شوشة: الإرادة القومية تحفظ اللغة
آخر تحديث: 2011/4/6 الساعة 13:29 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/4 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/4/6 الساعة 13:29 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/4 هـ

شوشة: الإرادة القومية تحفظ اللغة

فاروق شوشة اعتبر أن الدولة لا تولي اللغة العربية أهمية بالغة (الجزيرة نت )

حاوره في القاهرة: بدر محمد بدر

يعد الشاعر والإعلامي الكبير فاروق شوشة من الهامات في دنيا الثقافة والأدب في مصر والوطن العربي، بما قدمه من بحوث لغوية وإعلامية رائدة، وصدر له حتى الآن نحو 20 مجموعة شعرية، و6 أعمال شعرية للأطفال، و18 كتابا في الدراسات والمختارات، و4 كتب في التحقيق، وهو شاعر وناقد وكاتب مقال ومحاور إعلامي ومحاضر جامعي.

ولد شوشة عام 1936 بقرية "الشعراء" بمحافظة دمياط أعلى دلتا النيل (شمال مصر)، ودرس اللغة العربية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة وتخرج فيها عام 1956، وعمل مدرسا بالتربية والتعليم لمدة عام، ثم التحق بالإذاعة المصرية، وتدرج في المناصب حتى أصبح رئيسا لها في العام 1994.

ومن برامجه الإذاعية "لغتنا الجميلة"، والتلفزيونية "أمسية ثقافية"، وهو رئيس لجنة المؤلفين والملحنين، وعضو لجنة الشعر في المجلس الأعلى للثقافة، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية عام 1986، والتقديرية عام 1997، كما حصل على جوائز عربية ودولية عديدة.

ويشغل فاروق شوشة حاليا منصب الأمين العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، الذي تأسس في العام 1932، وبدأ بالعمل فعليا عام 1934، وحول أزمة اللغة العربية ودور المجمع ورؤيته للمستقبل، كان هذا الحوار:

 كيف ترى دور "مجمع اللغة العربية" في حماية "العربية" والحفاظ عليها عبر تاريخه الطويل؟

هذا السؤال يشكل مادة رئيسة في قانون إنشاء المجمع، الذي صدر في العام 1932، وكان من أهم أهدافه الحفاظ على اللغة العربية، وجعلها تفي باحتياجات العصر، والعمل على المحافظة عليها وتطويرها، والمجمع ليس وحده في هذا المجال، فهناك مؤسسات ثقافية وتعليمية ومؤسسات مجتمع مدني.

وبالأساس لا بد من توفر إرادة قومية للحفاظ على اللغة، وإلا يذهب كل ما تفعله هذه المؤسسات أدراج الرياح، ولذلك يصدر المجمع المعاجم، ويبحث في لجانه المختلفة المواد والمصطلحات الجديدة، التي يجب إدخالها في علوم مختلفة، سواء كانت لغوية أو علمية.

ما الكيفية التي يعمل بها المجمع اللغوي؟


مجمع اللغة العربية في مصر يتكون من 33 لجنة علمية، كل منها تعمل في مجال معين، وهذه اللجان تضم كل ألوان المعارف، منها وهو يصدر معاجم علمية ولغوية، ومن أشهر المعاجم اللغوية "المعجم الوسيط"، الذي يعد المعجم الأول في الاستخدام على مستوى الوطن العربي، ونحن نحدثه الآن لكي نصدر منه طبعة جديدة بعد أن صدرت طبعته الأولى عام1960.

أنا أعلم أن الدولة لديها معضلات كبرى في إقامة البنية التحتية والماء والكهرباء والمساكن والتشغيل وغيرها، ولكن لا بد من مجال بينها ومحل اهتمام باللغة العربية كقضية هامة ومصيرية أيضا

كما يعكف المجمع على إتمام ما تبقى من أجزاء المعجم الكبير، وقد صدرت منه ثمانية أجزاء والبقية تأتي، أيضا المجمع أصدر "المعجم الوجيز" لتلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، هذا ما يتصل بالمعاجم اللغوية، أما ما يتصل بالمعاجم العلمية فهناك العشرات، منها المتخصصة التي يمكن أن يستفيد منها الباحثون والأساتذة، الذين يؤلفون في العلم أو يدرسون هذه العلوم في الجامعات.

هل يشارك المجمع في إعداد مناهج اللغة في المدارس أو كليات اللغة العربية؟

المجمع ليس جهة تنفيذية، ولا يشارك في وضع مناهج التعليم بالمدارس، ولا يتدخل في عمل أقسام اللغة العربية في الجامعات، ولكنه يصدر قرارات عامة في ضوء تعديل قانونه الأخير، الذي تم منذ ثلاث سنوات، وأصبحت هذه القرارات بحكم القانون ملزمة، بشرط أن يدفع بها وزير التعليم العالي، المسؤول دستوريا عن المجمع، إلى الجهات المختصة، ولدينا توجهات بالنسبة للغة العربية في الإعلام والتعليم ومؤسسات المجتمع المدني، الثقافية والعلمية والأدبية والدينية إلى آخره، ولا يمكن للمجمع أن يكون بديلا لهذه المؤسسات في العمل اليومي، والمجمع هو أعلى سلطة للتخطيط اللغوي في المجتمع المصري.


ما التحديات التي تواجه المجمع اللغوي في تطبيق قراراته؟

المشكلة أن الدولة لم تر قضية اللغة العربية قضية بالغة الأهمية على المستوى القومي حتى الآن، وقد نبه المجمع لأكثر من 75 عاما إلى الأخطار المحيطة بتعليم اللغة العربية، التي أدت في النهاية إلى كراهية الناشئة للغته القومية، بل أصبحت هذه اللغة على ألسنة الشباب أحيانا مثارا للسخرية والتندر، لأنه لا المنهج الدراسي مقنع، ولا الكتاب المدرسي مقنع، ولا أداء معلم اللغة العربية مقنع، وليست العلاقة بين اليوم المدرسي واستخدام اللغة العربية في نشاطاته المختلفة مقنعة أيضا، وهكذا انهار تعليم اللغة العربية في المدرسة، كما ضعف بشكل كبير في الجامعة.

وهذه مشكلة ليس حلها بيد المجمع بل بيد الدولة، عندما تعد قضية اللغة العربية قضية قومية، وثيقة الصلة بقضية الهوية، وبإتقان المواطن لثقافته ولسانه وتعامله مع الثقافات واللغات الأخرى، وقد دخل القرار الجمهوري بشأن تنفيذ توجيهات وقرارات المجمع مجلس الشعب، وصدر به قانون ملزم لوزارتي الإعلام والتعليم، ومؤسسات المجتمع المدني، وكل هيئة تعمل في مجال اللغة العربية.

وهل تعتقد أن الحكومة الجديدة (بعد ثورة التحرير) يمكن أن تحقق رؤى وطموحات المجمع؟

هذه الوزارة الراهنة مؤقتة، وحياتها محددة بمدة شهور لا تكفي لحسم هذا الأمر، لكن نأمل ذلك من وزارة دائمة، تعكف على دراسة الملفات الكبرى، ومنها ملف التعليم، وضمنه  ملف اللغة العربية على وجه الخصوص.

 
ما أهم التحديات التي تواجه اللغة العربية في مصر كما تراها؟

المسؤولية الأولى هي مسؤولية التعليم، أي أن يكون لدينا تعليم متطور، لأن هذا هو الذي يضع أساس البناء، والثانية: مسؤولية أجهزة الإعلام، لأنها هي التي توصف بأن تأثيرها هو الأشد على النشء ثم على الوطن، وعندما أتكلم عن أجهزة الإعلام أتكلم عن اللغة المستخدمة في الصحافة والإذاعة والتلفزيون والفضائيات.

اللغة العربية أثبتت في الماضي وتثبت الآن أنها قادرة على استيعاب كل العلوم، والمعاجم اللغوية التي أصدرها المجمع في المجالات العلمية شاهد على ذلك
أما على المستوى الثالث فهناك مسؤولية الأسرة، بأن يكون هناك بيت يهتم بأن يتعلم أولاده تعليما لغويا صحيحا، وأن يحرصوا على أن يكون في البيت ما يقرأ، وبالتالي يمكن تربية عادة القراءة عند الناشئة في سن مبكرة، فالأطفال يقرؤون عندما يرون الكبار يقرؤون، فيقلدونهم في أول الأمر. أيضا عندما نجد موقفا من المجتمع ككل، في مواجهة الأخطاء التي تحدث في أجهزة الإعلام، أو التي تشيع على ألسنة الناس ولا نجد أن من يتكلم بالعربية الفصحى محل استهزاء، فمعنى هذا أن المجتمع أصبح لديه رأي، وهذا الرأي من شأنه أن يغير.

 
كيف ترى حال العربية في وسائل الإعلام المصري عموما؟

نحن نقرأ ونستمع إلى كمية مهولة من الأخطاء على ألسنة العاملين في أجهزة الإعلام، وعلى ألسنة الضيوف في برامجهم، وأصبح من النادر أن نجد متحدثا يجيد لغته أو يستطيع السيطرة على لغته، وبالطبع هناك من المتحدثين من هم في مجالات عمل كبيرة ورسمية، وهؤلاء قدوة للمجتمع، وحين نسمعهم يخطئون تنتقل هذه الأخطاء بالتالي إلى الأجيال الناشئة والشباب.

من وجهة نظركم كيف ننهض باللغة العربية؟


لا بد أولا من تعليم صحيح، ومن أجهزة إعلام صحيحة، ومن مؤسسات عاملة في مجال المجتمع المدني، ولا بد من إرادة قومية للدولة تهتم بالمشكلة باعتبارها من المشكلات الكبرى، وأنا أعلم أن الدولة لديها معضلات كبرى في إقامة البنية التحتية والماء والكهرباء والمساكن والتشغيل وغيرها، ولكن  لا بد من مجال بينها ومحل اهتمام باللغة العربية كقضية هامة ومصيرية أيضا.

 
كيف أثر التعليم باللغات الأجنبية على مستقبل "العربية" في مصر؟

تعلم اللغات الأجنبية ضرورة قومية ووطنية، ودون ذلك ننعزل تماما عن العصر ونتخلف، ولكن المشكلة أن يكون التعليم باللغات الأجنبية بديلا عن التعليم بالعربية، ومثال ذلك الدراسة بكليات، الطب والصيدلة والعلوم والهندسة وغيرها من الكليات العلمية لا تزال بالإنجليزية، ويجب أن تكون باللغة العربية، وتعلم اللغات الأجنبية يجعلنا نتابع حركة العلم والثقافة والمعرفة في سائر اللغات، ونحن نؤيد تعريب العلوم كقضية ضرورية في مصر.

أيضا لا بد أن يتأخر تعلم اللغات الأجنبية، حتى يتعلم الطفل لغته العربية أولا، دون أن تؤثر عليه تلك اللغات، ولا يجب أن يتعلمها إلا بعد أن يشتد عوده، ويستطيع أن يقيم علاقته مع لغته الأم في صورة صحيحة، فقبل سن التاسعة يكون التعلم باللغة العربية فقط هذا ما أكد عليه التربويون.

 هل تعتقد بأن هناك مؤامرة على اللغة العربية؟ وهل للغرب دور في أزمتها في بلادنا؟

فكرة المؤامرة دائما تداعب خيال أهل الشرق، وأعتقد أننا نحن الذين تخلفنا، ونحن الذين أهملنا لغتنا العربية، ونزلنا بمستوى التعليم إلى الحضيض، وإذا كان هناك متآمرون فهم "نحن" وليس أي أحد آخر.

 هل لديكم برامج عمل مقترحة لإعادة تأهيل الإعلامي والمعلم في مجال اللغة؟

فكرة المؤامرة دائما تداعب خيال أهل الشرق، وأعتقد أننا نحن الذين تخلفنا، ونحن الذين أهملنا لغتنا العربية، ونزلنا بمستوى التعليم إلى الحضيض، وإذا كان هناك متآمرون فهم "نحن" وليس أي أحد آخر
كل جهاز لديه فرصة للتدريب في العمل، وزارة الإعلام لديها معاهد تدريبية تؤهل العاملين فيها إعلاميا ولغويا وأدائيا، والصحافة بها نقابة الصحفيين وهكذا، فكل مؤسسة أدرى بطرق التطوير المهني فيها.

اليعض يتهم اللغة بأنها لم تعد تصلح لغة للعلوم، وأنها غير قادرة على استيعاب مستجداتها ومصطلحاتها؟

اللغة العربية أثبتت في الماضي وتثبت الآن أنها قادرة على استيعاب كل العلوم والمعاجم اللغوية التي أصدرها المجمع في المجالات العلمية شاهد على ذلك، وهناك من الأساتذة في دول عربية مثل سوريا، من يمارسون بالفعل تدريس هذه العلوم بالعربية، وهم وتلاميذهم نجحوا وتفوقوا وأنجزوا.

ما أهم الموضوعات المطروحة على أجندة المؤتمر السنوي المقبل للمجمع؟

سوف يناقش المؤتمر السنوي المقبل الذي سيعقد في الثاني من مايو/أيار في دورة الـ77، قضية "اللغة العربية وموقف مؤسسات المجتمع المدني منها"، ولدينا في مصر ثلاث جمعيات أهلية هي: "الجمعية المصرية لتعريب العلوم"، و"لسان العرب"، ثم "حماة اللغة العربية"، وهناك نظائر لهذه الجمعيات في دول العالم العربي، ونناقش المشكلات التي تواجهها هذه الجمعيات، وماذا تريد من المجمع اللغوي وكيف يفيد المجمع منها، وكيفية توثيق العلاقة بين المجمع وتلك المؤسسات.


وكيف تنسقون مع المجامع العربية الأخرى؟

المؤتمر السنوي معناه دعوة كل المجامع العربية للمشاركة على مدى أسبوعين، وبالتالي كل ما يفعله مجمعنا لا يصبح معتمدا نهائيا، قبل أن يعرض على المؤتمر السنوي، الذي يشارك فيه العلماء المجمعيون العرب، والمراسلون لمجمعنا في الخارج.


وماذا عن حال "العربية" في الوطن العربي اليوم؟

حالها كحالنا وربما أسوأ قليلا أو كثيرا، لأن المشكلة عامة وليست خاصة بقطر دون قطر، وكل من هذه الأقطار أكثر دراية بآليات العمل والعلاج.

المصدر : الجزيرة

التعليقات