صدر مؤخرا كتاب "دار الهلال مؤسسة التنوير"، وجاء في 196 صفحة كبيرة القطع ضمن سلسلة "ذاكرة مصر المعاصرة". ومن يقرأ هذا المجلد التذكاري الذي أصدرته مكتبة الإسكندرية عن تجربة دار الهلال لا يتخيل مصر والثقافة العربية دون هذه المدرسة الصحفية التي أدت دورا بارزا في التنوير منذ نهاية القرن التاسع عشر.

فإلى هذه "المدرسة" التي يصعب القول إنها شامية أو مصرية انضمت أسماء هامة مثل حافظ إبراهيم وطه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد أمين وإبراهيم عبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل وزكي مبارك ونقولا فياض وخليل مطران وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ومي زيادة وأحمد بهاء الدين ورجاء النقاش. وكان المؤرخ اللبناني جرجي زيدان (1861-1914) قد أصدر بالقاهرة في سبتمبر/أيلول 1892 مجلة "الهلال" أقدم مجلة عربية.

أما الكتاب الصادر حديثا "دار الهلال مؤسسة التنوير" فقد أعده وحرره محمود عزت، ويعد الكتاب وثيقة تؤرخ لمائة عام من تطور الطباعة "أعظم انقلاب في تاريخ البشرية".

واستعرض الفصل الأول "بزوغ الهلال وارتقاءه الصحافة الشامية وهجرتها إلى مصر" هجرة الصحفيين الشوام نتيجة "ما كانوا يعانونه من اضطهاد وقسوة القيود التي وضعها الحكم العثماني التركي على أعمالهم وكذا فقدهم لحقهم في حرية التعبير"، في ظل ما سمي استبداد السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم بين العامين 1876 و1909 وكان يخشى "دولة الصحافة".

من يقرأ هذا المجلد التذكاري عن تجربة دار الهلال لا يتخيل مصر والثقافة العربية دون هذه المدرسة الصحفية التي أدت دورا بارزا في التنوير منذ نهاية القرن التاسع عشر
أول صحفي
وكان أول صحفي شامي يهاجر إلى مصر لويس صابونجي الذي أصدر 31 عددا من مجلة "النحلة الحرة" في بيروت ثم استأنف إصدار هذه المجلة، وهي أول مجلة شامية في مصر. ونقل الكتاب أن صابونجي كتب في افتتاحية العدد الأول عام 1871 بالقاهرة "النحلة الحرة تطبع في بلاد حرة تنشر عند اللزوم ودون ميعاد".

وفي رأيه أن الأخوين سليم وبشارة تقلا "من أبرز الصحفيين الشوام الذين هاجروا إلى مصر" حيث أصدرا بمدينة الإسكندرية الساحلية صحيفة "الأهرام" أسبوعيا في 5 أغسطس/آب 1876، وفي العام التالي أصدرا صحيفة يومية هي "صدى الأهرام"، وتمكنا من انتقاد سياسة الخديوي إسماعيل نظرا لأنهما حملا الجنسية الفرنسية.

وفي العام 1892 تولى الخديوي عباس حلمي الثاني حكم مصر وأقيم جسر جديد على نهر النيل بالقاهرة وشهدت البلاد تطورات عمرانية وسياسية، حيث انتعشت صحف الأحزاب وصحف ومجلات مستقلة، منها مجلة "الأستاذ" لعبد الله النديم، وتعد امتدادا لمجلة "العروة الوثقى" لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده.

وجاء ميلاد "الأستاذ" قبل صدور مجلة "الهلال" بأسبوع. وعرفت الهلال نفسها في هذا السطر الإيضاحي "مجلة علمية تاريخية صحية أدبية" وقيمة الاشتراك 50 قرشا مصريا في السنة في القطر المصري.

يجوب الآفاق
وقال الكتاب ان اسم "الهلال" أصبح "يجوب الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، واعتبرت من أوسع المجلات العربية انتشارا في ذلك الوقت"، وفي 1894 أصدر زيدان سلسلة روايات الهلال التي تخصصت في نشر الترجمات العربية للإبداعات العالمية.

قال الكتاب ان اسم "الهلال" أصبح "يجوب الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها واعتبرت من أوسع المجلات العربية انتشارا
ويضم الكتاب عشرات الوثائق والصور الفوتوغرافية من أرشيف جورج شكري زيدان حفيد مؤسس الهلال، منها صور لجرجي زيدان في مراحل عمره المختلفة وصور لشكري جرجي زيدان (1900- 1984) مع سياسيين وصحفيين وفنانين، منهم مكرم عبيد ومصطفى النحاس والرئيس المصري الأسبق محمد نجيب والرئيس السوري الأسبق شكري القوتلي وجبران تويني ومحمد التابعي وأنطون الجميل ومحمد عبد الوهاب ويوسف وهبي والأميركي سيسيل دي ميل مخرج فيلم "الوصايا العشر".

كما يضم وثائق منها خطابات تهنئة في العيد الذهبي للمجلة عام 1942 من ملك مصر السابق فاروق وملك الأردن الأسبق عبد الله بن الحسين ومن "البلاط الملكي العراقي" ورئاسة الجمهورية السورية.

ويقدم الفصل الثالث سردا تاريخيا لإصدارات دار الهلال، وفي مقدمتها مجلة "المصور" الأسبوعية التي صدر عددها الأول يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول 1924 وثمن النسخة 10 مليمات، وحمل غلافه صورة ملك مصر آنذاك فؤاد الأول، وحمل غلاف العدد الثاني صورة الزعيم سعد زغلول.

المصدر : رويترز