اللوحة والصورة ما قبل الرافائيلية
آخر تحديث: 2011/4/4 الساعة 13:51 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/4/4 الساعة 13:51 (مكة المكرمة) الموافق 1432/5/2 هـ

اللوحة والصورة ما قبل الرافائيلية

صورة بعنوان "لم تبح بحبها" من أعمال الفنان روبنسون (الجزيرة نت)

أنطوان جوكي-باريس

لا يمكن إهمال المعرض الذي انطلق في متحف أورسيه تحت عنوان "نزهة حب وموت – الصورة الفوتوغرافية ما قبل الرافائيلية". فمن خلال مقابلة مثيرة بين عشرات الصور الفوتوغرافية واللوحات، يكشف القيّمون على هذا المعرض عمق العلاقات التي تربط الصورة الفنية الفيكتورية بفن الرسم ما قبل رافائيلي (préraphaélite).

ولإدراك أهمية هذا المعرض، لا بد من العودة إلى عام ١٨٤٨، حين قرر عددٌ من الرسامين البريطانيين الشبّان، مثل جون إيفيرت ميللي ودانتي غابرييل روسّيتي وويليام هولمان هانت، التجمّع داخل حركة دُعيت "أخوّة ما قبل الرافائيلية" من أجل التمرّد على التعليم الأكاديمي المسؤول، في نظرهم، عن انحطاط فن الرسم البريطاني بعد ويليام تورنر.

وطمح أولئك الرسامون بابتكار فن رسم مختلف بطريقة جذرية، أكثر صفاء وصراحة واقترابا من الطبيعة؛ فنٌ يتميز بألوانه النيّرة ودقة تفاصيله، مستوحى من الرسامين الإيطاليين البدائيين الذين لم يتأثروا بأسلوب وقواعد رافائيلي وأتباعه خلال عصر النهضة.

والمثير أن بعض المصوّرين الفوتوغرافيين كانوا على ارتباط وثيق آنذاك بهؤلاء الرسامين وتشاركوا معهم الميل إلى الهواء الطلق والوفاء إلى تعليم المؤرخ وناقد الفن جون راسكين الذي دافع بدوره عن الفن ما قبل رافائيلي. ومع أن "الأخوّة" انحلت بسرعة عام ١٨٥٤، لكن الأسلوب الفني الذي ابتكرته وروّجت له بقي فاعلا بقوة حتى عام ١٨٧٥.

لوحة للفنان روسيتي (الجزيرة نت)

في الهواء الطلق
ومنذ عام ١٨٤٣، تاريخ صدور المجلد الأول من بحثه الضخم "الرسامون الحديثون"، حضّ راسكين الرسامين على العمل في الهواء الطلق ودراسة الطبيعة في أصغر تفاصيلها.

وتبع رسامو حركة ما قبل الرافائيلية هذه النصيحة بحذافيرها فأنجزوا ليس فقط رسومهم الإعدادية في أرجاء الطبيعة بل لوحاتهم أيضا. ولعلهم عثروا على تشجيعٍ على سعيهم خلف الدقة داخل الصور الفوتوغرافية التي حققها منذ عام ١٨٥٠ المصوّرون الذين استخدموا النسخة السلبية على زجاج بما يسمح بشفافيةٍ كبيرة.

وبالمقابل، عثر هؤلاء المصورون الذين سعوا إلى السمو بصورهم إلى حدود العمل الفني، على نموذجٍ يمكن اتباعه في المشاهد التي أنجزها رسامو ما قبل الرافائيلية، وذلك بعد فترة قصيرة من ابتكار لويس داغير آلة التصوير الفوتوغرافي عام ١٨٣٩.

ووصف راسكين هذا الوسيط الفني الجديد "بأروع ابتكارات العصر"، وبمساعدة خادمَيه جون هوبس وفريديريك كرولي، قام بالتقاط مئات الصور لمشاهد صخرية نظراً إلى شغفه بعلم الجيولوجيا ولكن أيضاً بهندسة مدينة البندقية التي درسها أيضاً بدقة بواسطة آلة داغير.

وبالنسبة إلى هذا الناقد الذي كان أيضاً رساماً بارعاً، لا تأخذ آلة التصوير مكان اليد العاجزة عن الرسم بل تعلّمنا أن ننظر إلى الأشياء جيداً. فسطح الصورة الفوتوغرافية يسمح بتثبيت تفاصيلٍ تفلت أحياناً من العين المجردة.

من أعمال المصورة جوليا كاميرون (الجزيرة نت)
تحولات الطبيعة
والمتأمّل في أعمال المعرض الحالي يلاحظ بسرعة الوقت الطويل الذي أمضاه مصوّرو ورسامو ما قبل الرافائيلية في الهواء الطلق لدراسة تحولات الطبيعة من فصلٍ إلى آخر واختلاف حدّة الضوء وفقاً لساعات النهار.

فالمصوّرون بذلوا جهدا كبيرا للتعبير عن العلامات المناخية المرئية، لكنهم اصطدموا بصعوبات كبيرة لدى محاولاتهم التقاط السماء والأرض داخل صورةٍ واحدة لأن آلاتهم التصويرية كانت أكثر حساسية لزرقة السماء منه لخًضرة ورمادية الأرض والجذوع والأغصان، الأمر الذي دفعهم إلى تجنّب السماوات في "كليشيهاتهم" أو إلى التقاط صورتين مختلفتين في وقت واحد.

ومن جهتهم، راقب رسامو ما قبل الرافائيلية المطلعون بالتأكيد على اكتشافات ميشال أوجين شوفرول في ميدان تكوين الأشعة الضوئية، مفاعيل الشمس على الألوان وتمكّنوا من إسقاط جانبها البرّاق حتى في الجوانب المظللة للوحاتهم.

لأن رسامي ما قبل الرافائيلية لم يحصروا اهتمامهم بالطبيعة والبورتريه بل عالجوا أيضاً بكثافة مواضيع شعرية مستقاة من الأدب والتاريخ والأساطير، نلاحظ في أعمالهم مراجع ثابتة ومفضّلة، كمسرحيات شكسبير وبعض قصائد كيتس وتينيسون
وكردّ على النقاد الذين لاموا هؤلاء الرسامين على عدم خضوع توزيعهم للظلال والأضواء لأي قاعدة جدّية، صرّح راسكين مرارًا بأن "نظامهم هو تحديداً نظام الشمس الذي يتجاوز نظام الرسم في عصر النهضة، مهما بلغ سطوعه".

مزيج حي
حلقة ما قبل الرافائيلية تألّفت من مزيح حيّ من الرسامين والمصوّرين والكتاب والعلماء. فمن بين الوجوه البارزة التي كانت ساره برينسِب، أخت المصورة جوليا كاميرون، تستقبلها في صالونها الشهير في لندن، نذكر الشاعر روبرت براونينغ والرسامين روسّيتي وهانت وجورج واتس والعالِم ويليام هيرشيل والفيلسوف توماس كارليت، دون أن ننسى الكاتب الكبير لويس كارول الذي دفعه اهتمامه البالغ بجديد الفنون البصرية إلى ممارسة التصوير الفوتوغرافي بموهبة لافتة، خصوصاً في مجال البورتريه.

ومع أن الصورة الفوتوغرافية اشتهرت بسرعة لبراعتها في التقاط ملامح الوجه وتفاصيل الأشياء بدقة كبيرة، لكنها انتُقدت باكرا أيضا لعدم قدرتها على تمثيل حيوية تعابير الوجه بسبب مكوث صاحبه وقتاً طويلاً في وضعية واحدة لالتقاط صورته، مما يُسيء إلى الجانب الطبيعي للصورة. وهذا ما دفع بمصوّرين مثل دايفيد وينفيلد وخصوصا جوليا كاميرون إلى البحث بمثابرة في مجالات ضبط الصورة ووضعيات التصوير وتقنياته لحل هذه المشكلة وبلوغ صور ساحرة.

ولأن رسامي ما قبل الرافائيلية لم يحصروا اهتمامهم بالطبيعة والبورتريه بل عالجوا أيضاً بكثافة مواضيع شعرية مستقاة من الأدب والتاريخ والأساطير، نلاحظ في أعمالهم مراجع ثابتة ومفضّلة، كمسرحيات شكسبير وبعض قصائد كيتس وتينيسون التي تعيد، مع نثر مالوري، إحياء أسطورة الملك آرثر.

وفي هذه الأعمال، نجدهم يختارون بدقة فصولاً ذات مضمون سيكولوجي ويجهدون في البقاء أوفياء للحقيقة التاريخية على مستويي الديكور والأزياء. وعلى هذا الصعيد، قلّدهم مصوّرو ما قبل الرافائيلية فاستوحوا من المصادر ذاتها رغبةً منهم في إثبات قدرة الصورة الفوتوغرافية على سرد حكاياتٍ بنفس البراعة التي تتمتع بها اللوحة الفنية.

لوحة الكتابة على الرمل للفنان روسيتي (الجزيرة نت)
مواضيع اجتماعية
وبموازاة موضوع الطبيعة والمواضيع الشعرية، تعمّد رسامو ما قبل الرافائيلية معالجة مواضيع حديثة ذات طابع اجتماعي أو أخلاقي، مثل لوحة مادوكس براون "عمل" التي تمثل مختلف طبقات مجتمعه أو لوحتي هنري واليس وجون بريت اللتين تحملان العنوان ذاته، "الكسّارون"، كما اهتموا بموضوع الدعارة التي كانت متفشية آنذاك، كما في لوحة روسّيتي "فاوند" أو في لوحة هانت "يقظة الضمير".

وفي هذا الأمر أيضا قلّد مصوّرو ما قبل الرافائيلية رفاقهم الرسامين، كما يتجلى ذلك في صورة رايلاندر "الليل في المدينة" أو في صورة روبينسون "بعد دوام المدرسة". وإن برع هؤلاء في معالجة مواضيع مأساوية ضمن عمليات إخراجٍ جامدة.

لكنهم عجزوا عن معالجة مواضيع خفيفة ويومية كما فعل روسّيتي مثلاً في لوحة "كتابة على الرمل"، لغياب أي تقنية آنية ملائمة تسمح لهم بالتعبير عن الطريقة الملحّة والواقية التي يمسك الرجل بها يد رفيقته في اللوحة المذكورة أو عن ارتجاف ثوب هذه الأخيرة بسبب الريح.

المصدر : الجزيرة

التعليقات