غلاف الترجمة الهولندية لرواية الكاتب السوري رفيق شامي سر الخطاط

عماد فؤاد-بروكسل

يعود الروائي السوري الألماني رفيق شامي من جديد إلى دمشق، بعد أن رحل عنها قبل 40 عاما كاملة، حينها كان كاتبنا في الـ25 من عمره، والآن يعود إلى مدينته السورية وهو ابن الـ65، هذه العودة تتشكل نصا روائيا من خلال روايته الجديدة "سر الخطاط"، التي صدرت ترجمتها إلى اللغة الهولندية هذا الأسبوع عن دار نشر "wereldbibliotheek" الهولندية، في 382 صفحة من القطع المتوسط.

يرسم شامي لوحة أخرى لمدينته الحبيبة، حيث لم يعد هناك وجود لنهر بردى ولا لترامات المدينة الشرقية الضاربة بجذورها في التاريخ، لم يبق شيء على حاله سوى مناخ القرى والمدن الصغيرة، ولم تبق إلا الخيانات الزوجية والنزاعات الطائفية ترفرف في الهواء والنسيم الشرقي العليل.

منذ الصفحات الأولى للرواية تشعر وكأنك في حاجة إلى ورقة وقلم لتسجيل الأسماء العديدة التي تزدحم بها تفاصيل الحكاية، ومع متابعة القراءة تشعر بأن هذه المشكلة التي هيمنت عليك أضحت هامشية ولا تأثير لها، وكأن المؤلف يريد منذ البداية أن يدخلك إلى زخم الشارع الدمشقي وأنت تسير فيه وسط كل هذه الوجوه التي تعبر جوارك، ورقة خلف ورقة ينقشع ضباب الوجوه والأسماء الكثيرة لتصبح جزءا من الحكاية ومن أجواء أزقة وشوارع دمشق، تصبح أنت القارئ واحدا من الذين يسيرون منشدين إلى رائحة القهوة الصباحية التي تعبق جو الأزقة والحارات التي تتوالد بعضها من بعض.

حب فاشل
رفيق شامي الذي استبدل مدينته دمشق في العام 1971 بهجرته النهائية إلى ألمانيا، يعود في روايته الجديدة ليرسم بورتريها محيرا لعاصمة سوريا كما كانت عليه قبل نصف قرن من الآن، فسلمان الصبي المسيحي الفقير يقع في حب نورا ابنة أحد شيوخ مساجد دمشق، بعدما كان يحب سارة جارته التي أصبحت فيما بعد مدرسة خصوصية، وتزوجت سنة 1955 من سائق حافلة لتنتقل فيما بعد للعيش معه في مدينته حمص وتنجب منه 12 طفلا!، وهي التفصيلة التي لا نعثر لها على أي قيمة في نسيج الرواية فيما بعد، ولكن ما نشعر به في ثنايا السطور أن رفيق شامي يجتهد في رسم ملامح شخصيات مكتملة منذ السطور الأولى، لنشعر أثناء القراءة بشخصيات من لحم ودم تتحرك أمامنا، رغم أننا تعرفناها للتو على ورق كتاب.

ليس هناك شيء سهل في دمشق رفيق شامي، فسلمان الذي يقع في حب نورا يصاب بخيبة أمل حين تتزوج فتاته من فنان الخط العربي الشهير حامد فارسي، الذي لا يكن لزوجته الجميلة أي محبة والمشغول عنها بعمله الفني محاولا جعل الخط العربي لائقا بالقرن العشرين، من خلال إعادة إحياء فنونه القديمة لتتوافق مع الطرق الحديثة، وهو ما يعارضه كثيرون، نظرا لأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم.

زواج نورا من حامد فارسي ينتهي بمأساة حين تقرر الزوجة الشابة الهرب من زوجها الذي يسيء معاملتها مع نصري الشاب المسيحي الذي يعمل صبيا أجيرا لدى زوجها، ويبدأ المحيطون بحامد الفارسي والكارهون له دفعه إلى الانتقام لشرفه، فيوحون إليه بأن السبب الرئيس في دفع زوجته إلى الهرب منه هو زير نساء مشهور في دمشق، فيقدم حامد المغرر به على قتل زير النساء ويسجن، ليشعر بعد ذلك بأن الفرصة أتته أخيرا ليتفرغ في السجن لمشروع إحياء فنون الخط العربي الذي عاش حياته يحلم بتحقيقه.

غلاف الإصدار الألماني لرواية "الجانب المظلم للحب" (الجزيرة نت) 
للعرض الأوروبي
في أثناء ذلك نلتقي في أحداث "سر الخطاط" بالعديد من الشخصيات التي تجعلنا نشعر وكأن رفيق شامي إنما يستعيد عالمه الدمشقي بكل تفاصيله التي خبرها حين كان شابا، فالكاتب لا يترك شيئا من تفاصيل ثقافته العربية إلا ويرصدها من باب "هذا هو الشرق الذي أنتج ألف ليلة وليلة"، فنتعرف ضمن أحداث الرواية رجل الأعمال الغني نصري أباني (قباني ربما)، الذي يملأ فراغ حياته الثرية بعلاقاته النسائية المتعددة، إضافة إلى زوجاته الأربع وعشيقته المومس أسمهان.

كما نتعرف كذلك الشاب "كرم" صاحب أحد مقاهي دمشق الذي يرتاده شباب من الشواذ، كرم الذي تربطه علاقة شاذة مع بدري الحلاق لاعب كمال الأجسام والمسلم الكاره لأي شيء مسيحي، مجموعة من المتناقضات لا يمكن لنا أن نتصورها تجتمع في شخص واحد، كيف يكون هذا الحلاق المسلم حريصا على رياضة كمال الأجسام وفي الوقت نفسه هو شاذ جنسي ومتعصب لدينه بالشكل الذي يجعله يكره أي شيء له علاقة بالمسيحية؟! رفيق شامي في روايته لا يقدم لنا إجابات بقدر ما يقدم لنا شخصيات من ماركة "صالحة للعرض الأوروبي فقط".

بعد أن تنتهي من قراءة "سر الخطاط" لرفيق شامي تشعر وكأن الشخصيات الرئيسة في كل قصة صريحة عن دمشق، هي عبارة عن طابور طويل من النساء والأمهات والحموات والجيران والشخصيات الريفية المميزة، تشعر وكأن النميمة النسائية العابرة التي تتردد في الأزقة القديمة هي التاريخ الحقيقي لمدينة مثل دمشق، التي يمتد تاريخها الطويل إلى أكثر من 6000 عام، لكنها تحولت لدى رفيق شامي في روايته الجديدة إلى مجموعة من الحكايات التي كانت يوما ما واقعية، فأضحت الآن أساطير تلقى على عتبات البيوت.

غلاف كتاب "يد ملأى بالنجوم" (الجزيرة نت) 
السيرة والرواية
سيرة حياة رفيق شامي نفسه تجعلنا نعيد تلقي روايته الجديدة من منظور آخر، فالرواية تنهل بشكل كبير من سيرة الكاتب الحقيقية، حيث عمل رفيق شامي منذ صباه مساعدا لأحد الخطاطين السوريين المشهورين، وهو وإن كان لم يستمر في دراسته للخط العربي، يحاول في روايته رصد ولعه بفن الحروفيات العربي، لذلك حفلت الرواية التي صدرت في اللغة الألمانية، وأخيرا صدرت ترجمتها إلى عدة لغات من بينها الإنجليزية والهولندية، بنماذج للخطوط قام بكتابتها فنان الخط العربي عصمت أميرالاي، وهو ما يجعلنا نتلقى الرواية ليست فقط بوصفها نصا مكتوبا، بل أيضا بوصفها عملا فنيا يمتزج فيه النص المكتوب بالحروفيات المخطوطة، صانعة من العمل الأدبي عملا فنيا مميزا.

ورفيق شامي هو روائي سوري ولد في العام 1946 بدمشق, وهاجر إلى ألمانيا عام 1971 وعمل في ورشات ومصانع إلى جانب دراسته من 1971 إلى 1979، حيث نال درجة الدكتوراه في مجال الكيمياء العضوية المعدنية، وفي العام 1982 قدم رفيق شامي استقالته من عمله ليتفرغ تماما للكتابة الأدبية. كما نشر العديد من رواياته التي كتبها باللغة الألمانية ومن بينها "الجانب المظلم من الحب"، "التقرير السري عن الشاعر الكبير غوته"، "حكايات من معلولا"، "رحلة بين الليل والنهار"، "حكواتي الليل"، "جبل الجليد الملتهب"، "في القلب دمشق". وغيرها من الروايات والكتب الأخرى.

وحصل شامي على العديد من الجوائز الأوروبية، من بينها جائزة أدلبرت شاميسو التشجيعية للأدباء الأجانب (ألمانيا 1985)، وجائزة تاديوس ترول (ألمانيا 1986)، وجائزة الكوبرا الزرقاء لكتاب العالم الثالث (سويسرا 1987)، وجائزة مدينة هاملن لأفضل رواية (ألمانيا 1990)، وجائزة هيرمان هيسه (ألمانيا 1994)، والجائزة العالمية لفن القصة (أميركا 1997)، وجائزة لياندر هايدلبرغ (ألمانيا 2002)، وجائزة فايلهايم الأدبية (ألمانيا 2003)، وجائزة الدولة للفن في مقاطعة البفالز وحوض الراين (ألمانيا 2003).

المصدر : الجزيرة