الفنان الألماني فريدريش شونينشترن تعرض للإهمال خصوصا في بلده (الجزيرة نت- أرشيف)

أنطوان جوكي-نيويورك

يصعب اليوم العثور على ناقد أو هاوي فن يعرف الفنان الألماني الكبير فريدريش شرودر شونينشترن (١٨٩٢-١٩٨٢)، رغم افتتان السرّياليين بفنه وشهرته الواسعة في أوروبا وأميركا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

والسبب يعود إلى الإهمال الجائر الذي تعرض له منذ توقّفه عن الرسم في بداية السبعينيات. وهذا ما يدفعنا إلى استغلال فرصة معرضه الحالي المهم في غاليري مايكل وِرنر في نيويورك للتعريف به وبفنه.

يتألف المعرض من ثلاثين لوحة تغطي فترة نشاط شونينشترن الفني في الفترة بين ١٩٤٩ و١٩٧٠ وتمنحنا فكرة دقيقة عن نبوغ هذا العملاق الذي تعلّم الرسم على ذاته وانطلق في ممارسته في السابعة والخمسين من عمره بدون أي معرفة أو اطلاع على فنون عصره.

لوحة السمكة المسحورة (الجزيرة نت)
وقبل التطرق إلى خصوصيات فنه، لا بد من التعريف أولاً بحياته الجانحة التي تشكل فصولها عناصر كافية لكتابة رواية مثيرة. فهو من مواليد كوكيرنيز (شرق بروسيا)، ونشأ داخل عائلة تتألف من أب سكير وأم تعاني من اكتئاب مزمن.

وبدلاً من الاهتمام بتربيته، عوّده والداه على تعاطي الكحول منذ العاشرة من عمره. وخلال السنوات الثماني التي أمضاها في مدرسة القرية، تعرّض لتأنيب مستمر من معلّمه الذي وصفه "كصبي منحرف وعنيد ومقاوم لأي جهد تعليمي".

ومنذ سن الرابعة عشرة أُدخل عدة مرات إلى مؤسسات إصلاحية بسبب نزعته إلى التشرّد والسرقة والعنف، قبل أن يُسجن في مصح ألنبرغ العقلي حيث تم تشخيص خرف مبتسر لديه. وبعد خروجه من المصح، عاد إلى حياة التشرّد وأُوقف مرات عدة بدافع التسول والفجور.

حياة قاسية
خلال التعبئة العامة عام ١٩١٥، جُنّد فترةً قصيرة ثم سُرّح لاعتباره غير مؤهل للخدمة العسكرية، مما دفعه إلى التجوال داخل بلده كتاجر لحساب الجيش الألماني ثم لحسابه الخاص قبل أن يُمنع عام ١٩١٨ من مزاولة مهنة التجارة بعد ثبوت تهمة الاحتيال التي وُجهت إليه.

لوحة "شيطان الطقس الصاعق" (الجزيرة نت)
وبعد عام ونصف من الإقامة الجبرية في مصح تيلسيت ثم في مصح تابيو، أمضى ستة أشهر في المنزل العائلي ثم فر إلى برلين حيث عاش خلال عشر سنوات تحت اسم غوستاف غناس المستعار أسس أثناءها طائفة دينية ونشط كعرّاف وعالم خطوط وممغنِط ومنجّم قبل أن يُسجن عام ١٩٣٠ في مقاطعة بافاريا خمسة أشهر بتهمة الابتزاز، ثم يعاد سجنه بتهمة الممارسة غير المشروعة للطب. وبين عامَي ١٩٣٣ و١٩٣٤، أُدخل مصح نوشتاد ثم أطلق الأطباء سراحه لعدم معاناته، في نظرهم، من أي مرض عقلي.

أما كيف استطاع شونينشترن الإفلات من إبادة النازيين المنهجية لأي حياة "منحطة" أو "غير لائقة بالعرق الآري" فذلك لغزٌ لم يفكه أحدٌ بعد. المهم أنه بدأ بالرسم بطريقة ثابتة عام ١٩٤٩ وبتشجيع من مواطنه الفنان جورو كوبيسِك الذي أُعجب بفنه وعرّفه على تاجر الفن رودولف سبرينغر الذي اشترى منه عشرين رسما. وبسرعة تحسن وضعه المادي واكتسب شهرةً كبيرة، خصوصاً على أثر الفضائح التي أثارتها معارضه وأدّت أحيانا إلى ضبط بعض أعماله التي نُعتت خطأ بالفحش.

الفنان هانز بلمر هو الذي قدّمه إلى المجموعة السرّيالية في باريس كالفنان الحقيقي الوحيد في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، مما دفع أندريه بروتون ومارسيل دوشان إلى إشراكه في المعارض السريالية الدولية الثلاثة التي نظّماها في غاليري كورديي (باريس) عام ١٩٥٩ وغاليري دارسي (نيويورك) عام ١٩٦٠ وغاليري شوارز (ميلانو) عام ١٩٦١. أما الفنان الكبير جان دوبوفي فتحمّس لعمل شونينشترن وروّج له كأفضل ما أُنتج على صعيد الفن الخام.

افتتان نقدي
وفي الولايات المتحدة، افتُتن النقاد بفنه. ومع ذلك، وعلى رغم تهافت مجمّعي الفن في العالم على شراء أعماله، تجاهلته المؤسسات الفنية في وطنه حيث لم يحظ سوى بمعرض فردي واحد في غاليري بروكشتيد (هامبورغ) عام ١٩٦١.

لوحة "قميص الشعب الخارقة والممتعة"
(الجزيرة نت)
وبعد وفاة صديقته، قارئة الكف مارتا مولر عام ١٩٦٤، انغمس شونينشترن من جديد في تعاطي الكحول فأُدخل إلى المستشفى فترة عام ونصف للمعالجة. وبعد خروجه، شحّت قريحته وتراجعت قيمة إنتاجه وشهرته تدريجيا قبل أن يتوفى في برلين عام ١٩٨٢ في حالة بؤس وعزلة مطبقتين.

ويكتشف الناظر إلى لوحاته المعروضة حاليا خيارا مثيراً من الصور الخيالية المبلبلة التي تتوالف داخلها مصادر توراتية وأسطورية وأدبية بطريقة مضحكة، شيطانية أو إيروسية، يبتكر الفنان فيها عالما أسطورياً شخصيا يتمتع برمزية يتعذر اختراقها لكنها تبدو متماسكة.

أعمال تتراوح بين فنٍّ ساذج وأسلوبٍ سرّيالي وتسكنها وحوش وشخصيات هجينة ومكشّرة تتميز بسحنة جنون وتظهر في معظم الأحيان في ظروف غريبة على خلفية موحدة أو فارغة تبرّز مشاهد يصعب تحديدها ويبدو كل شيء فيها جامداً أو مسمّراً، كما لو أننا في فضاءٍٍ وزمنٍٍ جديدين.

أعمالٌ خارقة إذاً لا نجد لها مثيلاً في تاريخ الفن نفّذها شونينشترن بأقلام التلوين على ورق عادي أو مقوّى وبأسلوبٍ متأنق وخاص يبتعد كل البُعد عن أي منهجية، وسعى داخلها إلى مهاجمة الحساسية البورجوازية على جميع المستويات بواسطة خطاب تشكيلي وموضوعي معاكس للمثالية الألمانية السائدة في زمنه ومُفرح بشكلٍ غريب.

المصدر : الجزيرة