برنار بيفو قدم أشهر البرامج الأدبية والثقافية على الشاشات الفرنسية (الجزيرة نت) 

بوعلام رمضاني-أريس

قليلة هي الحالات التي ينفرد بها كاتب بشهرة تنافس عن جدارة شهرة لاعبي كرة القدم أو نجوم الغناء والسينما. وحده الصحفي الفرنسي برنار بيفو يستطيع أن يزعم أنه النجم الحقيقي والاستثنائي الوحيد الذي استولى على إعجاب النخبة و"الشارع" على السواء مدة ربع قرن، من خلال برامجه الثقافية والأدبية الثرية التي يقدمها على الشاشات.

هذا الصحفي والناقد الذي التقى بأكبر الكتاب من كل أنحاء العالم في برامجه، يعود إلى واجهة المشهد الثقافي بقوة بمناسبة نشر كتابه "كلمات حياتي"، الذي مكنه من البوح بأسرار وأسباب عشقه للكلمات باعتبارها "الزاد الضروري لروح سليمة ومتوازنة بامتياز".

انتقل بيفو المولود عام 1935 في ليون إلى باريس عام 1955 لدراسة الصحافة، والتحق بصحيفة "لوفيغارو" عام 1958، وبدأت رحلته مع الإعلام عام 1970 بتقديم برنامج سياسي أثار استياء الرئيس الراحل جورج بومبيدو، واستقال لاحقا من "لوفيغارو" إثر خلاف مع مسؤول الصحيفة الروائي اليميني الكبير جان دورميسون، وأسس عام 1975 مجلة "لير" مع الإعلامي الشهير جان لوييه سيرفير شرايبر.

ذاع صيته أيضا بفضل تجربة تنشيطه بطولة فرنسا والعالم للإملاء التي أطلقها عام 1985 مع اللغوية ميشلين سومون والتي استمرت حتى غاية عام 1988 قبل أن تتحول إلى مسابقة وطنية.

غلاف كتاب برنار بيفو كلمات حياتي
(الجزيرة نت)

كلمات أحبها
في كتابه الذي صدر قبل أيام عن دار ألبان ميشال تحت عنوان "كلمات حياتي"، وتصدر قائمة الكتب الأكثر مبيعا، نكتشف تجربة ناقد أدبي لم تعرفه فرنسا في تاريخها الحديث، وقارئ مذهل ومحب للدعابة ولوقع الكلمات وإيقاعاتها المتنوعة التي نظر لها ودرسها وتنفسها منزويا ومتعبدا في محراب الكتابة والكلمات.

وبقي بيفو وفيا لطقسه اليومي مدة ربع قرن كامل قضاه في البحث عن الأصيل والمثير والمبدع عن الروائيين والكتاب واللغويين والفلاسفة الذين تجازوا بصيتهم حدود أوطانهم.

وكتب بيفو عن تاريخ وسياق حبه للكلمات أنه أحبها قبل الكتب بفضل شغفه خلال طفولته بقاموس "لاروس الصغير" الذي طبع في الثلاثينيات، وهو القاموس الذي تركه يتعلق بعالم حكايات لافونتين قبل سقوطه ضحية عشق روائي أبدي ما زال أسيره بعد أن التحق بأكاديمية غونكور، رغم أنه لا يعد كاتبا كما تنص عليه تقاليد المؤسسة الفرنسية العريقة التي تكافئ سنويا أحسن الأدباء.

وقال الصحفي الشهير "إن الأديب يكتب للتعبير عن أحاسيسه وتجاربه وأفراحه وأحزانه وليس لتغيير العالم مثل ما حدث في العلوم الإنسانية مع ماركس وفرويد، والكاتب المبدع يعرف بقدرته على تجديد اللغة والأسلوب والنحو مثل ما فعل سيلين وبروست، والشيء نفسه ينسحب على سولرس ولوكليزيو وأشنوز وموديانو".

واعترف الصحفي الشهير الذي قدم برامج فكرية وأدبية على الشاشات الفرنسية بافتقاره لأسلوب وموسيقى كلمات المبدع الحقيقي قائلا "لهذا لم أصبح كاتبا كبيرا وحاولت أن أكون صحفيا وناقدا أدبيا جيدا ".

وما زال بيفو يشغل دنيا الصحافة والأدب بمقاله النقدي الأسبوعي في صحيفة "لوجورنال دو ديمانش".

برنار بيفو اشتهر كصحفي  وناقد أدبي في فرنسا (الجزيرة نت)

مشاهير الأدب
لم يقتصر غزو بيفو لعالم الأدب على مجلة "لير"، ودخل  التلفزيون العمومي بقوة عام 1975 من خلال  تقديم برنامج "أبوستروف" (الفاصلة العليا) الذي كان يتابعه ثلاثة ملايين مشاهد حتى عام 1990 تاريخ شروعه في تقديم برنامج "حسوة" (Bouillon de culture) الذي توقف عام 2001 وظل يشكل حدثا استثنائيا في عالم الثقافة والنشر.

وتحول بيفو إلى "راهب" أهمل عائلته مدة ربع قرن بسبب الكتب والروايات "اللعينة" على حد تعبيره، والتي قرأها بمنهجية وأكاديمية أرعبت وأسعدت معظم ضيوفه الفرنسيين والعالميين من أمثال سولرس ولوكليزيو وموديانو وإيشنوز ومارغريت دوراس، الذين يعدون من أفضل الكتاب في تقديره.

كما استضاف في برنامجه أنطوني بيرجس وألبرتو مورافيا وغنتر غراس وجيل دولوز وفيليب موراي والموسيقي الروسي راشمانيونف وشارل بيكوفسكي وليش فاليزا الرئيس البولوني السابق وسولجنتسين الأديب الروسي المنشق الشهير، وجاك دريدا واللغوي الكبير سيمون ليس، وفلاسفة وسياسيين وموسيقيين، وروائيين بارزين نالوا شهرة أكبر وزادوا من مبيعات كتبهم بعد ظهورهم في برنامجه الأدبي.

ودفعت الخصوصية البيداغوجية والفكرية الاستثنائية التي ميزت البرنامج، الصحفي التلفزيوني الأميركي جيمس ليبتون إلى تقليد بيفو من خلال برنامجه "داخل أكترس ستديو" الذي اشتهر بفضل الصحفي التلفزيوني والناقد الأدبي الفرنسي العجيب، وتوطدت العلاقة بين الرجلين قبل استقبال بيفو لليبتون في آخر حلقة من برنامج "حسوة" ويومها قال الأميركي للصحافة الفرنسية مندهشا ومنبهرا "هل صحيح أنني سأكون  ضيف بيفو؟".

بيفو الذي كان يقرأ لينقد ويحاور المبدعين لم يكن لديه الوقت الكافي والموهبة التي يتطلبها الإبداع الروائي، ورغم ذلك كتب رواية واحدة هي "الحب الرائج" عام 1959 ومن أعماله أيضا "إنذار خادمة لم تتجاوز سن الخمسين" عام 1998 و"مهنة القراءة" عام 1990 الذي أعاد طبعه منقحا عام 2001 –أصل الكتاب حوار أجراه معه المفكر الشهير بيار نورا– و"مائة عبارة يجب أن تنقذ" عام 2008، وغيرها. 

المصدر : الجزيرة