ومعارف، فرغم ما شهدته العقود السالفة من ترجمات، فإن وتيرتها كانت بطيئة، وجاء الاهتمام ببعض المجالات مثل الأدب على حساب العلوم والتخصصات الدقيقة، ومن هنا حدث النقص في المكتبات العربية، ولا نزعم بأننا، وخلال ثلاث سنوات فقط تمكنا من إكمال هذا النقص، لكنني أقول بأننا نسير على هذا الدرب.

ماهى المعايير التي يستند إليها المشروع سواء في انتقائه للكتب التي تتم ترجمتها، أو في انتقائه للمترجمين؟

يستند اختيار عناوين الكتب إلى عدة أسس أهمها حاجة المكتبة العربية إليها، وأهمية موضوع الكتاب وحداثته، بحيث يتم التأكد من أنه يقدم منهجاً جديداً في مقاربة الظواهر المدروسة، بالإضافة إلى ضرورة أن يخدم الكتاب القراء بشكل عام، والأكاديميين بشكل خاص.

وتسعى اختيارات "كلمة" للانفتاح على التخصصات والموضوعات المتنوعة، بالإضافة لفتح قنوات مع مختلف اللغات، وتسليط الضوء على لغات وثقافات لم يترجم عنها بشكل كبير مثل اليابانية والصينية والكورية والهندية والكردية ولغات أخرى.

وفي المجمل، هناك لجنة تحكيم من ثمانية أعضاء للنظر في قوائم الكتب المرسلة من دور النشر والمؤسسات العالمية والأخرى المقترحة من أجل إجازتها للترجمة أو رفضها، والسعي إلى اختيار الكتب المهمة، وتقييم عينات الترجمة.

ويتم اختيار المترجمين بناء على تخصصاتهم في الترجمة، فهناك مترجمون متخصصون في الأدب، وآخرون متخصصون في الفلسفة وعلم النفس... إلخ.

وقبل أن يكلف المترجم بالكتاب يخضع لاختبار العينة، إذ ترسل له بضع صفحات من الكتاب يترجمها ويرسلها لنا، لنتعرف من خلالها على قدرته على ترجمة الكتاب.

ما هى الصعوبات التى واجهت "كلمة" سواء قبيل انطلاقه أو خلال العمل طوال الثلاث سنوات الأولى، وكيف تم التغلب عليها؟

أعتقد أن أي مشروع ثقافي معرفي يواجه تحديات وصعوبات، ولن أزعم بأننا لم نواجه صعوبات، ولكنني أقول إننا كنا أكثر حظًا بفضل الدعم الكبير الذي يتلقاه المشروع من الدولة فتمكن من التغلب على أكبر عائق من شأنه أن يقوض فرص نجاح أي مشروع، ألا وهو الدعم المادي والمعنوي.

ومن خلال عملنا، أدركنا العديد من التحديات في واقع الترجمة بعالمنا العربي، منها تراجع مهارات المترجمين، نتيجة غياب مشاريع الترجمة، مما ترتب عليه تأخر حركة البحث العلمي مقارنة بالإنتاج الغربي، مما يجعلنا بحاجة إلى حركة ترجمة قوية ومنظمة للحاق بالغرب.

ووفقًا لتجربتنا نعتقد أن صقل خبرات المترجمين العرب، وزيادة عددها، مسألة يمكن تداركها إذا ظهرت مشروعات ترجمة في البلدان العربية الأخرى بدعم سخي مثل الذي يحظى به مشروع "كلمة".

من ناحية أخرى، تعتبر كل مرحلة من مراحل إنجاز الكتاب تحديًا في حد ذاته، بداية من اختيار العنوان والمترجم ومرورًا بمراجعة الترجمة وتنقيحها وصولاً إلى طباعة الكتاب وإصداره.

الترجمة في حد ذاتها مثيرة للجدل، ونحن نعيش في عصر تختلف فيه القيم اختلافًا شديدًا، ولكننا نؤمن بأن الترجمة ليس تلقي الآخر في سياق التشابه وإنما في سياق الاختلاف
وهناك أيضا مسألة حقوق الملكية الفردية، والتى تم التغلب عليها من خلال اتفاقيات الشراكة مع عدد من المؤسسات والجامعات الأجنبية، فضلاً عن مشاركاتنا في معارض الكتب الدولية، مما أتاح لنا فرصة الالتقاء بالناشرين الأجانب وإبرام الاتفاقيات معهم.

ولكن بشكل عام، نواجه صعوبات مع بعض دور النشر التي لم تؤسس علاقات دولية، وفي الكتب التي تكون حقوقها لدى المؤلفين مثل الكتب اليابانية والصينية والسويدية. وبشكل عام فإن الإمكانيات المادية الكبيرة للمشروع تيسر امتلاك حقوق النشر والملكية وغيرها.

هل هناك خطط مستقبلية لنقل وترجمة الثقافة العربية إلى اللغات الأخرى؟

هذا السؤال يطرح بشكل كبير، وجوابنا هو أن مجمل المؤسسات المعنية بالترجمة في عالمنا العربي لديها طموح في نقل وإيصال ثقافتنا للآخر، حتى نؤثر في الثقافة العالمية وننتقل من حالة الاستقبال إلى الإرسال.

لكن هناك صعوبات جمة تواجه تحقيق هذا الطموح، بداية من تحديد عناوين الكتب والمؤلفين الذين تستحق أعمالهم أن تترجم إلى اللغات الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالعلوم، وهناك أيضا صعوبة إيجاد ناشر أجنبي جاد يتبنى الكتاب ويتولى عملية التوزيع.

هذا بالإضافة إلى ضرورة توافر مؤسسات علمية تضعنا في سياق جماليات الاستقبال الأجنبية، وإلا فلن نعرف ماذا نختار وكيف نكتب أيضا بوصفنا كتابا عالميين، وكيف نخاطب البشرية رغم تعدد ثقافاتها، ونحن بشكل وبآخر بحاجة إلى اختيار تلك الكتب التي تمتلك شروط أن تكون كتبا عابرة للثقافات واللغات.

بشكل عام، أقول بأن الكتاب العربي يواجه تحدي التوزيع، وذلك لعدم وجود مؤسسات وشركات معنية مختصة بتوزيع الكتب، وبذلك يكون مطلوبا منا أن نترجم الكتاب وننشره ونوزعه، ولكننا نطمح أن نتمكن في المستقبل من نقل وترجمة الثقافة العربية إلى اللغات الأخرى.

التوزيع أيضا من أهم مشاكل نشر المعرفة في العالم العربي، فكيف تم التغلب عليها من خلال مشروع كلمة؟

بالنسبة للتوزيع والتسويق فالمشروع يولي اهتمامًا كبيرًا بهذا الجانب، إيمانًا منه بأن حركة الترجمة لن تنجح إذا لم تتفاعل مع بيئتها، وفيما يلي لمحة عن إنجازات المشروع في هذا المجال:

-تأسيس أكثر من خمسين نقطة توزيع في العالم العربي، وأكثر من ألفي نقطة في الإمارات.

-المشاركة في معارض الكتب الدولية، كمعرض فرانكفورت، ومعرض لندن ومعرض نيويورك ومعرض جنوب أفريقيا، علاوة على المعارض الحديثة، وتنظيم العديد من الفعاليات على هامش مشاركاتها، كحلقات النقاش واستطلاع آراء زائري المعارض حول إصدارات المشروع.

-إطلاق بعض المبادرات لنشر الكتب بين الأطفال واليافعين من طلبة المدارس، مثل بادرة "حقيبة أبو ظبي للأطفال" عام 2009، التى وزعت نحو عشرة آلاف كتاب، وحقيبة "أبو ظبي للناشئة" بواقع ألف حقيبة بكل من المنطقة الغربية والعين، ومبادرة تحت شعار "أبناء عالم واحد" التى وزعت أيضا ألف حقيبة تحتوي كتبا مميزة مترجمة عن أدب الأطفال العالمي.

كتاب بعنوان "فن العلم وسياساته" للمؤلف هارولد فارمس وترجمة أحمد مغربي من ترجمة مشروع كلمة (الجزيرة نت)
-كما يصدر عن المشروع على هامش معرض أبو ظبي الدولي سنويا ملحق ثقافي مطبوع يتحدث عن إصدارات المشروع، ويفتح نافذة للمترجمين والمثقفين والمعنيين بحركة الترجمة للتحدث عن واقع الترجمة في العالم العربي.

وتسعى "كلمة" إلى استخدام التقنيات الحديثة بما يضمن تطوير الخدمات وتسهيل حصول القراء على الكتب وتحقيق الاستغلال الأمثل للكتاب، وهي تدرس في الوقت الحالي تطبيق فكرة الكتاب الإلكتروني.

هل تفكر "كلمة" فى إيجاد ما يعرف بالطبعة الشعبية لإصداراتها، كوسيلة لزيادة التوزيع والتيسير للوصول إلى أوسع شريحة من الجمهور؟

هناك مؤسسات كثيرة في العالم العربي قدمت الطبعة الشعبية، مثل مصر والأردن والكويت وسوريا وغيرها، ونحن لا نرى أن الحل الأمثل إطلاق بادرة جديدة تصب في نفس الاتجاه، وإنما نكمل ما بدأته المؤسسات الأخرى.

ونقدم كتبا ذات طبعات فاخرة لنيسّر على المكتبات العربية إمكانية حفظها سنوات كثيرة، ونحيي جماليات الكتاب العربي القديم، الذي اشتهر عالميا بجمال زخارفه ونقوشاته وتجليده وحسن تبويبه وفهرسته.

كما نعمل فى الوقت الحالى على تطبيق مشروع لإصدار الكتاب الإلكتروني والكتاب المسموع، والذي ربما يكون أكثر شيوعا من الكتاب الشعبي، وكانت أولى الثمرات إصدار ما يزيد على ثلاثين كتابا صوتيا أو مسموعا بهدف رفع معدلات القراءة في العالم العربي واستقطاب الشريحة التي بات الكتاب التقليدي بالنسبة لها ليس موضع جذب وإعجاب.

هل هناك إصدارات أثارت جدلاً، وكيف تتلقى إدارة "كلمة" ردود الفعل على الإصدارات؟

نقدم كتبا ذات طبعة فاخرة لنيسّر على المكتبات العربية إمكانية حفظها سنوات كثيرة، ونحيي جماليات الكتاب العربي القديم الذي اشتهر عالميا بجمال زخارفه ونقوشاته وتجليده وحسن تبويبه وفهرسته
الترجمة في حد ذاتها مثيرة للجدل، ونحن نعيش في عصر تختلف فيه القيم اختلافًا شديدًا، ولكننا نؤمن بأن الترجمة ليس تلقي الآخر في سياق التشابه وإنما في سياق الاختلاف، فنحن نؤمن بحرية التعبير ونحترم أفكار الآخرين، لذا نؤمن بفتح النوافذ المغلقة ولكننا لا نؤمن بكسرها.

نحن نترجم ما هو مختلف بقصد الحوار وتقريب وجهات النظر وفهم الآخر، ودور مشاريع الترجمة في العالم العربي أن تنقل الأفكار والقيم كما هي -وإن كانت متعارضة مع قيمنا- من أجل إشاعة شعور التنوع ودعوة القراء العرب لقبول فكرة الآخر في سياق الاختلاف.

فلا يجوز تشويه الأفكار بحجة تعارضها مع الثقافة التي نمثلها، وقد كانت لدى بعض العرب مخاوف من ترجمة إنتاج الآخر قديما، ولكن حركة الترجمة العربية القديمة تحددت ضمن خيارات معرفية وعلمية، استطاعت عن طريقها أن تنقل الأفكار التي تأتي على النقيض من المعتقدات العربية القديمة، ويذكر هنا ترجمة كتب الفلسفة وغيرها.

كانت الاتفاقيات والشراكات أحد أهم ملامح عمل "كلمة" فما الهدف منها وأهم ما تم إنجازه من خلال تلك الاتفاقيات؟

سعيا إلى تأسيس جملة من العلاقات الدولية مع كبريات المؤسسات العلمية في العالم بهدف تطوير فكرة الترجمة لتكون بين مؤسستين عالميتين، أبرم مشروع "كلمة" مجموعة من اتفاقيات التعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية المعروفة والمعتمدة عالميًا.

من ضمن تلك الاتفاقيات، شراكة مع معهد الشرق فى روما، لتعويض النقص فى المكتبة العربية من الكتب المترجمة عن الثقافة الإيطالية، وبدأنا ببادرة ترجمة 25 عنوانا خلال سنة واحدة.

تلاها اتفاقية مع المركز الثقافي الهندي العربي بالجامعة الوطنية الإسلامية بنيودلهي لترجمة المؤلفات الهندية إلى اللغة العربية، الاتفاقية الثالثة مع كلية علم اللغات والثقافات التطبيقية فى جامعة يوهانيس غوتنبيرغ ماينتز/غرمرسهايم بألمانيا، استطعنا بعد مرور عام عليها ترجمة أكثر من ستين عنوانا.

وأبرم مشروع كلمة مؤخرا مع المعهد الفرنسي اتفاقية تعاون متبادل بشأن تدريب عدد من المترجمين العرب في فرنسا وتنظيم فعاليات وأنشطة ثقافية ذات صلة بالثقافتين الفرنسية والإماراتية، ووفقا للاتفاقية سيقوم الطرفان بترجمة روائع الأدب الفرنسي الكلاسيكي والمعاصر إلى اللغة العربية ومواصلة دعم نشر الثقافة الإماراتية في فرنسا.

كما سعت "كلمة" إلى توقيع اتفاقية تعاون مع مؤسسة الثقافة السويسرية في أغسطس/ آب 2010 إضافة إلى اتفاقية مع المؤسسة الهولندية لدعم الأدب الهولندي وصناعته، تم من خلالها الاتفاق على ترجمة خمسة كتب لمؤلفين من خيرة الخبرات الأكاديمية في أوروبا والعالم.

المصدر : الجزيرة